كِتَابُ نَفَحَاتِ اللَّاهُوتِ: نَقْلًا مِنْ كِتَابِ الْمَثَالِبِ لِابْنِ شَهْرَآشُوبَ، أَنَّ الصَّادِقَ (عليه السلام) سُئِلَ [عَنْهُمَا]، فَقَالَ: كَانَا إِمَامَيْنِ قَاسِطَيْنِ عَادِلَيْنِ، كَانَا عَلَى الْحَقِّ وَ مَاتَا عَلَيْهِ، فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَمَّا خَلَا الْمَجْلِسُ، قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: كَيْفَ قُلْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ؟!. فَقَالَ: نَعَمْ، أَمَّا قَوْلِي: كَانَا إِمَامَيْنِ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، وَ أَمَّا قَوْلِي قَاسِطَيْنِ، فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً، وَ أَمَّا قَوْلِي عَادِلَيْنِ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، وَ أَمَّا قَوْلِي كَانَا عَلَى الْحَقِّ، فَالْحَقُّ عَلِيٌّ (عليه السلام)، وَ قَوْلِي: مَاتَا عَلَيْهِ، الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَتُوبَا عَنْ تَظَاهُرِهِمَا عَلَيْهِ، بَلْ مَاتَا عَلَى ظُلْمِهِمَا إِيَّاهُ، وَ أَمَّا قَوْلِي: فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُنْتَصَفُ لَهُ مِنْهُمَا، آخِذاً مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ.. حَدَّثَنَا أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْفَزَارِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِنَانٍ الصَّيْرَفِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُوَارِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (صلوات الله عليهما) وَ وَرَدَ نَعْيُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَ وَرَدَ الْأَخْبَارُ بِجَزِّ رَأْسِهِ وَ حَمْلِهِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَ قَتْلِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَ ثَلَاثٍ وَ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ شِيعَتِهِ، وَ قَتْلِ عَلِيٍّ ابْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُوَ طِفْلٌ بِنُشَّابَةٍ، وَ سَبْيِ ذَرَارِيِّهِ أُقِيمَتِ الْمَآتِمُ عِنْدَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَ فِي دُورِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ صَارِخاً مِنْ دَارِهِ لَاطِماً وَجْهَهُ شَاقّاً جَيْبَهُ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ وَ قُرَيْشٍ وَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ! يُسْتَحَلُّ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي أَهْلِهِ وَ ذُرِّيَّتِهِ وَ أَنْتُمْ أَحْيَاءٌ تُرْزَقُونَ؟! لَا قَرَارَ دُونَ يَزِيدَ، وَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ تَحْتَ لَيْلِهِ، لَا يَرِدُ مَدِينَةً إِلَّا صَرَخَ فِيهَا وَ اسْتَنْفَرَ أَهْلَهَا عَلَى يَزِيدَ، وَ أَخْبَارُهُ يُكْتَبُ بِهَا إِلَى يَزِيدَ، فَلَمْ يَمُرَّ بِمَلَإٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا لَعَنَهُ وَ سَمِعَ كَلَامَهُ، وَ قَالُوا هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ابْنُ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ هُوَ يُنْكِرُ فِعْلَ يَزِيدَ بِأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ عَلَى يَزِيدَ، وَ إِنَّ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ لَا دِينَ لَهُ وَ لَا إِسْلَامَ، وَ اضْطَرَبَ الشَّامُ بِمَنْ فِيهِ، وَ وَرَدَ دِمَشْقَ وَ أَتَى بَابَ اللَّعِينِ يَزِيدَ فِي خَلْقٍ مِنَ النَّاسِ يَتْلُونَهُ، فَدَخَلَ آذِنُ يَزِيدَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِوُرُودِهِ وَ يَدُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ وَ النَّاسُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ قُدَّامَهُ وَ وَرَاءَهُ، فَقَالَ يَزِيدُ: فَوْرَةٌ مِنْ فَوْرَاتِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَ عَنْ قَلِيلٍ يُفِيقُ مِنْهَا، فَأَذِنَ لَهُ وَحْدَهُ فَدَخَلَ صَارِخاً يَقُولُ: لَا أَدْخُلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَ قَدْ فَعَلْتَ بِأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا لَوْ تَمَكَّنَتِ التُّرْكُ وَ الرُّومُ مَا اسْتَحَلُّوا مَا اسْتَحْلَلْتَ، وَ لَا فَعَلُوا مَا فَعَلْتَ، قُمْ عَنْ هَذَا الْبِسَاطِ حَتَّى يَخْتَارَ الْمُسْلِمُونَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ، فَرَحَّبَ بِهِ يَزِيدُ وَ تَطَاوَلَ لَهُ وَ ضَمَّهُ إِلَيْهِ وَ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! اسْكُنْ مِنْ فَوْرَتِكَ، وَ اعْقِلْ، وَ انْظُرْ بِعَيْنِكَ وَ اسْمَعْ بِأُذُنِكَ، مَا تَقُولُ فِي أَبِيكَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَ كَانَ هَادِياً مَهْدِيّاً خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ نَاصِرَهُ وَ مُصَاهِرَهُ بِأُخْتِكَ حَفْصَةَ، وَ الَّذِي قَالَ: لَا يُعْبَدُ اللَّهُ سِرّاً؟!. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هُوَ كَمَا وَصَفْتَ، فَأَيَّ شَيْءٍ تَقُولُ فِيهِ؟. قَالَ: أَبُوكَ قَلَّدَ أَبِي أَمْرَ الشَّامِ أَمْ أَبِي قَلَّدَ أَبَاكَ خِلَافَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)؟. فَقَالَ: أَبِي قَلَّدَ أَبَاكَ الشَّامَ. قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أَ فَتَرْضَى بِهِ وَ بِعَهْدِهِ إِلَى أَبِي أَوْ مَا تَرْضَاهُ؟. قَالَ: بَلْ أَرْضَى. قَالَ: أَ فَتَرْضَى بِأَبِيكَ؟. قَالَ: نَعَمْ، فَضَرَبَ يَزِيدُ بِيَدِهِ عَلَى يَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَ قَالَ لَهُ: قُمْ- يَا أَبَا مُحَمَّدٍ- حَتَّى تَقْرَأَ، فَقَامَ مَعَهُ حَتَّى وَرَدَ خِزَانَةً مِنْ خَزَائِنِهِ، فَدَخَلَهَا وَ دَعَا بِصُنْدُوقٍ فَفَتَحَهُ وَ اسْتَخْرَجَ مِنْهُ تَابُوتاً مُقَفَّلًا مَخْتُوماً فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ طُومَاراً لَطِيفاً فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ سَوْدَاءَ، فَأَخَذَ الطُّومَارَ بِيَدِهِ وَ نَشَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! هَذَا خَطُّ أَبِيكَ؟. قَالَ: إِي وَ اللَّهِ.. فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقَرَأَهُ ابْنُ عُمَرَ، فَإِذَا فِيهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ إِنَّ الَّذِي أَكْرَهَنَا بِالسَّيْفِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ فَأَقْرَرْنَا، وَ الصُّدُورُ وَغْرَةٌ، وَ الْأَنْفُسُ وَاجِفَةٌ، وَ النِّيَّاتُ وَ الْبَصَائِرُ شَائِكَةٌ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ جَحْدِنَا مَا دَعَانَا إِلَيْهِ وَ أَطَعْنَاهُ فِيهِ رَفْعاً لِسُيُوفِهِ عَنَّا، وَ تَكَاثُرِهِ بِالْحَيِّ عَلَيْنَا مِنَ الْيَمَنِ، وَ تَعَاضُدِ مَنْ سَمِعَ بِهِ مِمَّنْ تَرَكَ دِينَهُ وَ مَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُ فِي قُرَيْشٍ، فَبِهُبَلَ أُقْسِمُ وَ الْأَصْنَامِ وَ الْأَوْثَانِ وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى مَا جَحَدَهَا عُمَرُ مُذْ عَبَدَهَا! وَ لَا عَبَدَ لِلْكَعْبَةِ رَبّاً! وَ لَا صَدَّقَ لِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) قَوْلًا، وَ لَا أَلْقَى السَّلَامَ إِلَّا لِلْحِيلَةِ عَلَيْهِ وَ إِيقَاعِ الْبَطْشِ بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَتَانَا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، وَ زَادَ فِي سِحْرِهِ عَلَى سِحْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ مُوسَى وَ هَارُونَ وَ دَاوُدَ وَ سُلَيْمَانَ وَ ابْنِ أُمِّهِ عِيسَى، وَ لَقَدْ أَتَانَا بِكُلِّ مَا أَتَوْا بِهِ مِنَ السِّحْرِ وَ زَادَ عَلَيْهِمْ مَا لَوْ أَنَّهُمْ شَهِدُوهُ لَأَقَرُّوا لَهُ بِأَنَّهُ سَيِّدُ السَّحَرَةِ، فَخُذْ يَا ابْنَ أَبِي سُفْيَانَ- سُنَّةَ قَوْمِكَ وَ اتِّبَاعَ مِلَّتِكَ وَ الْوَفَاءَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُكَ مِنْ جَحْدِ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ الَّتِي يَقُولُونَ إِنَّ لَهَا رَبّاً أَمَرَهُمْ بِإِتْيَانِهَا وَ السَّعْيِ حَوْلَهَا وَ جَعَلَهَا لَهُمْ قِبْلَةً فَأَقَرُّوا بِالصَّلَاةِ وَ الْحَجِّ الَّذِي جَعَلُوهُ رُكْناً، وَ زَعَمُوا أَنَّهُ لِلَّهِ اخْتَلَقُوا، فَكَانَ مِمَّنْ أَعَانَ مُحَمَّداً مِنْهُمْ هَذَا الْفَارِسِيُّ الطمطاني [الطُّمْطُمَانِيُّ: رُوزْبِهُ، وَ قَالُوا إِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ، وَ قَوْلُهُمْ: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَ جَعَلُوا صَلَاتَهُمْ لِلْحِجَارَةِ، فَمَا الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَيْنَا لَوْ لَا سِحْرُهُ مِنْ عِبَادَتِنَا لِلْأَصْنَامِ وَ الْأَوْثَانِ وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى وَ هِيَ مِنَ الْحِجَارَةِ وَ الْخَشَبِ وَ النُّحَاسِ وَ الْفِضَّةِ وَ الذَّهَبِ، لَا- وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى مَا وَجَدْنَا سَبَباً لِلْخُرُوجِ عَمَّا عِنْدَنَا وَ إِنْ سَحَرُوا وَ مَوَّهُوا، فَانْظُرْ بِعَيْنٍ مُبْصِرَةٍ، وَ اسْمَعْ بِأُذُنٍ وَاعِيَةٍ، وَ تَأَمَّلْ بِقَلْبِكَ وَ عَقْلِكَ مَا هُمْ فِيهِ، وَ اشْكُرِ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ اسْتِخْلَافَ السَّيِّدِ الرَّشِيدِ عَتِيقِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَ تَحَكُّمَهُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَ دِمَائِهِمْ وَ شَرِيعَتِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ حَلَالِهِمْ وَ حَرَامِهِمْ، وَ جِبَايَاتِ الْحُقُوقِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَجْبُونَهَا لِرَبِّهِمْ لِيُقِيمُوا بِهَا أَنْصَارَهُمْ وَ أَعْوَانَهُمْ، فَعَاشَ شَدِيداً رَشِيداً يَخْضَعُ جَهْراً وَ يَشْتَدُّ سِرّاً، وَ لَا يَجِدُ حِيلَةً غَيْرَ مُعَاشَرَةِ الْقَوْمِ، وَ لَقَدْ وَثَبْتُ وَثْبَةً عَلَى شِهَابِ بَنِي هَاشِمٍ الثَّاقِبِ، وَ قَرْنِهَا الزَّاهِرِ، وَ عَلَمِهَا النَّاصِرِ، وَ عِدَّتِهَا وَ عُدَدِهَا الْمُسَمَّى بِحَيْدَرَةَ الْمُصَاهِرِ لِمُحَمَّدٍ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي جَعَلُوهَا سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يُسَمُّونَهَا: فَاطِمَةَ، حَتَّى أَتَيْتُ دَارَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ ابْنَيْهِمَا الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ ابْنَتَيْهِمَا زَيْنَبَ وَ أُمِّ كُلْثُومٍ، وَ الْأَمَةِ الْمَدْعُوَّةِ بِفِضَّةَ، وَ مَعِي خَالِدُ بْنُ وَلِيدٍ وَ قُنْفُذٌ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ وَ مَنْ صَحِبَ مِنْ خَواصِّنَا، فَقَرَعْتُ الْبَابَ عَلَيْهِمْ قَرْعاً شَدِيداً، فَأَجَابَتْنِي الْأَمَةُ، فَقُلْتُ لَهَا: قُولِي لِعَلِيٍّ: دَعِ الْأَبَاطِيلَ وَ لَا تَلِجْ نَفْسَكَ إِلَى طَمَعِ الْخِلَافَةِ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ لَكَ، الْأَمْرُ لِمَنِ اخْتَارَهُ الْمُسْلِمُونَ وَ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَ رَبِّ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى لَوْ كَانَ الْأَمْرُ وَ الرَّأْيُ لِأَبِي بَكْرٍ لَفَشِلَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ خِلَافَةِ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، لَكِنِّي أَبْدَيْتُ لَهَا صَفْحَتِي، وَ أَظْهَرْتُ لَهَا بَصَرِي، وَ قُلْتُ لِلْحَيَّيْنِ- نِزَارٍ وَ قَحْطَانَ- بَعْدَ أَنْ قُلْتُ لَهُمْ لَيْسَ الْخِلَافَةُ إِلَّا فِي قُرَيْشٍ، فَأَطِيعُوهُمْ مَا أَطَاعُوا اللَّهَ، وَ إِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِمَا سَبَقَ مِنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ وُثُوبِهِ وَ اسْتِيثَارِهِ بِالدِّمَاءِ الَّتِي سَفَكَهَا فِي غَزَوَاتِ مُحَمَّدٍ وَ قَضَاءِ دُيُونِهِ، وَ هِيَ- ثَمَانُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ- وَ إِنْجَازِ عِدَاتِهِ، وَ جَمْعِ الْقُرْآنِ، فَقَضَاهَا عَلَى تَلِيدِهِ وَ طَارِفِهِ، وَ قَوْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- لَمَّا قُلْتُ إِنَّ الْإِمَامَةَ فِي قُرَيْشٍ قَالُوا: هُوَ الْأَصْلَعُ الْبَطِينُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) الْبَيْعَةَ لَهُ عَلَى أَهْلِ مِلَّتِهِ، وَ سَلَّمْنَا لَهُ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ، فَإِنْ كُنْتُمْ نَسِيتُمُوهَا- مَعْشَرَ قُرَيْشٍ- فَمَا نَسِينَاهَا وَ لَيْسَتِ الْبَيْعَةُ وَ لَا الْإِمَامَةُ وَ الْخِلَافَةُ وَ الْوَصِيَّةُ إِلَّا حَقّاً مَفْرُوضاً، وَ أَمْراً صَحِيحاً، لَا تَبَرُّعاً وَ لَا ادِّعَاءً فَكَذَّبْنَاهُمْ، وَ أَقَمْتُ أَرْبَعِينَ رَجُلًا شَهِدُوا عَلَى مُحَمَّدٍ أَنَّ الْإِمَامَةَ بِالاخْتِيَارِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ الْأَنْصَارُ: نَحْنُ أَحَقُّ مِنْ قُرَيْشٍ، لِأَنَّا آوَيْنَا وَ نَصَرْنَا وَ هَاجَرَ النَّاسُ إِلَيْنَا، فَإِذَا كَانَ دَفْعُ مَنْ كَانَ الْأَمْرُ لَهُ فَلَيْسَ هَذَا الْأَمْرُ لَكُمْ دُونَنَا، وَ قَالَ قَوْمٌ: مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْكُمْ أَمِيرٌ. قُلْنَا لَهُمْ: قَدْ شَهِدُوا أَرْبَعُونَ رَجُلًا أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَبِلَ قَوْمٌ وَ أَنْكَرَ آخَرُونَ وَ تَنَازَعُوا، فَقُلْتُ- وَ الْجَمْعُ يَسْمَعُونَ-: أَلَا أَكْبَرُنَا سِنّاً وَ أَكْثَرُنَا لِيناً. قَالُوا: فَمَنْ تَقُولُ؟. قُلْتُ: أَبُو بَكْرٍ الَّذِي قَدَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي الصَّلَاةِ، وَ جَلَسَ مَعَهُ فِي الْعَرِيشِ يَوْمَ بَدْرٍ يُشَاوِرُهُ وَ يَأْخُذُ بِرَأْيِهِ، وَ كَانَ صَاحِبَهُ فِي الْغَارِ، وَ زَوْجَ ابْنَتِهِ عَائِشَةَ الَّتِي سَمَّاهَا: أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَقْبَلَ بَنُو هَاشِمٍ يَتَمَيَّزُونَ غَيْظاً، وَ عَاضَدَهُمُ الزُّبَيْرُ وَ سَيْفُهُ مَشْهُورٌ وَ قَالَ: لَا يُبَايَعُ إِلَّا عَلِيٌّ أَوْ لَا أَمْلِكُ رَقَبَةَ قَائِمَةِ سَيْفِي هَذَا، فَقُلْتُ: يَا زُبَيْرُ! صَرَخَتْكَ سَكَنٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، أُمُّكَ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: ذَلِكَ- وَ اللَّهِ- الشَّرَفُ الْبَاذِخُ وَ الْفَخْرُ الْفَاخِرُ، يَا ابْنَ حَنْتَمَةَ وَ يَا ابْنَ صُهَاكَ! اسْكُتْ لَا أُمَّ لَكَ، فَقَالَ قَوْلًا فَوَثَبَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِمَّنْ حَضَرَ سَقِيفَةَ بَنِي سَاعِدَةَ عَلَى الزُّبَيْرِ، فَوَ اللَّهِ مَا قَدَرْنَا عَلَى أَخْذِ سَيْفِهِ مِنْ يَدِهِ حَتَّى وَسَّدْنَاهُ الْأَرْضَ، وَ لَمْ نَرَ لَهُ عَلَيْنَا نَاصِراً، فَوَثَبْتُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَصَافَحْتُهُ وَ عَاقَدْتُهُ الْبَيْعَةَ وَ تَلَانِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَ سَائِرُ مَنْ حَضَرَ غَيْرَ الزُّبَيْرِ، وَ قُلْنَا لَهُ: بَايِعْ أَوْ نَقْتُلَكَ، ثُمَّ كَفَفْتُ عَنْهُ النَّاسَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَمْهِلُوهُ، فَمَا غَضِبَ إِلَّا نَخْوَةً لِبَنِي هَاشِمٍ، وَ أَخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ بِيَدِهِ فَأَقَمْتُهُ- وَ هُوَ يَرْتَعِدُ- قَدِ اخْتَلَطَ عَقْلُهُ، فَأَزْعَجْتُهُ إِلَى مِنْبَرِ مُحَمَّدٍ إِزْعَاجاً، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا حَفْصٍ! أَخَافُ وَثْبَةَ عَلِيٍّ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَلِيّاً عَنْكَ مَشْغُولٌ، وَ أَعَانَنِي عَلَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ كَانَ يَمُدُّهُ بِيَدِهِ إِلَى الْمِنْبَرِ وَ أَنَا أُزْعِجُهُ مِنْ وَرَائِهِ كَالتَّيْسِ إِلَى شِفَارِ الْجَاذِرِ، مُتَهَوِّناً، فَقَامَ عَلَيْهِ مَدْهُوشاً، فَقُلْتُ لَهُ: اخْطُبْ! فَأُغْلِقَ عَلَيْهِ وَ تَثَبَّتَ فَدَهِشَ، وَ تَلَجْلَجَ وَ غَمَّضَ، فَعَضَضْتُ عَلَى كَفِّي غَيْظاً، وَ قُلْتُ لَهُ: قُلْ مَا سَنَحَ لَكَ، فَلَمْ يَأْتِ خَيْراً وَ لَا مَعْرُوفاً، فَأَرَدْتُ أَنْ أُحِطَّهُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَ أَقُومَ مَقَامَهُ، فَكَرِهْتُ تَكْذِيبَ النَّاسِ لِي بِمَا قُلْتُ فِيهِ، وَ قَدْ سَأَلَنِي الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ: كَيْفَ قُلْتَ مِنْ فَضْلِهِ مَا قُلْتَ؟ مَا الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي أَبِي بَكْرٍ؟ فَقُلْتُ: لَهُمْ: قَدْ قُلْتُ: سَمِعْتُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ مَا لو وددت [لَوَدِدْتُ أَنِّي شَعْرَةٌ فِي صَدْرِهِ وَ لِي حِكَايَةٌ، فَقُلْتُ: قُلْ وَ إِلَّا فَانْزِلْ، فَتَبَيَّنَهَا وَ اللَّهِ فِي وَجْهِي وَ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ لَرَقِيتُ، وَ قُلْتُ مَا لَا يَهْتَدِي إِلَى قَوْلِهِ، فَقَالَ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ عَلِيلٍ: وَلِيتُكُمْ وَ لَسْتُ بِخَيْرِكُمْ وَ عَلِيٌّ فِيكُمْ، وَ اعْلَمُوا أَنَّ لِي شَيْطَاناً يَعْتَرِينِي- وَ مَا أَرَادَ بِهِ سِوَايَ- فَإِذَا زَلَلْتُ فَقَوِّمُونِي لَا أَقَعْ فِي شُعُورِكُمْ وَ أَبْشَارِكُمْ، وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ، وَ نَزَلَ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ- وَ أَعْيَنُ النَّاسِ تَرْمُقُهُ- وَ غَمَزْتُ يَدَهُ غَمْزاً، ثُمَّ أَجْلَسْتُهُ وَ قَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِهِ وَ صُحْبَتِهِ لِأُرْهِبَهُ، وَ كُلَّ مَنْ يُنْكِرُ بَيْعَتَهُ وَ يَقُولُ: مَا فَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَأَقُولُ: خَلَعَهَا مِنْ عُنُقِهِ وَ جَعَلَهَا طَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ قِلَّةَ خِلَافٍ عَلَيْهِمْ فِي اخْتِيَارِهِمْ، فَصَارَ جَلِيسَ بَيْتِهِ، فَبَايَعُوا وَ هُمْ كَارِهُونَ، فَلَمَّا فَشَتْ بَيْعَتُهُ عَلِمْنَا أَنَّ عَلِيّاً يَحْمِلُ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ إِلَى دُورِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ يُذَكِّرُهُمْ بَيْعَتَهُ عَلَيْنَا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ، وَ يَسْتَنْفِرُهُمْ فَيَعِدُونَهُ النُّصْرَةَ لَيْلًا وَ يَقْعُدُونَ عَنْهُ نَهَاراً، فَأَتَيْتُ دَارَهُ مُسْتَيْشِراً لِإِخْرَاجِهِ مِنْهَا، فَقَالَتِ الْأَمَةُ فِضَّةُ- وَ قَدْ قُلْتُ لَهَا قُولِي لِعَلِيٍّ: يَخْرُجْ إِلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَتْ- إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مَشْغُولٌ، فَقُلْتُ: خَلِّي عَنْكِ هَذَا وَ قُولِي لَهُ يَخْرُجْ وَ إِلَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ وَ أَخْرَجْنَاهُ كَرْهاً، فَخَرَجَتْ فَاطِمَةُ فَوَقَفَتْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، فَقَالَتْ: أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ! مَا ذَا تَقُولُونَ؟ وَ أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُونَ؟. فَقُلْتُ: يَا فَاطِمَةُ!. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: مَا تَشَاءُ يَا عُمَرُ؟!. فَقُلْتُ: مَا بَالُ ابْنِ عَمِّكِ قَدْ أَوْرَدَكِ لِلْجَوَابِ وَ جَلَسَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ؟. فَقَالَتْ لِي: طُغْيَانُكَ- يَا شَقِيُّ- أَخْرَجَنِي وَ أَلْزَمَكَ الْحُجَّةَ، وَ كُلَّ ضَالٍّ غَوِيٍّ. فَقُلْتُ: دَعِي عَنْكِ الْأَبَاطِيلَ وَ أَسَاطِيرَ النِّسَاءِ وَ قُولِي لِعَلِيٍّ يَخْرُجْ. فَقَالَتْ: لَا حُبَّ وَ لَا كَرَامَةَ أَ بِحِزْبِ الشَّيْطَانِ تُخَوِّفُنِي يَا عُمَرُ؟! وَ كَانَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ضَعِيفاً. فَقُلْتُ: إِنْ لَمْ يَخْرُجْ جِئْتُ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ وَ أَضْرَمْتُهَا نَاراً عَلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ وَ أُحْرِقُ مَنْ فِيهِ، أَوْ يُقَادَ عَلِيٌّ إِلَى الْبَيْعَةِ، وَ أَخَذْتُ سَوْطَ قُنْفُذٍ فَضَرَبْتُ وَ قُلْتُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: أَنْتَ وَ رِجَالُنَا هَلُمُّوا فِي جَمْعِ الْحَطَبِ، فَقُلْتُ: إِنِّي مُضْرِمُهَا. فَقَالَتْ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّ رَسُولِهِ وَ عَدُوَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَضَرَبَتْ فَاطِمَةُ يَدَيْهَا مِنَ الْبَابِ تَمْنَعُنِي مِنْ فَتْحِهِ فَرُمْتُهُ فَتَصَعَّبَ عَلَيَّ فَضَرَبْتُ كَفَّيْهَا بِالسَّوْطِ فَأَلَّمَهَا، فَسَمِعْتُ لَهَا زَفِيراً وَ بُكَاءً، فَكِدْتُ أَنْ أَلِينَ وَ أَنْقَلِبَ عَنِ الْبَابِ فَذَكَرْتُ أَحْقَادَ عَلِيٍّ وَ وُلُوعَهُ فِي دِمَاءِ صَنَادِيدِ الْعَرَبِ، وَ كَيْدَ مُحَمَّدٍ وَ سِحْرَهُ، فَرَكَلْتُ الْبَابَ وَ قَدْ أَلْصَقَتْ أَحْشَاءَهَا بِالْبَابِ تَتْرُسُهُ، وَ سَمِعْتُهَا وَ قَدْ صَرَخَتْ صَرْخَةً حَسِبْتُهَا قَدْ جَعَلَتْ أَعْلَى الْمَدِينَةِ أَسْفَلَهَا، وَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهْ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَكَذَا كَانَ يُفْعَلُ بِحَبِيبَتِكَ وَ ابْنَتِكَ، آهِ يَا فِضَّةُ! إِلَيْكِ فَخُذِينِي فَقَدْ وَ اللَّهِ قُتِلَ مَا فِي أَحْشَائِي مِنْ حَمْلٍ، وَ سَمِعْتُهَا تَمْخَضُ وَ هِيَ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى الْجِدَارِ، فَدَفَعْتُ الْبَابَ وَ دَخَلْتُ فَأَقْبَلَتْ إِلَيَّ بِوَجْهٍ أَغْشَى بَصَرِي، فَصَفَقْتُ صَفْقَةً عَلَى خَدَّيْهَا مِنْ ظَاهِرِ الْخِمَارِ فَانْقَطَعَ قُرْطُهَا وَ تَنَاثَرَتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَ خَرَجَ عَلِيٌّ، فَلَمَّا أَحْسَسْتُ بِهِ أَسْرَعْتُ إِلَى خَارِجِ الدَّارِ وَ قُلْتُ لِخَالِدٍ وَ قُنْفُذٍ وَ مَنْ مَعَهُمَا: نَجَوْتُ مِنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ. وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: قَدْ جَنَيْتُ جِنَايَةً عَظِيمَةً لَا آمَنُ عَلَى نَفْسِي. وَ هَذَا عَلِيٌّ قَدْ بَرَزَ مِنَ الْبَيْتِ وَ مَا لِي وَ لَكُمْ جَمِيعاً بِهِ طَاقَةٌ. فَخَرَجَ عَلِيٌّ وَ قَدْ ضَرَبَتْ يَدَيْهَا إِلَى نَاصِيَتِهَا لِتَكْشِفَ عَنْهَا وَ تَسْتَغِيثَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مَا نَزَلَ بِهَا، فَأَسْبَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهَا مُلَاءَتَهَا وَ قَالَ لَهَا: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ أَبَاكِ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ كَشَفْتِ عَنْ نَاصِيَتِكِ سَائِلَةً إِلَى رَبِّكِ لِيُهْلِكَ هَذَا الْخَلْقَ لَأَجَابَكِ حَتَّى لَا يُبْقِيَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُمْ بَشَراً، لِأَنَّكِ وَ أَبَاكِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ نُوحٍ (عليه السلام) الَّذِي غَرَّقَ مِنْ أَجْلِهِ بِالطُّوفَانِ جَمِيعَ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ، وَ أَهْلَكَ قَوْمَ هُودٍ بِتَكْذِيبِهِمْ لَهُ، وَ أَهْلَكَ عَاداً بِرِيحٍ صَرْصَرٍ، وَ أَنْتِ وَ أَبُوكِ أَعْظَمُ قَدْراً مِنْ هُودٍ، وَ عَذَّبَ ثَمُودَ- وَ هِيَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً- بِعَقْرِ النَّاقَةِ وَ الْفَصِيلِ، فَكُونِي يَا سَيِّدَةَ النِّسَاءِ- رَحْمَةً عَلَى هَذَا الْخَلْقِ الْمَنْكُوسِ وَ لَا تَكُونِي عَذَاباً، وَ اشْتَدَّ بِهَا الْمَخَاضُ وَ دَخَلَتِ الْبَيْتَ فَأَسْقَطَتْ سِقْطاً سَمَّاهُ عَلِيٌّ: مُحَسِّناً، وَ جَمَعْتُ جَمْعاً كَثِيراً، لَا مُكَاثَرَةً لِعَلِيٍّ وَ لَكِنْ لِيَشُدَّ بِهِمْ قَلْبِي وَ جِئْتُ- وَ هُوَ مُحَاصَرٌ- فَاسْتَخْرَجْتُهُ مِنْ دَارِهِ مُكْرَهاً مَغْصُوباً وَ سُقْتُهُ إِلَى الْبَيْعَةِ سَوْقاً، وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ عِلْماً يَقِيناً لَا شَكَّ فِيهِ لَوِ اجْتَهَدْتُ أَنَا وَ جَمِيعُ مَنْ عَلَى الْأَرْضِ جَمِيعاً عَلَى قَهْرِهِ مَا قَهَرْنَاهُ، وَ لَكِنْ لِهَنَاتٍ كَانَتْ فِي نَفْسِهِ أَعْلَمُهَا وَ لَا أَقُولُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ قَامَ أَبُو بَكْرٍ وَ مَنْ بِحَضْرَتِهِ يَسْتَهْزِءُونَ بِعَلِيٍّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا عُمَرُ! أَ تُحِبُّ أَنْ أُعَجِّلَ لَكَ مَا أَخَّرْتُهُ سَوَاءً عَنْكَ؟ فَقُلْتُ: لَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَسَمِعَنِي وَ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَأَسْرَعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: مَا لِي وَ لِعُمَرَ.. ثَلَاثاً، وَ النَّاسُ يَسْمَعُونَ، وَ لَمَّا دَخَلَ السَّقِيفَةَ صَبَا أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ بَايَعْتَ يَا أَبَا الْحَسَنِ! فَانْصَرِفْ، فَأَشْهَدُ مَا بَايَعَهُ وَ لَا مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ، وَ كَرِهْتُ أَنْ أُطَالِبَهُ بِالْبَيْعَةِ فَيُعَجِّلَ لِي مَا أَخَّرَهُ عَنِّي، وَ وَدَّ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ عَلِيّاً فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ جَزَعاً وَ خَوْفاً مِنْهُ، وَ رَجَعَ عَلِيٌّ مِنَ السَّقِيفَةِ وَ سَأَلْنَا عَنْهُ، فَقَالُوا: مَضَى إِلَى قَبْرِ مُحَمَّدٍ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَقُمْتُ أَنَا وَ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِ، وَ جِئْنَا نَسْعَى وَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَيْلَكَ يَا عُمَرُ! مَا الَّذِي صَنَعْتَ بِفَاطِمَةَ، هَذَا وَ اللَّهِ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَعْظَمَ مَا عَلَيْكَ أَنَّهُ مَا بَايَعَنَا وَ لَا أَثِقُ أَنْ تَتَثَاقَلَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ. فَقَالَ: فَمَا تَصْنَعُ؟. فَقُلْتُ: تُظْهِرُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَكَ عِنْدَ قَبْرِ مُحَمَّدٍ، فَأَتَيْنَاهُ وَ قَدْ جَعَلَ الْقَبْرَ قِبْلَةً، مُسْنِداً كَفَّهُ عَلَى تُرْبَتِهِ وَ حَوْلَهُ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ عَمَّارٌ وَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، فَجَلَسْنَا بِإِزَائِهِ وَ أَوْعَزْتُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى مِثْلِ مَا وَضَعَ عَلِيٌّ يَدَهُ وَ يُقَرِّبَهَا مِنْ يَدِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَ أَخَذْتُ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ لِأَمْسَحَهَا عَلَى يَدِهِ، وَ أَقُولَ قَدْ بَايَعَ، فَقَبَضَ عَلِيٌّ يَدَهُ فَقُمْتُ أَنَا وَ أَبُو بَكْرٍ مُوَلِّياً، وَ أَنَا أَقُولُ: جَزَى اللَّهُ عَلِيّاً خَيْراً فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْكَ الْبَيْعَةَ لَمَّا حَضَرْتَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فَوَثَبَ مِنْ دُونِ الْجَمَاعَةِ أَبُو ذَرٍّ جُنْدَبُ بْنُ جُنَادَةَ الْغِفَارِيُّ وَ هُوَ يَصِيحُ وَ يَقُولُ: وَ اللَّهِ- يَا عَدُوَّ اللَّهِ- مَا بَايَعَ عَلِيٌّ عَتِيقاً، وَ لَمْ يَزَلْ كُلَّمَا لَقِينَا قَوْماً وَ أَقْبَلْنَا عَلَى قَوْمٍ نُخْبِرُهُمْ بِبَيْعَتِهِ وَ أَبُو ذَرٍّ يُكَذِّبُنَا، وَ اللَّهِ مَا بَايَعَنَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَ لَا فِي خِلَافَتِي وَ لَا يُبَايِعُ لِمَنْ بَعْدِي وَ لَا بَايَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا لَا لِأَبِي بَكْرٍ وَ لَا لِي، فَمَنْ فَعَلَ- يَا مُعَاوِيَةُ- فِعْلِي وَ اسْتَشَارَ أَحْقَادَهُ السَّالِفَةَ غَيْرِي؟!. وَ أَمَّا أَنْتَ وَ أَبُوكَ أَبُو سُفْيَانَ وَ أَخُوكَ عُتْبَةُ فَأَعْرِفُ مَا كَانَ مِنْكُمْ فِي تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ كَيْدِهِ، وَ إِدَارَةِ الدَّوَائِرِ بِمَكَّةَ وَ طَلِبَتِهِ فِي جَبَلِ حَرَى لِقَتْلِهِ، وَ تَأَلُّفِ الْأَحْزَابِ وَ جَمْعِهِمْ عَلَيْهِ، وَ رُكُوبَ أَبِيكَ الْجَمَلَ وَ قَدْ قَادَ الْأَحْزَابَ، وَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ: لَعَنَ اللَّهُ الرَّاكِبَ وَ الْقَائِدَ وَ السَّائِقَ، وَ كَانَ أَبُوكَ الرَّاكِبَ وَ أَخُوكَ عُتْبَةُ الْقَائِدَ وَ أَنْتَ السَّائِقَ، وَ لَمْ أَنْسَ أُمَّكَ هِنْداً وَ قَدْ بَذَلَتْ لِوَحْشِيٍّ مَا بَذَلَتْ حَتَّى تَكَمَّنَ لِحَمْزَةَ الَّذِي دَعَوْهُ أَسَدَ الرَّحْمَنِ فِي أَرْضِهِ- وَ طَعَنَهُ بِالْحَرْبَةِ، …
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)