فَفَلَقَ فُؤَادَهُ وَ شَقَّ عَنْهُ وَ أَخَذَ كَبِدَهُ فَحَمَلَهُ إِلَى أُمِّكَ، فَزَعَمَ مُحَمَّدٌ بِسِحْرِهِ أَنَّهُ لَمَّا أَدْخَلَتْهُ فَاهَا لِتَأْكُلَهُ صَارَ جُلْمُوداً فَلَفَظَتْهُ مِنْ فِيهَا، فَسَمَّاهَا مُحَمَّدٌ وَ أَصْحَابُهُ: آكِلَةَ الْأَكْبَادِ، وَ قَوْلَهَا فِي شِعْرِهَا لِاعْتِدَاءِ مُحَمَّدٍ وَ مُقَاتِلِيهِ: وَ نِسْوَتُهَا فِي الثِّيَابِ الصُّفْرِ الْمَرْئِيَّةِ مُبْدِيَاتٍ وُجُوهَهُنَّ وَ مَعَاصِمَهُنَّ وَ رُءُوسَهُنَّ يَحْرِصْنَ عَلَى قِتَالِ مُحَمَّدٍ، إِنَّكُمْ لَمْ تُسَلِّمُوا طَوْعاً وَ إِنَّمَا أَسْلَمْتُمْ كَرْهاً يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَجَعَلَكُمْ طُلَقَاءَ، وَ جَعَلَ أَخِي زَيْداً وَ عَقِيلًا أَخَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ الْعَبَّاسَ عَمَّهُمْ مِثْلَهُمْ، وَ كَانَ مِنْ أَبِيكَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: وَ اللَّهِ يَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ! لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَ رَجِلًا وَ أَحُولُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَعْدَاءِ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَ يُؤْذِنُ لِلنَّاسِ أَنَّهُ عَلِمَ مَا فِي نَفْسِهِ أَوْ يَكْفِي اللَّهُ شَرَّكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! وَ هُوَ يُرِي النَّاسَ أَنْ لَا يَعْلُوَهَا أَحَدٌ غَيْرِي، وَ عَلِيٍّ وَ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَبَطَلَ سِحْرُهُ وَ خَابَ سَعْيُهُ، وَ عَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ وَ عَلَوْتُهَا بَعْدَهُ وَ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا مَعَاشِرَ بَنِي أُمَيَّةَ عِيدَانَ أَطْنَابِهَا، فَمِنْ ذَلِكَ قَدْ وَلَّيْتُكَ وَ قَلَّدْتُكَ إِبَاحَةَ مُلْكِهَا وَ عَرَّفْتُكَ فِيهَا وَ خَالَفْتُ قَوْلَهُ فِيكُمْ، وَ مَا أُبَالِي مِنْ تَأْلِيفِ شِعْرِهِ وَ نَثْرِهِ، أَنَّهُ قَالَ: يُوحَى إِلَيَّ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّي فِي قَوْلِهِ: وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ فَزَعَمَ أَنَّهَا أَنْتُمْ يَا بَنِي أُمَيَّةَ، فَبَيَّنَ عَدَاوَتَهُ حَيْثُ مَلِكَ كَمَا لَمْ يَزَلْ هَاشِمٌ وَ بَنُوهُ أَعْدَاءَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَ أَنَا- مَعَ تَذْكِيرِي إِيَّاكَ يَا مُعَاوِيَةُ! وَ شَرْحِي لَكَ مَا قَدْ شَرَحْتُهُ- نَاصِحٌ لَكَ وَ مُشْفِقٌ عَلَيْكَ مِنْ ضِيقِ عَطَنِكَ وَ حَرَجِ صَدْرِكَ، وَ قِلَّةِ حِلْمِكَ، أَنْ تُعَجِّلَ فِيمَا وَصَّيْتُكَ بِهِ وَ مَكَّنْتُكَ مِنْهُ مِنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ أُمَّتِهِ أَنْ تُبْدِيَ لَهُمْ مُطَالَبَتَهُ بِطَعْنٍ أَوْ شَمَاتَةً بِمَوْتٍ أَوْ رَدّاً عَلَيْهِ فِيمَا أَتَى بِهِ، أَوْ اسْتِصْغَاراً لِمَا أَتَى بِهِ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ، فَتَخْفِضَ مَا رَفَعْتُ وَ تَهْدِمَ مَا بَنَيْتُ، وَ احْذَرْ كُلَ الْحَذَرِ حَيْثُ دَخَلْتَ عَلَى مُحَمَّدٍ مَسْجِدَهُ وَ مِنْبَرَهُ وَ صَدِّقْ مُحَمَّداً فِي كُلِّ مَا أَتَى بِهِ وَ أَوْرَدَهُ ظَاهِراً، وَ أَظْهِرِ التَّحَرُّزَ وَ الْوَاقِعَةَ فِي رَعِيَّتِكَ، وَ أَوْسِعْهُمْ حِلْماً، وَ أَعِمَّهُمْ بِرَوَائِحِ الْعَطَايَا، وَ عَلَيْكَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ فِيهِمْ وَ تَضْعِيفِ الْجِنَايَةِ مِنْهُمْ لسببا [لِسَبَبِ مُحَمَّدٍ مِنْ مَالِكَ وَ رِزْقِكَ وَ لَا تُرِهِمْ أَنَّكَ تَدَعُ لِلَّهِ حَقّاً وَ لَا تَنْقُضُ فَرْضاً وَ لَا تُغَيِّرُ لِمُحَمَّدٍ سُنَّةً فَتُفْسِدَ عَلَيْنَا الْأُمَّةَ، بَلْ خُذْهُمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ، وَ اقْتُلْهُمْ بِأَيْدِيهِمْ، وَ أَبِدْهُمْ بِسُيُوفِهِمْ وَ تَطَاوُلِهِمْ وَ لَا تُنَاجِزْهُمْ، وَ لِنْ لَهُمْ وَ لَا تَبْخَسْ عَلَيْهِمْ، وَ افْسَحْ لَهُمْ فِي مَجْلِسِكَ، وَ شَرِّفْهُمْ فِي مَقْعَدِكَ، وَ تَوَصَّلْ إِلَى قَتْلِهِمْ بِرَئِيسِهِمْ، وَ أَظْهِرِ الْبِشْرَ وَ الْبَشَاشَةَ بَلِ اكْظِمْ غَيْظَكَ وَ اعْفُ عَنْهُمْ يُحِبُّوكَ وَ يُطِيعُوكَ، فَمَا آمَنُ عَلَيْنَا وَ عَلَيْكَ ثَوْرَةَ عَلِيٍّ وَ شِبْلَيْهِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ، فَإِنْ أَمْكَنَكَ فِي عِدَّةٍ مِنَ الْأُمَّةِ فَبَادِرْ وَ لَا تَقْنَعْ بِصِغَارِ الْأُمُورِ، وَ اقْصِدْ بِعَظِيمِهَا وَ احْفَظْ وَصِيَّتِي إِلَيْكَ وَ عَهْدِي وَ أَخْفِهِ وَ لَا تُبْدِهِ، وَ امْتَثِلْ أَمْرِي وَ نَهْيِي وَ انْهَضْ بِطَاعَتِي، وَ إِيَّاكَ وَ الْخِلَافَ عَلَيَّ، وَ اسْلُكْ طَرِيقَ أَسْلَافِكِ، وَ اطْلُبْ بِثَارِكَ، وَ اقْتَصَّ آثَارَهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجْتُ إِلَيْكَ بِسِرِّي وَ جَهْرِي، وَ شَفَعْتُ هَذَا بِقَوْلِي: قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ هَذَا الْعَهْدَ، قَامَ إِلَى يَزِيدَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، وَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!- عَلَى قَتْلِكَ الشَّارِيَّ ابْنَ الشَّارِيِّ، وَ اللَّهِ مَا أَخْرَجَ أَبِي إِلَيَّ بِمَا أَخْرَجَ إِلَى أَبِيكَ، وَ اللَّهِ لَا رَآنِي أَحَدٌ مِنْ رَهْطِ مُحَمَّدٍ بِحَيْثُ يُحِبُّ وَ يَرْضَى، فَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ وَ بَرَّهُ، وَ رَدَّهُ مُكَرَّماً. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ عِنْدِهِ ضَاحِكاً، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: مَا قَالَ لَكَ؟. قَالَ: قَوْلًا صَادِقاً لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مُشَارِكَهُ فِيهِ، وَ سَارَ رَاجِعاً إِلَى الْمَدِينَةِ، وَ كَانَ جَوَابُهُ لِمَنْ يَلْقَاهُ هَذَا الْجَوَابَ. وَ يُرْوَى أَنَّهُ أَخْرَجَ يَزِيدُ لَعَنَهُ اللَّهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِتَاباً فِيهِ عَهْدُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِيهِ أَغْلَظُ مِنْ هَذَا وَ أَدْهَى وَ أَعْظَمُ مِنَ الْعَهْدِ الَّذِي كَتَبَهُ عُمَرُ لِمُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ الْعَهْدَ الْآخَرَ قَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَ يَزِيدَ لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى قَتْلِكَ الشَّارِيَّ ابْنَ الشَّارِيِ، وَ اعْلَمْ أَنَّ وَالِدِي عُمَرَ أَخْرَجَ إِلَيَّ مِنْ سِرِّهِ بِمِثْلِ هَذَا الَّذِي أَخْرَجَهُ إِلَى أَبِيكَ مُعَاوِيَةَ، وَ لَا أَرَى أَحَداً مِنْ رَهْطِ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِهِ وَ شِيعَتِهِ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا إِلَّا غَيْرَ مُنْطَوٍ لَهُمْ عَلَى خَيْرٍ أَبَداً. فَقَالَ يَزِيدُ: أَ فِيهِ شَرْحُ الْخَفَا يَا ابْنَ عُمَرَ؟. وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ وَ أَسَرُّوا الْكُفْرَ، فَلَمَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ أَعْوَاناً أَظْهَرُوهُ.
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)