كِتَابُ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ: عَنْ أَبَانٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) يَقُولُ- قَبْلَ وَقْعَةِ صِفِّينَ-: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَنْ يُنِيبُوا إِلَى الْحَقِّ وَ لَا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يُرَامُونَا بِالْعَسَاكِرِ تَتْبَعُهَا الْعَسَاكِرُ، وَ حَتَّى يُرْدِفُونَا بِالْكَتَائِبِ تَتْبَعُهَا الْكَتَائِبُ، وَ حَتَّى يَجُرَّ بِبِلَادِهِمُ الْخَمِيسُ تَتْبَعُهَا الْخَمِيسُ، وَ حَتَّى تَرْعَى الْخُيُولُ بِنَوَاحِي أَرْضِهِمْ وَ تَنْزِلَ عَنْ مَسَالِحِهِمْ، وَ حَتَّى يُشَنَ الْغَارَاتُ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ فَجٍّ، وَ حَتَّى يَلْقَاهُمْ قَوْمٌ صُدَّقٌ صُبَّرٌ لَا يَزِيدُهُمْ هَلَاكُ مَنْ هَلَكَ مِنْ قَتْلَاهُمْ وَ مَوْتَاهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جِدّاً فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ أَخْوَالَنَا وَ أَعْمَامَنَا وَ أَهْلَ بُيُوتِنَا ثُمَّ لَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَ تَسْلِيماً وَ جِدّاً فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَ اسْتِقْلَالًا بِمُبَارَزَةِ الْأَقْرَانِ، وَ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَ الرَّجُلُ مِنْ عَدُوِّنَا لَيَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَوْتِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ مِنَّا صِدْقاً وَ صَبْراً أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْنَا وَ الرِّضَا عَنَّا، وَ أَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ، وَ لَسْتُ أَقُولُ إِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَذَلِكَ، وَ لَقَدْ كَانَتْ مَعَنَا بِطَانَةٌ لَا يَأْلُونَا خَبَالًا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ وَ لَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ بَعْضُ مَنْ تُفَضِّلُهُ أَنْتَ وَ أَصْحَابُكَ- يَا ابْنَ قَيْسٍ-، فَارِّينَ، فَلَا رَمَى بِسَهْمٍ، وَ لَا ضَرَبَ بِسَيْفٍ، وَ لَا طَعَنَ بِرُمْحٍ، إِذَا كَانَ الْمَوْتُ وَ النِّزَالُ تَوَارَى وَ اعْتَلَّ وَ لَاذَ كَمَا تَلُوذُ النَّعْجَةُ الْعَوْرَاءُ لَا يَدْفَعُ يَدَ لَامِسٍ، وَ إِذَا أَلْقَى الْعَدُوَّ فَرَّ وَ مَنَحَ الْعَدُوَّ دُبُرَهُ جُبْناً وَ لُؤْماً، وَ إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَ الْغَنِيمَةِ تَكَلَّمَ كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ فَلَا يَزَالُ قَدِ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فِي ضَرْبِ عُنُقِ الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَتْلَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَ لَقَدْ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْماً وَ عَلَيْهِ السِّلَاحُ تَامٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ قَالَ يُكَنِّيهِ: أَبَا فُلَانٍ الْيَوْمُ يَوْمُكَ؟. فَقَالَ الْأَشْعَثُ: مَا أَعْلَمَنِي مَنْ تَعْنِي! إِنَّ ذَلِكَ يَفِرُّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ. قَالَ: يَا ابْنَ قَيْسٍ! لَا آمَنَ اللَّهُ رَوْعَةَ الشَّيْطَانِ إِذَا قَالَ. ثُمَّ قَالَ: وَ لَوْ كُنَّا حِينَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ قَضَيْنَا الشَّدَائِدَ وَ الْأَذَى وَ الْبَأْسَ فَعَلْنَا كَمَا تَفْعَلُونَ الْيَوْمَ لَمَا قَامَ لِلَّهِ دِينٌ، وَ لَا أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَحْلِبُنَّهَا دَماً وَ نَدَماً وَ حَيْرَةً، فَاحْفَظُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ وَ اذْكُرُوهُ، فَلَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ وَ الْأَدْعِيَاءُ مِنْكُمْ وَ الطُّلَقَاءُ وَ الطُّرَدَاءُ وَ الْمُنَافِقُونَ فَلَيَقْتُلُنَّكُمْ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّ اللَّهَ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ، وَ لَا يَدْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْكُمْ حَتَّى تَتُوبُوا وَ تَرْجِعُوا، فَإِنْ تَتُوبُوا وَ تَرْجِعُوا فَيَسْتَنْقِذُكُمْ اللَّهُ مِنْ فِتْنَتِهِمْ وَ ضَلَالَتِهِمْ كَمَا اسْتَنْقَذَكُمْ مِنْ شِرْكِكُمْ وَ جَهَالَتِكُمْ، إِنَّ الْعَجَبَ كُلَّ الْعَجَبِ مِنْ جُهَّالِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ ضُلَّالِهَا وَ قَادَتِهَا وَ سَاقَتِهَا إِلَى النَّارِ، إِنَّهُمْ قَدْ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ- عَوْداً وَ بَدْءاً-: مَا وَلَّتْ أُمَّةٌ رَجُلًا قَطُّ أَمْرَهَا وَ فِيهِمْ أَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَذْهَبُ سَفَالًا حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مَا تَرَكُوا، فَوَلَّوْا أَمْرَهُمْ قَبْلِي ثَلَاثَةَ رَهْطٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَ لَا يَدَّعِي أَنَّ لَهُ عِلْماً بِكِتَابِ اللَّهِ وَ لَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وَ قَدْ عَلِمُوا أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَفْقَهُهُمْ وَ أَقْرَؤُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ أَقْضَاهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ، وَ أَنَّهُ لَيْسَ رَجُلٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ لَهُ سَابِقَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَا عَنَاءٌ مَعَهُ فِي جَمِيعِ مَشَاهِدِهِ، فَرَمَى بِسَهْمٍ، وَ لَا طَعَنَ بِرُمْحٍ، وَ لَا ضَرَبَ بِسَيْفٍ جُبْناً وَ لُؤْماً وَ رَغْبَةً فِي الْبَقَاءِ، وَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ قَاتَلَ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، وَ قَتَلَ مِسْجَعَ بْنَ عَوْفٍ- وَ كَانَ مِنْ أَشْجَعِ النَّاسِ وَ أَشَدِّهِمْ لِقَاءً، وَ أَحَقِّهِمْ بِذَلِكَ- وَ قَدْ عَلِمُوا يَقِيناً أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ يَقُومُ مَقَامِي وَ لَا يُبَارِزُ الْأَبْطَالَ وَ يَفْتَحُ الْحُصُونَ غَيْرِي، وَ لَا نَزَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) شَدِيدَةٌ قَطُّ وَ لَا كَرَبَهُ أَمْرٌ وَ لَا ضِيقٌ وَ لَا مستضعف [مُسْتَصْعَبٌ مِنَ الْأَمْرِ إِلَّا قَالَ: أَيْنَ أَخِي عَلِيٌّ؟ أَيْنَ سَيْفِي؟ أَيْنَ رُمْحِي؟ أَيْنَ الْمُفَرِّجُ عَنِّي عَنْ وَجْهِي؟ فَيُقَدِّمُنِي فَأَتَقَدَّمُ فَأَقِيهِ بِنَفْسِي وَ يَكْشِفُ اللَّهُ بِيَدِيَ الْكَرْبَ عَنْ وَجْهِهِ، وَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِرَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِذَلِكَ الْمَنُّ وَ الطَّوْلُ حَيْثُ خَصَّنِي بِذَلِكَ وَ وَفَّقَنِي لَهُ، وَ إِنَّ بَعْضَ مَنْ قَدْ سَمَّيْتُ مَا كَانَ لَهُ بَلَاءٌ وَ لَا سَابِقَةٌ وَ لَا مُبَارَزَةُ قَرْنٍ، وَ لَا فَتْحٌ وَ لَا نَصْرٌ غَيْرَ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ فَرَّ وَ مَنَحَ عَدُوَّهُ دُبُرَهُ وَ رَجَعَ يُجَبِّنُ أَصْحَابَهُ وَ يُجَبِّنُونَهُ، وَ قَدْ فَرَّ مِرَاراً، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَ الْغَنِيمَةِ تَكَلَّمَ وَ أَمَرَ وَ نَهَى، وَ لَقَدْ نَادَاهُ ابْنُ عَبْدِ وُدٍّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بِاسْمِهِ فَحَادَ عَنْهُ وَ لَاذَ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِمَا رَأَى بِهِ مِنَ الرُّعْبِ، وَ قَالَ: أَيْنَ حَبِيبِي عَلِيٌّ؟ تَقَدَّمْ يَا حَبِيبِي يَا عَلِيُّ، وَ لَقَدْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ الْأَرْبَعَةِ- أَصْحَابِ الْكِتَابِ-: الرَّأْيُ- وَ اللَّهِ- أَنْ يدفع [نَدْفَعَ مُحَمَّداً بِرُمَّتِهِ وَ نَسْلَمَ مِنْ ذَلِكَ حِينَ جَاءَ الْعَدُوُّ مِنْ فَوْقِنَا وَ مِنْ تَحْتِنَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً﴾ ﴿وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ﴿وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾، فَقَالَ صَاحِبُهُ: لَا، وَ لَكِنْ نَتَّخِذُ صَنَماً عَظِيماً نَعْبُدُهُ، لِأَنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ يَظْفَرَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ فَيَكُونَ هَلَاكُنَا، وَ لَكِنْ يَكُونُ هَذَا الصَّنَمُ لَنَا زُخْراً، فَإِنْ ظَفِرَتْ قُرَيْشٌ أَظْهَرْنَا عِبَادَةَ هَذَا الصَّنَمِ وَ أَعْلَمْنَاهُمْ أَنَّا لَنْ نُفَارِقَ دِينَنَا، وَ إِنْ رَجَعَتْ دَوْلَةُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ كُنَّا مُقِيمِينَ عَلَى عِبَادَةِ هَذَا الصَّنَمِ سِرّاً، فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ بِذَلِكَ، ثُمَّ خَبَّرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعْدَ قَتْلِي ابْنَ عَبْدِ وُدٍّ، فَدَعَاهُمَا، فَقَالَ: كَمْ صَنَماً عَبَدْتُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟. فَقَالا: يَا مُحَمَّدُ! لَا تُعَيِّرْنَا بِمَا مَضَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ: فَكَمْ صَنَمٍ تَعْبُدَانِ وَقْتَكُمَا هَذَا؟. فَقَالا: وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا نَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ مُنْذُ أَظْهَرْنَا لَكَ مِنْ دِينِكَ مَا أَظْهَرْنَا. فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! خُذْ هَذَا السَّيْفَ، فَانْطَلِقْ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا.. وَ كَذَا فَاسْتَخْرِجِ الصَّنَمَ الَّذِي يَعْبُدَانِهِ فَاهْشِمْهُ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ أَحَدٌ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَانْكَبَّا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالا: اسْتُرْنَا سَتَرَكَ اللَّهُ. فَقُلْتُ أَنَا لَهُمَا: اضْمَنَا لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ أَلَّا تَعْبُدَا إِلَّا اللَّهَ وَ لَا تُشْرِكَا بِهِ شَيْئاً. فَعَاهَدَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى ذَلِكَ، وَ انْطَلَقْتُ حَتَّى اسْتَخْرَجْتُ الصَّنَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَ كَسَرْتُ وَجْهَهُ وَ يَدَيْهِ وَ جَزَمْتُ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، فَوَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِمَا حَتَّى مَاتَا، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ حِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَخَاصَمُوا الْأَنْصَارَ بِحَقِّي، فَإِنْ كَانُوا صَدَقُوا وَ احْتَجُّوا بِحَقٍّ أَنَّهُمْ أَوْلَى مِنَ الْأَنْصَارِ لِأَنَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَنْ كَانَ أَوْلَى بِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) كَانَ أَوْلَى بِالْأَمْرِ؟! وَ إِنَّمَا ظَلَمُونِي حَقِّي. وَ إِنْ كَانُوا احْتَجُّوا بِبَاطِلٍ فَقَدْ ظَلَمُوا الْأَنْصَارَ حَقَّهُمْ، وَ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ مَنْ ظَلَمَنَا وَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا. وَ الْعَجَبُ لِمَا قَدْ أُشْرِبَتْ قُلُوبُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ حُبِّهِمْ وَ حُبِّ مَنْ صَدَّقَهُمْ وَ صَدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ رَبِّهِمْ وَ رَدَّهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَامَتْ عَلَى أَرْجُلِهَا عَلَى التُّرَابِ، وَ الرَّمَادَ وَاضِعَةٌ عَلَى رُءُوسِهَا، وَ تَضَرَّعَتْ وَ دَعَتْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ أَضَلَّهُمْ، وَ صَدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَ دَعَاهُمْ إِلَى النَّارِ، وَ عَرَضَهُمْ لِسَخَطِ رَبِّهِمْ، وَ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ عَذَابَهُ بِمَا أَجْرَمُوا إِلَيْهِمْ لَكَانُوا مُقَصِّرِينَ فِي ذَلِكَ، وَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحِقَّ الصَّادِقَ وَ الْعَالِمَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ يَتَخَوَّفَانِ إنْ غَيَّرَا شَيْئاً مِنْ بِدَعِهِمْ وَ سُنَنِهِمْ وَ أَحْدَاثِهِمْ عَادِيَةَ الْعَامَّةِ، وَ مَتَى فَعَلَ شَاقُّوهُ وَ خَالَفُوهُ وَ تَبَرَّءُوا مِنْهُ وَ خَذَلُوهُ وَ تَفَرَّقُوا عَنْ حَقِّهِ، وَ إِنْ أَخَذَ بِبِدَعِهِمْ وَ أَقَرَّ بِهَا وَ زَيَّنَهَا وَ دَانَ بِهَا أَحَبَّتْهُ وَ شَرَّفَتْهُ وَ فَضَّلَتْهُ، وَ اللَّهِ لَوْ نَادَيْتُ فِي عَسْكَرِي هَذَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَ أَظْهَرْتُهُ وَ دَعَوْتُ إِلَيْهِ وَ شَرَحْتُهُ وَ فَسَّرْتُهُ عَلَى مَا سَمِعْتُ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ فِيهِ، مَا بَقِيَ فِيهِ إِلَّا أَقَلُّهُ وَ أَذَلُّهُ وَ أَرْذَلُهُ، وَ لَاسْتَوْحَشُوا مِنْهُ، وَ لَتَفَرَّقُوا مِنِّي، وَ لَوْ لَا مَا عَاهَدَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَيَّ وَ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، وَ تَقَدَّمَ إِلَيَّ فِيهِ لَفَعَلْتُ، وَ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ قَالَ: كُلُّ مَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ الْعَبْدُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ وَ أَبَاحَهُ إِيَّاهُ، وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ التَّقِيَّةَ مِنْ دِينِ اللَّهِ، وَ لَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: أَدْفَعُهُمْ بِالرَّاحِ دَفْعاً عَنِّي، ثُلُثَانِ مِنْ حَيٍّ وَ ثُلُثٌ مِنِّي، فَإِنْ عَوَّضَنِي رَبِّي فَأعْذَرَنِي. - رَوَى ابْنُ مَيْثَمَ بَعْضَ الْخُطْبَةِ، وَ فِيهِ: حَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ تَتْبَعُهَا الْعَسَاكِرُ، وَ حَتَّى يَرْجُمُوا بِالْكَتَائِبِ تَقْفُوهَا الْجَلَائِبُ، وَ حَتَّى يَجُرَّ بِبِلَادِهِمُ الْخَمِيسُ يَتْلُوهُ الْخَمِيسُ، وَ حَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِي أَرْضِهِمْ وَ بِأَحْنَاءِ مَشَارِبِهِمْ وَ مَسَارِحِهِمْ، و بعد قوله: في طاعة اللّه: و حرصا على لقاء اللّه. - قَوْلُهُ (عليه السلام): لَقَدْ رَأَيْتُنَا.. فِي النَّهْجِ: وَ لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ إِخْوَانَنَا وَ أَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَ تَسْلِيماً وَ مُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ، وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ الْأَلَمِ، وَ جِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَ لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَ الْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ، وَ أَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ، وَ مُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ، وَ لَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ، وَ لَا اخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً وَ لَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً.
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)