إِرْشَادُ الْقُلُوبِ: مِنْ مَثَالِبِهِمْ- لَمّاً- مَا تَضَمَّنَهُ خَبَرُ وَفَاةِ الزَّهْرَاءِ (عليها السلام) قُرَّةِ عَيْنِ الرَّسُولِ وَ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ مَرْيَمَ الْكُبْرَى وَ الْحَوْرَاءِ الَّتِي أُفْرِغَتْ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ مِنْ صُلْبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، الَّتِي قَالَ فِي حَقِّهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لِرِضَاكِ وَ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ. وَ قَالَ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي. وَ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ قَالَتْ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَانْظُرِي إِلَى الدَّارِ فَإِذَا رَأَيْتِ سِجْفاً مِنْ سُنْدُسٍ مِنَ الْجَنَّةِ قَدْ ضُرِبَ فُسْطَاطاً فِي جَانِبِ الدَّارِ فَاحْمِلِينِي وَ زَيْنَبَ وَ أُمَّ كُلْثُومٍ فَاجْعَلُونِي مِنْ وَرَاءِ السِّجْفِ وَ خَلُّوا بَيْنِي وَ بَيْنَ نَفْسِي، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ (عليها السلام) وَ ظَهَرَ السِّجْفُ حَمَلْنَاهَا وَ جَعَلْنَاهَا وَرَاءَهُ، فَغُسِّلَتْ وَ كُفِّنَتْ وَ حُنِّطَتْ بِالْحَنُوطِ، وَ كَانَ كَافُورٌ أَنْزَلَهُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) مِنَ الْجَنَّةِ فِي ثَلَاثِ صُرَرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ لَكَ: هَذَا حَنُوطُكَ وَ حَنُوطُ ابْنَتِكَ وَ حَنُوطُ أَخِيكَ عَلِيٍّ مَقْسُومٌ أَثْلَاثاً، وَ إِنَّ أَكْفَانَهَا وَ مَاءَهَا وَ أَوَانِيَهَا مِنَ الْجَنَّةِ. وَ رُوِيَ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ (عليها السلام) بَعْدَ غُسْلِهَا وَ تَكْفِينِهَا وَ حَنُوطِهَا، لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ لَا دَنَسَ فِيهَا، وَ أَنَّهَا أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ مِنْهَا غَيْرُهَا، وَ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهَا إِلَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ زَيْنَبُ وَ أُمُّ كُلْثُومٍ وَ فِضَّةُ جَارِيَتُهَا وَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَخْرَجَهَا وَ مَعَهُ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ فِي اللَّيْلِ وَ صَلَّوْا عَلَيْهَا، وَ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَحَدٌ، وَ لَا حَضَرُوا وَفَاتَهَا وَ لَا صَلَّى عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ غَيْرُهُمْ، لِأَنَّهَا (عليها السلام) أَوْصَتْ بِذَلِكَ، وَ قال [قَالَتْ: لَا تُصَلِّ عَلَيَّ أُمَّةٌ نَقَضَتْ عَهْدَ اللَّهِ وَ عَهْدَ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ ظَلَمُونِي حَقِّي، وَ أَخَذُوا إِرْثِي، وَ خَرَقُوا صَحِيفَتِيَ الَّتِي كَتَبَهَا لِي أَبِي بِمِلْكِ فَدَكٍ، وَ كَذَّبُوا شُهُودِي وَ هُمْ- وَ اللَّهِ- جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ أُمُّ أَيْمَنَ، وَ طُفْتُ عَلَيْهِمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَحْمِلُنِي وَ مَعِيَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ لَيْلًا وَ نَهَاراً إِلَى مَنَازِلِهِمْ أُذَكِّرُهُمْ بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ أَلَّا تَظْلِمُونَا وَ لَا تَغْصِبُونَا حَقَّنَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَنَا، فَيُجِيبُونَّا لَيْلًا وَ يَقْعُدُونَ عَنْ نُصْرَتِنَا نَهَاراً، ثُمَّ يُنْفِذُونَ إِلَى دَارِنَا قُنْفُذاً وَ مَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لِيُخْرِجُوا ابْنَ عَمِّي عَلِيّاً إِلَى سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ لِبَيْعَتِهِمُ الْخَاسِرَةِ، فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ مُتَشَاغِلًا بِمَا أَوْصَاهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بِأَزْوَاجِهِ وَ بِتَأْلِيفِ الْقُرْآنِ وَ قَضَاءِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَصَّاهُ بِقَضَائِهَا عَنْهُ عِدَاتٍ وَ دَيْناً، فَجَمَعُوا الْحَطَبَ الْجَزْلَ عَلَى بَابِنَا وَ أَتَوْا بِالنَّارِ لِيُحْرِقُوهُ وَ يُحْرِقُونَا، فَوَقَفْتُ بِعَضَادَةِ الْبَابِ وَ نَاشَدْتُهُمْ بِاللَّهِ وَ بِأَبِي أَنْ يَكُفُّوا عَنَّا وَ يَنْصُرُونَا، فَأَخَذَ عُمَرُ السَّوْطَ مِنْ يَدِ قُنْفُذٍ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- فَضَرَبَ بِهِ عَضُدِي فَالْتَوَى السَّوْطُ عَلَى عَضُدِي حَتَّى صَارَ كَالدُّمْلُجِ، وَ رَكَلَ الْبَابَ بِرِجْلِهِ فَرَدَّهُ عَلَيَّ وَ أَنَا حَامِلٌ فَسَقَطْتُ لِوَجْهِي وَ النَّارُ تُسْعَرُ وَ تَسْفَعُ وَجْهِي، فَضَرَبَنِي بِيَدِهِ حَتَّى انْتَثَرَ قُرْطِي مِنْ أُذُنِي، وَ جَاءَنِي الْمَخَاضُ فَأَسْقَطْتُ مُحَسِّناً قَتِيلًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، فَهَذِهِ أُمَّةٌ تُصَلِّي عَلَيَّ؟! وَ قَدْ تَبَرَّأَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْهُمْ، وَ تَبَرَّأْتُ مِنْهُمْ. فَعَمِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِوَصِيَّتِهَا وَ لَمْ يُعْلِمْ أَحَداً بِهَا فَأُصْنِعَ فِي الْبَقِيعِ لَيْلَةَ دُفِنَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) أَرْبَعُونَ قَبْراً جُدُداً. ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا عَلِمُوا بِوَفَاةِ فَاطِمَةَ وَ دَفْنِهَا جَاءُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يُعَزُّونَهُ بِهَا، فَقَالُوا: يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)! لَوْ أَمَرْتَ بِتَجْهِيزِهَا وَ حَفْرِ تُرْبَتِهَا. فَقَالَ (عليه السلام): قَدْ وُرِّيَتْ وَ لَحِقَتْ بِأَبِيهَا ( صلّى اللّه عليه و آله و سلم). فَقَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، تَمُوتُ ابْنَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَمْ يُخَلِّفْ فِينَا وَلَداً غَيْرَهَا، وَ لَا نُصَلِّي عَلَيْهَا! إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَظِيمٌ. فَقَالَ (عليه السلام): حَسْبُكُمْ مَا جَنَيْتُمْ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَ لَمْ أَكُنْ- وَ اللَّهِ- لِأَعْصِيَهَا فِي وَصِيَّتِهَا الَّتِي أَوْصَتْ بِهَا فِي أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، وَ لَا بَعُدَ الْعَهْدُ فَأُعْذَرَ، فَنَفَضَ الْقَوْمُ أَثْوَابَهُمْ، وَ قَالُوا: لَا بُدَّ لَنَا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ مَضَوْا مِنْ فَوْرِهِمْ إِلَى الْبَقِيعِ فَوَجَدُوا فِيهِ أَرْبَعِينَ قَبْراً جُدُداً، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ قَبْرُهَا (عليها السلام) بَيْنَ تِلْكَ الْقُبُورِ فصح [فَضَجَّ النَّاسُ وَ لَامَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَ قَالُوا: لَمْ تَحْضُرُوا وَفَاةَ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ وَ لَا الصَّلَاةَ عَلَيْهَا وَ لَا تَعْرِفُونَ قَبْرَهَا فَتَزُورُونَهُ؟. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَاتُوا مِنْ ثِقَاتِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَنْبِشُ هَذِهِ الْقُبُورَ حَتَّى تَجِدُوا قَبْرَهَا فَنُصَلِّيَ عَلَيْهَا وَ نَزُورَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَخَرَجَ مِنْ دَارِهِ مُغْضَباً وَ قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ وَ قَامَتْ عَيْنَاهُ وَ دَرَّتْ أَوْدَاجُهُ، وَ عَلَى يَدِهِ قَبَاهُ الْأَصْفَرُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَلْبَسُهُ إِلَّا فِي يَوْمٍ كَرِيهَةٍ- يَتَوَكَّأُ عَلَى سَيْفِهِ ذِي الْفَقَارِ حَتَّى وَرَدَ الْبَقِيعَ، فَسَبَقَ النَّاسَ النَّذِيرُ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا عَلِيٌّ قَدْ أَقْبَلَ كَمَا تَرَوْنَ يُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ بُحِثَ مِنْ هَذِهِ الْقُبُورِ حَجَرٌ وَاحِدٌ لَأَضَعَنَّ السَّيْفَ عَلَى غَائِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَوَلَّى الْقَوْمُ هَارِبِينَ قِطَعاً قِطَعاً. و منها: ما فعله الأول من التآمر على الأمّة من غير أن أباح اللّه له ذلك و لا رسوله، و مطالبة جميعهم بالبيعة له و الانقياد إلى طاعته طوعا و كرها، و كان ذلك أوّل ظلم ظهر في الإسلام بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إذ كان هو و أولياؤه جميعا مقرّين بأنّ اللّه عزّ و جلّ و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) لم يولّياه ذلك و لا أوجبا طاعته و لا أمرا ببيعته. و طالب الناس بالخروج إليه ممّا كان يأخذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من الأخماس و الصدقات و الحقوق الواجبات. ثم تسمّى بخلافة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد علم هو و من معه من الخاصّ و العامّ أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يستخلفه، فقد جمع بين الظلم و المعصية و الكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، - وَ قَدْ قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيُتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ،. و لمّا امتنع طائفة من الناس في دفع الزكاة إليه و قالوا: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يأمرنا بدفع ذلك إليك، فسمّاهم: أهل الردّة، و بعث إليهم خالد بن الوليد رئيس القوم في جيش، فقتل مقاتلهم، و سبى ذراريهم، و استباح أموالهم، و جعل ذلك فيئا للمسلمين، و قتل خالد بن الوليد رئيس القوم: مالك بن نويرة، و أخذ امرأته فوطأها من ليلته تلك و استحلّ الباقون فروج نسائهم من غير استبراء. و قد روى أهل الحديث جميعا بغير خلاف عن القوم الّذين كانوا مع خالد أنّهم قالوا: أذّن مؤذّننا و أذّن مؤذّنهم، و صلّينا و صلّوا، و تشهّدنا و تشهّدوا، فأيّ ردّة هاهنا؟! مع ما رووه أنّ عمر قال لأبي بكر: كيف نقاتل قوما يشهدون أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا اللّه و أنّي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا قالوها حقنوا دماءهم و أموالهم؟!. فقال: لو منعوني عقالا ممّا كانوا يدفعونه إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لقاتلتهم- أو قال: لجاهدتهم-، و كان هذا فعلا فظيعا في الإسلام و ظلما عظيما، فكفى بذلك خزيا و كفرا و جهلا، و إنّما أخذ عليه عمر بسبب قتل مالك بن نويرة، لأنّه كان بين عمر و بين مالك خلّة أوجبت المعصية له من عمر. ثم رووا جميعا أنّ عمر لمّا ولِّي جمع من بقي من عشيرة مالك و استرجع ما وجد عند المسلمين من أموالهم و أولادهم و نسائهم، و ردّ ذلك جميعا عليهم. فإن كان فعل أبي بكر بهنّ خطأ فقد أطعم المسلمين الحرام من أموالهم و ملّكهم العبيد الأحرار من أبنائهم، و أوطأهم فروجا حراما من نسائهم، و إن كان ما فعله حقّا فقد أخذ عمر نساء قوم ملكوهنّ بحقّ فانتزعهنّ من أيديهم غصبا و ظلما و ردّهنّ إلى قوم لا يستحقّونهنّ بوطئهنّ حراما من غير مباينة وقعت و لا أثمان دفعت إلى من كنّ عنده في تملّكه، فعلى كلا الحالين قد أخطئا جميعا أو أحدهما، لأنّهما أباحا للمسلمين فروجا حراما، و أطعماهم طعاما حراما من أموال المقتولين على دفع الزكاة إليه، و ليس له ذلك على ما تقدّم ذكره. و منها: تكذيبه لفاطمة (عليها السلام) في دعواها فدك، و ردّ شهادة أمّ أيمن، مع - أَنَّهُمْ رَوَوْا جَمِيعاً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: أُمُّ أَيْمَنَ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.، و ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) - وَ قَدْ رَوَوْا جَمِيعاً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ.، و أخبرهم أيضا بتطهير عليّ و فاطمة من الرجس عن اللّه تعالى، فمن توهّم أنّ عليّا و فاطمة يدخلان- بعد هذه الأخبار من اللّه عزّ و جلّ- في شيء من الكذب و الباطل فقد كذّب اللّه، و من كذّب اللّه كفر بغير خلاف. و منها: قوله في الصلاة: لا تفعل خالد ما أمره، فهذه بدعة يقارنها كفر، و ذلك أنّه أمر خالد بقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا هو سلّم من صلاة الفجر، فلمّا قام في الصلاة ندم على ذلك و خشي إن فعل ما أمر به من قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) أن تهيج عليه فتنة لا يقومون لها. فقال: لا يفعلنّ خالد ما أمر.. قبل أن يسلّم، و الكلام في الصلاة بدعة، و الأمر بقتل عليّ كفر. و منها: أنّهم رووا- بغير خلاف- أنّه قال- وقت وفاته-: ثلاث فعلتها وددت أنّي لم أفعلها، و ثلاث لم أفعلها و وددت أنّي أفعلها، و ثلاث غفلت عنها و وددت أنّي أسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عنها، أمّا الثلاث التي وددت أنّي لم أفعلها، فبعث خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة و قومه المسمّين بأهل الردّة، و كشف بيت فاطمة (عليها السلام) و إن كان أغلق على حرب.. و اختلف أولياؤه في باقي الخصال فأهملنا ذكرها و ذكرنا ما اجتمعوا عليه. فقد دلّ قوله: أنّي لم أكشف بيت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.. أنّه أغضب فاطمة، - وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ وَ يَرْضَى لِرِضَاكِ،. فقد أوجب بفعله هذا غضب اللّه عليه بغضب فاطمة. - وَ قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ.، فقد لزمه أن يكون قد آذى اللّه و رسوله بما لحق فاطمة (عليها السلام) من الأذى بكشف بيتها، و قد قال اللّه عزّ و جلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ﴾، و أمّا الثلاثة التي ودّ أن يسأل رسول اللّه عنها فهي: الكلالة ما هي؟ و عن الجدّ ما له من الميراث؟ و عن الأمر لمن بعده؟ و من صاحبه؟. و كفى بهذا الإقرار على نفسه خزيا و فضيحة، لأنّه شهّر نفسه بالجهل بأحكام الشريعة، و من كان هذه حاله كان ظالما فيما دخل فيه من الحكومة بين المسلمين بما لا يعلمه: ﴿وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. و قوله: و وددت أنّي أسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمن الأمر بعده؟ و من صاحبه؟ فقد أقرّ و أشهد على نفسه بأنّ الأمر لغيره، و أنّه لا حقّ له فيه، لأنّه لو كان له حقّ لكان قد علمه من اللّه عزّ و جلّ و من رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا لم يكن له فيه حقّ لم يعلم لمن هو بزعمه، و إذا لم يكن فيه حقّ و لم يعلم لمن هو فقد دخل فيما لم يكن له، و أخذ حقّا هو لغيره، و هذا يوجب الظلم و التعدّي، و قال اللّه تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. و أمّا ما وافقه عليه صاحبه الثاني: فمنها: أنّه لمّا أمر أن يجمع ما تهيّأ له من القرآن أمر مناديا ينادي في المدينة: من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، ثم قال: لا تقبل من أحد شيئا إلّا بشاهدي عدل. و هذا منه مخالف لكتاب اللّه عزّ و جلّ إذ يقول: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ فذلك غاية الجهل و قلّة الفهم، و هذا الوجه أحسن أحوالهما، و من حلّ هذا المحلّ لم يجز أن يكون حاكما بين المسلمين فضلا عن منزلة الإمامة، و إن كانا قد علما ذلك من كتاب اللّه، و لم يصدّقا إخبار اللّه فيه، و لم يثقا بحكمه في ذلك، كانت هذه حالا توجب عليهما ما لا خفاء به على كلّ ذي فهم، و لكنّ الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) قالوا: إنّهما قصدا بذلك عليّا (عليه السلام) فجعلا هذا سببا لترك قبول ما كان عليّ (عليه السلام) جمعه و ألّفه من القرآن في مصحفه بتمام ما أنزل اللّه عزّ و جلّ على رسوله منه، و خشيا أن يقبلا ذلك منه، فيظهر ما يفسد عليهما عند الناس ما ارتكباه من الاستيلاء على أمورهم، و يظهر فيه فضائح المذمومين بأسمائهم و طهارة الفاضلين المحمودين بذكرهم، فلذلك قالا: لا نقبل القرآن من أحد إلّا بشاهدي عدل، هذا مع ما يلزم من يتولّاهما أنّهما لم يكونا عالمين بتنزيل القرآن، لأنّهما لو كانا يعلمانه لما احتاجا أن يطلباه من غيرهما ببيّنة عادلة، و إذا لم يعلما التنزيل كان محالا أن يعلما التأويل، و من لم يعلم التنزيل و لا التأويل كان جاهلا بأحكام الدين و بحدود ما أنزل اللّه على رسوله، و من كان بهذه الصفة خرج عن حدود من يصلح أن يكون حاكما بين المسلمين أو إماما لهم، و من لم يصلح لذلك ثم دخل فيه فقد استوجب المقت من اللّه عزّ و جلّ، لأنّ من لا يعلم حدود اللّه يكون حاكما بغير ما أنزل اللّه، و قال سبحانه و تعالى: ﴿وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾. و منها: أنّ الأمّة مجتمعة على أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ضمّه و صاحبه مع جماعة من المهاجرين و الأنصار إلى أسامة بن زيد و ولّاه عليهما، و أمره بالمسير فيهم، و أمرهم بالمسير تحت رايته، و هو أمير عليهم إلى بلاد من الشام، و لم يزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لينفّذوا جيش أسامة.. حتى توفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه ذلك، و أنّهما لم ينفّذا و تأخّرا عن أسامة في طلب ما استوليا عليه من أمور الأمّة، فبايع الناس لأبي بكر- و أسامة معسكر في مكانه على حاله خارج المدينة- و الأمّة مجتمعة على أنّ من عصى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و خالفه فقد عصى اللّه، و من أطاع ﴿الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ﴾، بنصّ الكتاب العزيز، و الأمّة أيضا مجمعة على أنّ معصية الرسول بعد وفاته كمعصيته في حياته، و أنّ طاعته بعد وفاته كطاعته في حياته، و أنّهما لم يطيعاه في الحالتين، و تركا أمره لهما بالخروج، و من ترك أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) متعمدا و خالفه وجب الحكم بارتداده. و منها: أنّه لما حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه و ظلم في الاستيلاء عليه لعمر من بعده، و طالب الناس بالبيعة له و الرضا به كره في ذلك من كره و رغب من رغب، و قد أجمعوا في روايتهم أنّ الغالب كان من الناس يومئذ الكراهية، فلم يفكّر في ذلك و جعله الوالي عليهم على كره منهم، و خوّفوه من اللّه عزّ و جلّ في توليته، فقال: أ باللّه تخوّفوني؟! إذا أنا لقيته قلت له: استخلفت عليهم خير أهلك!. فكان هذا القول جامعا لعجائب من المنكرات القطعيّات، أ رأيت لو أجابه اللّه تعالى، فقال: و من جعل إليك ذلك؟ و من ولّاك أنت حتى تستخلف عليهم غيرك؟! فقد تقلّد الظلم في حياته و بعد وفاته. ثم إنّ قوله: تخوّفوني باللّه..! إمّا هو دليل على استهانته بملاقاة اللّه تعالى، أو يزعم أنّه زكيّ عند اللّه بريء من كلّ ذلّة و هفوة، و هذا مخالفة لقوله تعالى، فإنّه قال: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾. ثم إنّه لم يكتف بذلك حتى شهد لعمر أنّه خير القوم، و هذا ممّا لا يصل إليه مثله و لا يعرفه. ثم إنّه ختم ذلك بالطامّة الكبرى أنّه أمر وقت وفاته بالدفن مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في بيته و موضع قبره و جعل- أيضا- بذلك سبيلا لعمر عليه، فإنّه فعل كما فعله، و صيّرت العامّة ذلك منقبة لهما بقولهم: ضجيعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، و من عقل و ميّز و فهم علم أنّهما قد جنيا على أنفسهما جناية لا يستقيلانها أبدا، و أوجبا على أنفسهما المعصية للّه و لرسوله و الظلم الظاهر الواضح، لأنّ اللّه سبحانه قد نهى عن الدخول إلى بيوت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا بإذنه، حيث يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ و الحال في ذلك بعد وفاته كالحال في حياته، إلّا أن يخصّ اللّه عزّ و جلّ ذلك أو رسوله، فإن كان البيت الذي فيه قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للرسول خاصّة فقد عصيا اللّه بدخولهما إليه بغير إذن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و ختما أعمالهما بمعصية اللّه تعالى في ذلك، و إن كان البيت من جملة التركة، فإمّا أن يكون كما زعموا أنّه صدقة أو يكون للورثة، فإن كان صدقة فحينئذ يكون لسائر المسلمين لا يجوز أن يختصّ واحد دون واحد، و لا يجوز أيضا شراؤه من المسلمين و لا استيهابه، و إن كان ميراثا، فلم يكونا ممّن يرث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). و إن ادّعى جاهل ميراث ابنتهما من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ نصيبهما تسعا الثمن لأنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مات عن تسع نسوة و عن ولد للصلب، فلكلّ واحدة منهما تسع الثمن، و هذا القدر لا يبلغ مفحص قطاة. و بالجملة، فإنّهما غصبا الموضع حتى تقع القسمة على تركة الرسول و لا قسمة مع زعمهم أنّ ما تركه صدقة. و أمّا صاحبه الثاني فقد حذا حذوه، و زاد عليه فيما غيّر من حدود اللّه تعالى في الوضوء، و الأذان و الإقامة.. و سائر أحكام الدين. أمّا الوضوء، فقد قال عزّ من قائل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فقد جعل سبحانه للوضوء حدودا أربعة، حدّان منها غسل، و حدّان منها مسح، فلمّا قدم الثاني بعد الأول جعل المسح على الرجلين غسلا و أمر الناس بذلك، فاتّبعوه إلّا الفرقة المحقّة، و أفسدوا على من اتّبعه وضوءه و صلاته لفساد الوضوء، لأنّه على غير ما أنزل اللّه به من حدود الوضوء، و أجاز أيضا المسح على الخفّين من غير أمر من اللّه تعالى و رسوله. و أمّا الأذان و الإقامة، فأسقط منهما و زاد فيهما، أمّا الأذان فإنّه كان فيه على عهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): (حيّ على خير العمل) بإجماع العلماء و أهل المعرفة بالأثر و الخبر، فقال الثاني: ينبغي لنا أن نسقط: (حيّ على خير العمل)، في الأذان و الإقامة لئلّا يتّكل الناس على الصلاة فيتركوا الجهاد، فأسقط ذلك من الأذان و الإقامة جميعا لهذه العلّة بزعمه، فقبلوا ذلك منه و تابعوه عليه، و يلزمهم أن يكون عمر قد أبصر من الرشد ما لم يعلمه اللّه عزّ و جلّ و لا رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنّ اللّه و رسوله قد أثبتا ذلك في الأذان و الإقامة و لم يخافا على الناس ما خشيه عليهم عمر و قدّره فيهم، و من ظنّ ذلك و جهله لزمه الكفر، فأفسد عليهم الأذان بذلك أيضا، لأنّه من تعمد الزيادة و النقيصة في فريضة أو سنّة فقد أفسدها. ثم إنّه بعد إسقاط ما أسقط من الأذان و الإقامة من (حيّ على خير العمل)، أثبت في بعض الأذان زيادة من عنده، و ذلك أنّه زاد في أذان صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، فصارت هذه البدعة- عند من اتّبعه- من السنن الواجبة لا يستحلّون تركها، فبدعة الرجل عندهم معمورة متّبعة معمول بها يطالب من تركها بالقهر عليها، و سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عندهم مهجورة مطرحة [مطروحة يضرب من استعملها و يقتل من أقامها. و جعل أيضا الإقامة فرادى، فقال: ينبغي لنا أن نجعل بين الأذان و الإقامة فرقا بيّنا، و كانت الإقامة على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سبيلها كسبيل الأذان مثنى مثنى، و كان فيها: (حيّ على خير العمل) مثنى، و كانت أنقص من الأذان بحرف واحد، لأنّ في آخر الأذان: (لا إله إلّا اللّه) مرّتين، و في آخر الإقامة مرّة واحدة، و كان هذا هو الفرق فغيّره الرجل و جعل بينهما فرقا من عنده، فقد خالف اللّه و رسوله، و زعم أنّه قد أبصر من الرشد في ذلك و أصاب من الحقّ ما لم يعلمه اللّه تعالى و رسوله، - و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): كلّ محدثة بدعة و كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة في النار.، و لا شكّ أنّه كلّ من ابتدع بدعة كان عليه وزرها و وزر العامل بها إلى يوم القيامة. و أمّا الصلاة، فأفسد من حدودها ما فيه الفضيحة و الهتك لمذهبهم، و هو إنّهم رووا أنّ: تحريم الصلاة التكبير و تحليلها التسليم، و أنّ الصلاة المفروضة على الحاضرين الظهر أربعا، و العصر أربعا، و المغرب ثلاثا، و العشاء الآخرة أربعا، لا سلام إلّا في آخر التشهد في الرابعة، و أجمعوا على أنّه من سلّم قبل التشهّد عامدا متعمدا فلا صلاة له، و قد لزمه الإعادة، و أنّه من سلّم في كلّ ركعتين من هذه الصلوات الأربع عامدا غير ناس فقد أفسد صلاته و عليه الإعادة، فاستنّ الرجل لهم في التشهّد الأول و الثاني ما أفسد صلاتهم و أبطل عليهم تشهّدهم، فليس منهم أحد يتشهّد في صلاته قطّ و لا يصلّي من هذه الصلوات الأربع التي ذكرناها، و ذلك أنّهم يصلّون ركعتين ثم يقعدون للتشهّد الأوّل فيقولون عوضا عن التشهّد: التحيّات للّه، الصلوات الطيّبات، السلام عليك أيّها النبيّ و رحمة اللّه و بركاته، السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين، فإذا قالوا ذلك فقد سلّموا أتمّ السلام و أكمله، لأنّه إذا سلّم المصلّي على النبيّ و على نفسه و على عباد اللّه الصالحين لم يبق من هؤلاء من يجوز صرف التسليم إليه، فإنّ عباد اللّه الصالحين يدخل في جملتهم الأوّلون و الآخرون و الجنّ و الإنس و الملائكة و أهل السماوات و الأرضين و الأنبياء و الأوصياء و جميع المرسلين من الأحياء و الأموات و من قد مضى و من هو آت، فحينئذ يكون المصلّي منهم قد قطع صلاته الأربع ركعات بسلامه هذا، ثم يقول بعد: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و التشهّد هو الشهادتان، فالمصلّي منهم يأتي بالشهادتين بعد التسليم الذي ذكرناه منهم، فلزمهم أنّه ليس منهم أحد يتشهّد في الصلاة إذا كان التسليم موجبا للخروج من الصلاة، و لا عبرة بالتشهد بعد الصلاة. ثم أتبع ذلك بقوله: آمين، عند الفراغ من قراءة سورة الحمد، فصارت عند أوليائه سنّة واجبة، حتى أنّ من يتلقّن القرآن من الأعاجم و غيرهم و عوامّهم و جهّالهم يلعنونهم من بعد قول ﴿وَ لَا الضَّالِّينَ﴾: آمين، فقد زادوا آية في أمّ الكتاب، و صار عندهم من لم يأت بها في صلاته و غير صلاته كأنّه قد ترك آية في كتاب اللّه. وَ قَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ عَنِ الْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ قَالَ: آمِينَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ وَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.، لأنّها عندهم كلمة سريانيّة معناها بالعربية: افعل، كسبيل من يدعو بدعاء فيقول في آخره: اللّهمّ افعل، ثم استنّ أولياؤه و أنصاره رواية متخرّصة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه كان يقول ذلك بأعلى صوته في الصلاة، فأنكر أهل البيت ذلك، و لمّا رأينا أهل البيت (عليهم السلام) مجتمعين على إنكارها صحّ عندنا فساد أخبارهم فيها، لأنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) حكم- بالإجماع- أن لا نضلّ ما تمسّكنا بأهل بيته (عليهم السلام)، فتعيّن ضلالة من تمسّك بغيرهم. و أمّا الدليل على خرص روايتهم أنّهم مختلفون في الرواية: فمنهم من روى: إذا أمّن الإمام فأمّنوا. و منهم من يروي: إذا قال الإمام «وَ لَا الضَّالِّينَ» فقولوا: آمين. و منهم من يروي: ندب رفع الصوت بها. و منهم من يروي: الإخفات بها. فكان هذا اختلافهم فيما وصفناه من هذه المعاني دليلا واضحا- لمن فهم- على تخرّص روايتهم. ثم أتبع ذلك بفعل من أفعال اليهود، و ذلك عقد اليدين في الصدر إذا قاموا في الصلاة، لأنّ اليهود تفعل في صلاتها ذلك، فلمّا رآهم الرجل يستعملون ذلك استعمله هو أيضا اقتداء بهم و أمر الناس بفعل ذلك، و قال: إنّ هذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ يريد بزعمه التذلّل و التواضع، - وَ مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ بِالْخِلَافِ أَنَّهُ قَالَ لِلرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْماً: إِنَّا نَسْمَعُ مِنَ الْيَهُودِ أَشْيَاءَ نَسْتَحْسِنُهَا مِنْهُمْ، فَنَكْتُبُ ذَلِكَ مِنْهُمْ؟. فَغَضِبَ …
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)