الأقسامبحار الأنواركتاب الفتن و المحن
بحار الأنوار

النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَالَ: أَ مُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ!، لَوْ كَانَ مُوسَى حَيّاً لَمْ يَسَعْهُ إِلَّا اتِّبَاعِي. و من استحسن ذلك في حياة الرسول من قول اليهود فاستحسانه بعد فقد النبيّ أولى، و قد أنكر أهل البيت (عليهم السلام) و نهوا عنه نهيا مؤكّدا، و حال أهل البيت ما شرحناه من شهادة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لهم بإزالة الضلالة عنهم و عمّن تمسّك بهم، فليس من بدعة ابتدعها هذا الرجل إلّا أولياؤه متحفّظون بها مواظبون عليها و على العمل بها، طاعنون على تاركها، و كلّ تأديب الرسول الذي قد خالفه الرجل ببدعة فهو عندهم مطروح متروك مهجور و يطعن على من استعمله، و ينسب عندهم إلى الأمور المنكرات، - وَ لَقَدْ رَوَوْا جَمِيعاً أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ: لَا تَبْرَكُوا فِي الصَّلَاةِ كَبَرْكِ الْبَعِيرِ، وَ لَا تَنْقُرُوا كَنَقْرِ الدِّيكِ، وَ لَا تُقْعُوا كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَ لَا تَلْتَفِتُوا كَالْتِفَاتِ الْقُرُودِ،. فهم لأكثر ذلك فاعلون، و لقول الرسول مخالفون، فإذا أرادوا السجود بدءوا بركبهم فيطرحونها إلى الأرض قبل أيديهم، و ذلك منهم كبرك البعير على ركبتيه، و يعلّمون ذلك جهّالهم خلافا على تأديب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و هذا شأنهم في سائر أحكام الدين فلا نطوّل الكلام بذكرها الكتاب. وَ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ (صلوات الله عليه و آله) بِسَدِّ أَبْوَابِ النَّاسِ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) شريفا [تَشْرِيفاً لَهُ وَ صَوْناً لَهُ عَنِ النَّجَاسَةِ سِوَى بَابِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَابِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَ أَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِذَلِكَ، فَمَنْ أَطَاعَهُ فَازَ وَ غَنِمَ وَ مَنْ عَصَاهُ هَلَكَ وَ نَدِمَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) الْمُنَادِيَ فَنَادَى فِي النَّاسِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَأَقْبَلَ النَّاسُ يُهْرَعُونَ، فَلَمَّا تَكَامَلُوا صَعِدَ النَّبِيُّ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنِي بِسَدِّ أَبْوَابِكُمُ الْمَفْتُوحَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ يَوْمِي، وَ أَنْ لَا يَدْخُلَهُ جُنُبٌ وَ لَا نَجَسٌ، بِذَلِكَ أَمَرَنِي رَبِّي جَلَّ جَلَالُهُ، فَلَا يَكُونُ فِي نَفْسِ أَحَدٍ مِنْكُمْ أَمْرٌ، وَ لَا تَقُولُوا: لِمَ؟ وَ كَيْفَ؟ وَ أَنَّى ذَلِكَ؟ فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَ تَكُونُوا مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَ إِيَّاكُمْ وَ الْمُخَالَفَةَ وَ الشِّقَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَ مَنْ عَصَانِي، وَ أَنَّهُ لَا ذِمَّةَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَ قَدْ جَعَلْتُ مَسْجِدِي طَاهِراً مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، مُحَرَّماً عَلَى كُلِّ مَنْ يَدْخُلُ إِلَيْهِ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا غَيْرِي وَ أَخِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ ابْنَتِي فَاطِمَةَ وَ وَلَدَيَّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ كَمَا كَانَ مَسْجِدُ هَارُونَ وَ مُوسَى، فَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِمَا أَنِ اجْعَلَا بُيُوتَكُمَا قِبْلَةً لِقَوْمِكُمَا، وَ إِنِّي قَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أَمَرَنِي بِهِ رَبِّي وَ أَمَرْتُكُمْ بِذَلِكَ، أَلَا فَاحْذَرُوا الْحَسَدَ وَ النِّفَاقَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ يُوَافِقْ بَيْنَكُمْ سَرُّكُمْ عَلَانِيَتَكُمْ، فَ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. فَقَالَ النَّاسُ بِأَجْمَعِهِمْ: سَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَا نُخَالِفُ مَا أَمَرَنَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجُوا أَبْوَابَهُمْ جَمِيعاً غَيْرَ بَابِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَأَظْهَرَ النَّاسُ الْحَسَدَ وَ الْكَلَامَ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا بَالُ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يُؤْثِرُ ابْنَ عَمِّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَ يَقُولُ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَ يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ بِمَا لَمْ يَقُلْ فِي عَلِيٍّ؟! وَ إِنَّمَا سَأَلَ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ أَجَابَهُ إِلَى مَا يُرِيدُ، فَلَوْ سَأَلَ اللَّهَ ذَلِكَ لَنَا لَأَجَابَهُ، وَ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَابٌ مَفْتُوحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَ لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَوْلُ عُمَرَ وَ خَوْضُ النَّاسِ وَ الْقَوْمِ فِي الْكَلَامِ، أَمَرَ الْمُنَادِيَ بِالنِّدَاءِ إِلَى: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): مَعَاشِرَ النَّاسِ! قَدْ بَلَغَنِي مَا خُضْتُمْ فِيهِ وَ مَا قَالَ قَائِلُكُمْ، وَ إِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ أَنِّي لَمْ أَقُلْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ لَا كَذَبْتُ فِيمَا قُلْتُ، وَ لَا أَنَا سَدَدْتُ أَبْوَابَكُمْ، وَ لَا أَنَا فَتَحْتُ بَابَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَ لَا أَمَرَنِي فِي ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الَّذِي خَلَقَنِي وَ خَلَقَكُمْ أَجْمَعِينَ، فَلَا تَحَاسَدُوا فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تَحْسُدُوا النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مِنَ الصَّابِرِينَ، ثُمَّ صَدَّقَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِنُزُولِ الْكَوْكَبِ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى دَارِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قُرْآناً، وَ أَقْسَمَ بِالنَّجْمِ تَصْدِيقاً لِرَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى... الْآيَاتِ كُلَّهَا، وَ تَلَاهَا النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا غَضَباً وَ حَسَداً وَ نِفَاقاً وَ عُتُوّاً وَ اسْتِكْبَاراً، ثُمَّ تَفَرَّقُوا وَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْحَسَدِ وَ النِّفَاقِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ وَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْتَ مَا بَيْنِي وَ بَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ وَ الرَّحِمِ الْمَاسَّةِ، وَ أَنَا مِمَّنْ يَدِينُ اللَّهَ بِطَاعَتِكَ، فَاسْأَلِ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لِي بَاباً إِلَى الْمَسْجِدِ أَتَشَرَّفُ بِهَا عَلَى مَنْ سِوَايَ؟. فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ: يَا عَمِّ! لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ. فَقَالَ: فَمِيزَاباً يَكُونُ مِنْ دَارِي إِلَى الْمَسْجِدِ أَتَشَرَّفُ بِهِ عَلَى الْقَرِيبِ وَ الْبَعِيدِ. فَسَكَتَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ كَانَ كَثِيرَ الْحَيَاءِ- لَا يَدْرِي مَا يُعِيدُ مِنَ الْجَوَابِ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَ حَيَاءً مِنْ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ، فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فِي الْحَالِ عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي نَفْسِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ ذَلِكَ-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ (صلى الله عليه وآله وسلم)! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُجِيبَ سُؤَالَ عَمِّكَ، وَ أَمَرَكَ أَنْ تَنْصِبَ لَهُ مِيزَاباً إِلَى الْمَسْجِدِ كَمَا أَرَادَ، فَقَدْ عَلِمْتُ مَا فِي نَفْسِكَ وَ قَدْ أَجَبْتُكَ إِلَى ذَلِكَ كَرَامَةً لَكَ وَ نِعْمَةً مِنِّي عَلَيْكَ وَ عَلَى عَمِّكَ الْعَبَّاسِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَالَ: أَبَى اللَّهُ إِلَّا إِكْرَامَكُمْ يَا بَنِي هَاشِمٍ وَ تَفْضِيلَكُمْ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ قَامَ وَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَ الْعَبَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى صَارَ عَلَى سَطْحِ الْعَبَّاسِ، فَنَصَبَ لَهُ مِيزَاباً إِلَى الْمَسْجِدِ وَ قَالَ: مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَرَّفَ عَمِّيَ الْعَبَّاسَ بِهَذَا الْمِيزَابِ فَلَا تُؤْذُونِي فِي عَمِّي، فَإِنَّهُ بَقِيَّةُ الْآبَاءِ وَ الْأَجْدَادِ، فَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آذَانِي فِي عَمِّي وَ بَخَسَهُ حَقَّهُ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ. وَ لَمْ يَزَلِ الْمِيزَابُ عَلَى حَالِهِ مُدَّةَ أَيَّامِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وُعِكَ الْعَبَّاسُ وَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً وَ صَعِدَتِ الْجَارِيَةُ تَغْسِلُ قَمِيصَهُ فَجَرَى الْمَاءُ مِنَ الْمِيزَابِ إِلَى صَحْنِ الْمَسْجِدِ، فَنَالَ بَعْضُ الْمَاءِ ثَوْبَ الرَّجُلِ، فَغَضِبَ غَضَباً شَدِيداً وَ قَالَ لِغُلَامِهِ: اصْعَدْ وَ اقْلَعِ الْمِيزَابَ، فَصَعِدَ الْغُلَامُ فَقَلَعَهُ وَ رَمَى بِهِ إِلَى سَطْحِ الْعَبَّاسِ، وَ قَالَ: وَ اللَّهِ لَئِنْ رَدَّهُ أَحَدٌ إِلَى مَكَانِهِ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَ دَعَا بِوَلَدَيْهِ عَبْدِ اللَّهِ وَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَ نَهَضَ يَمْشِي مُتَوَكِّئاً عَلَيْهِمَا- وَ هُوَ يَرْتَعِدُ مِنْ شِدَّةِ الْمَرَضِ- وَ سَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) انْزَعَجَ لِذَلِكَ، وَ قَالَ: يَا عَمِّ! مَا جَاءَ بِكَ وَ أَنْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ؟!. فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ وَ مَا فَعَلَ مَعَهُ عُمَرُ مِنْ قَلْعِ الْمِيزَابِ وَ تَهَدُّدِهِ مَنْ يُعِيدُهُ إِلَى مَكَانِهِ، وَ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي! إِنَّهُ كَانَ لِي عَيْنَانِ أَنْظُرُ بِهِمَا، فَمَضَتْ إِحْدَاهُمَا وَ هِيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَقِيَتِ الْأُخْرَى وَ هِيَ أَنْتَ يَا عَلِيُّ، وَ مَا أَظُنُّ أَنْ أُظْلَمَ وَ يَزُولَ مَا شَرَّفَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَنْتَ لِي، فَانْظُرْ فِي أَمْرِي، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمِّ! ارْجِعْ إِلَى بَيْتِكَ، فَسَتَرَى مِنِّي مَا يَسُرُّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ نَادَى: يَا قَنْبَرُ! عَلَيَّ بِذِي الْفَقَارِ، فَتَقَلَّدَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَ النَّاسُ حَوْلَهُ وَ قَالَ: يَا قَنْبَرُ! اصْعَدْ فَرُدَّ الْمِيزَابَ إِلَى مَكَانِهِ، فَصَعِدَ قَنْبَرُ فَرَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ، وَ قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): وَ حَقِّ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ وَ الْمِنْبَرِ لَئِنْ قَلَعَهُ قَالِعٌ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ وَ عُنُقَ الْآمِرِ لَهُ بِذَلِكَ، وَ لَأَصْلِبَنَّهُمَا فِي الشَّمْسِ حَتَّى يَتَقَدَّدَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَنَهَضَ وَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ نَظَرَ إِلَى الْمِيزَابِ، فَقَالَ: لَا يُغْضِبُ أحدا [أَحَدٌ أَبَا الْحَسَنِ فِيمَا فَعَلَهُ، وَ نُكَفِّرُ عَنِ الْيَمِينِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدَاةِ مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا عَمِّ؟. قَالَ: بِأَفْضَلِ النِّعَمِ مَا دُمْتَ لِي يَا ابْنَ أَخِي. فَقَالَ لَهُ: يَا عَمِّ! طِبْ نَفْساً وَ قَرَّ عَيْناً، فَوَ اللَّهِ لَوْ خَاصَمَنِي أَهْلُ الْأَرْضِ فِي الْمِيزَابِ لَخَصَمْتُهُمْ، ثُمَّ لَقَتَلْتُهُمْ بِحَوْلِ اللَّهِ وَ قُوَّتِهِ، وَ لَا يَنَالُكَ ضَيْمٌ يَا عَمِّ، فَقَامَ الْعَبَّاسُ فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! مَا خَابَ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ. فكان هذا فعل عمر بالعباس عمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).، وَ قَدْ قَالَ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ وَصِيَّةً مِنْهُ فِي عَمِّهِ الْعَبَّاسِ: إِنَّ عَمِّيَ الْعَبَّاسَ بَقِيَّةُ الْآبَاءِ وَ الْأَجْدَادِ فَاحْفَظُونِي فِيهِ، كُلٌّ فِي كَنَفِي، وَ أَنَا فِي كَنَفِ عَمِّيَ الْعَبَّاسِ، فَمَنْ آذَاهُ فَقَدْ آذَانِي، وَ مَنْ عَادَاهُ فَقَدْ عَادَانِي، سِلْمُهُ سِلْمِي، وَ حَرْبُهُ حَرْبِي. و قد آذاه عمر في ثلاثة مواطن ظاهرة غير خفيّة: منها: قصّة الميزاب، و لو لا خوفه من عليّ (عليه السلام) لم يتركه على حاله. وَ مِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَبْلَ الْهِجْرَةِ خَرَجَ يَوْماً إِلَى خَارِجِ مَكَّةَ وَ رَجَعَ طَالِباً مَنْزِلَهُ فَاجْتَازَ بِمُنَادٍ يُنَادِي مِنْ بَنِي تَمِيمٍ- وَ كَانَ لَهُمْ سَيِّدٌ يُسَمَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُذْعَانَ، وَ كَانَ يُعَدُّ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ وَ أَشْيَاخِهِمْ، وَ كَانَ لَهُ مُنَادِيَةٌ يُنَادُونَ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَ أَوْدِيَتِهَا: مَنْ أَرَادَ الضِّيَافَةَ وَ الْقِرَى فَلْيَأْتِ مَائِدَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُذْعَانَ، وَ كَانَ مُنَادِيهِ: أَبُو قُحَافَةَ، وَ أُجْرَتُهُ أَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ، وَ لَهُ مُنَادٍ آخَرُ فَوْقَ سَطْحِ دَارِهِ، فَأَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُذْعَانَ بِجَوَازِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى بَابِهِ، فَخَرَجَ يَسْعَى حَتَّى لَحِقَ بِهِ وَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ إِلَّا مَا شَرَّفْتَنِي بِدُخُولِكَ إِلَى مَنْزِلِي وَ تَحَرُّمِكَ بِزَادِي، وَ أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِرَبِّ الْبَيْتِ وَ الْبَطْحَاءِ وَ بِشَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى ذَلِكَ وَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَ تَحَرَّمَ بِزَادِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) خَرَجَ مَعَهُ ابْنُ جُذْعَانَ مُشَيِّعاً لَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ الرُّجُوعَ عَنْهُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ غَداً فِي ضِيَافَتِي أَنْتَ وَ تَيْمٌ وَ أَتْبَاعُهَا وَ حُلَفَاؤُهَا عِنْدَ طُلُوعِ الْغَزَالَةِ، ثُمَّ افْتَرَقَا وَ مَضَى النَّبِيُّ إِلَى دَارِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَ جَلَسَ مُتَفَكِّراً فِيمَا وَعَدَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُذْعَانَ، إِذْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ (صلوات اللّه عليها) زَوْجَةُ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ- وَ كَانَتْ هِيَ مُرَبِّيَتَهُ، وَ كَانَ يُسَمِّيهَا الْأُمَّ فَلَمَّا رَأَتْهُ مَهْمُوماً قَالَتْ: فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي، مَا لِي أَرَاكَ مَهْمُوماً؟ أَ عَارَضَكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ؟. فَقَالَ: لَا. قَالَتْ: فَبِحَقِّي عَلَيْكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي بِحَالِكَ.. فَقَصَّ عَلَيْهَا قِصَّتَهُ مَعَ ابْنِ جُذْعَانَ وَ مَا قَالَهُ وَ مَا وَعَدَهُ مِنَ الضِّيَافَةِ، فَقَالَتْ: يَا وَلَدِي! لَا تَضِيقَنَّ صَدْرُكَ، مَعِي مُشَارُ عَسَلٍ يَقُومُ لَكَ بِكُلِّ مَا تُرِيدُ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي الْحَدِيثِ إِذْ دَخَلَ أَبُو طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: فِيمَا أَنْتُمَا؟. فَأَعْلَمَتْهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) لِابْنِ جُذْعَانَ، فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَ قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَ قَالَ: يَا وَلَدِي! بِاللَّهِ عَلَيْكَ لَا تَضِيقَنَّ صَدْرُكَ مِنْ ذَلِكَ، وَ فِي نَهَارِ غَدٍ أَقُومُ لَكَ بِجَمِيعِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَ أَصْنَعُ وَلِيمَةً تَتَحَدَّثُ بِهَا الرُّكْبَانُ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ، وَ عَزَمَ عَلَى وَلِيمَةٍ تَعُمُّ سَائِرَ القَبَائِلِ، وَ قَصَدَ نَحْوَ أَخِيهِ الْعَبَّاسِ لِيَقْتَرِضَ مِنْ مَالِهِ شَيْئاً يَضُمُّهُ إِلَى مَالِهِ، فَوَجَدَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي الطَّرِيقِ فَأَقْرَضُوهُ مِنَ الْجِمَالِ وَ الذَّهَبِ مَا يَكْفِيهِ، فَرَجَعَ عَنِ الْقَصْدِ إِلَى أَخِيهِ الْعَبَّاسِ، وَ آثَرَ التَّخْفِيفَ عَنْهُ، فَبَلَغَ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ ذَلِكَ فَعَظُمَ عَلَيْهِ رُجُوعُهُ، فَأَقْبَلَ إِلَى أَخِيهِ أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ مَغْمُومٌ كَئِيبٌ حَزِينٌ- فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: مَا لِي أَرَاكَ حَزِيناً كَئِيباً؟. قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ قَصَدْتَنِي فِي حَاجَةٍ ثُمَّ بَدَا لَكَ عَنْهَا فَرَجَعْتَ مِنَ الطَّرِيقِ، فَمَا هَذِهِ الْحَالُ؟. فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ.. إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: الْأَمْرُ إِلَيْكَ، وَ إِنَّكَ لَمْ تَزَلْ أَهْلًا لِكُلِّ مَكْرُمَةٍ وَ مَوْئِلًا لِكُلِّ نَائِبَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ عِنْدَهُ سَاعَةً وَ قَدْ أَخَذَ أَبُو طَالِبٍ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ آلَةِ الطَّبْخِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يَا أَخِي! لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ؟. فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: هِيَ مَقْضِيَّةٌ، فَاذْكُرْهَا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّ الْبَيْتِ وَ شَيْبَةِ الْحَمْدِ إِلَّا مَا قَضَيْتَهَا، فَقَالَ: لَكَ ذَلِكَ وَ لَوْ سَأَلْتَ فِي النَّفْسِ وَ الْوَلَدِ، فَقَالَ: تَهَبُ لِي هَذِهِ الْمَكْرُمَةَ تُشَرِّفُنِي بِهَا. فَقَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ إِلَى ذَلِكَ مَعَ مَا أَصْنَعُهُ أَنَا.. فَنَحَرَ الْعَبَّاسُ الْجُزُرَ وَ نَصَبَ الْقُدُورَ، وَ عَقَدَ الْحَلَاوَاتِ، وَ شَوَى الْمَشْوِيَّ، وَ أَكْثَرَ مِنَ الزَّادِ فَوْقَ مَا يُرَادُ، وَ نَادَى سَائِرَ النَّاسِ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ مَكَّةَ وَ بُطُونُ قُرَيْشٍ وَ سَائِرُ الْعَرَبِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهَا يُهْرَعُونَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ حَتَّى كَأَنَّهُ عِيدُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ، وَ نَصَبَ لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) مَنْصَباً عَالِياً، وَ زَيَّنَهُ بِالدُّرِّ وَ الْيَاقُوتِ وَ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ، وَ بَقِيَ النَّاسُ مِنْ حُسْنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ وَقَارِهِ وَ عَقْلِهِ وَ كَمَالِهِ مُتَحَيِّرِينَ، وَ ضَوْؤُهُ يَعْلُو نُورَ الشَّمْسِ، وَ تَفَرَّقَ النَّاسُ مَسْرُورِينَ وَ قَدْ أَخَذُوا فِي الْخُطَبِ وَ الْأَشْعَارِ وَ مَدْحِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عَشِيرَتِهِ عَلَى حُسْنِ ضِيَافَتِهِمْ. فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَشُدَّهُ وَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ وَ نَبَّأَهُ وَ أَرْسَلَهُ إِلَى سَائِرِ الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ، وَ أَظْهَرَهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَ فَتَحَ مَكَّةَ وَ دَخَلَهَا مُؤَيَّداً مَنْصُوراً، وَ قُتِلَ مَنْ قُتِلَ، وَ بَغَى مَنْ بَغَى، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ عَمَّكَ الْعَبَّاسَ لَهُ عَلَيْكَ يَدٌ سَابِقَةٌ وَ جَمِيلٌ مُتَقَدِّمٌ، وَ هُوَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْكَ فِي وَلِيمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُذْعَانَ، وَ هُوَ سِتُّونَ أَلْفَ دِينَارٍ مَعَ مَا لَهُ عَلَيْكَ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ، وَ فِي نَفْسِهِ شَهْوَةٌ مِنْ سُوقِ عُكَاظٍ، فَامْنَحْهُ إِيَّاهُ فِي مُدَّةِ حَيَاتِهِ وَ لِوُلْدِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى مَنْ عَارَضَ عَمِّي فِي سُوقِ عُكَاظٍ وَ نَازَعَهُ فِيهِ، وَ مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ وَ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَلَمْ يَكْتَرِثْ عُمَرُ بِذَلِكَ وَ حَسَدَ الْعَبَّاسَ عَلَى دَخْلِ سُوقِ عُكَاظٍ، وَ غَصَبَهُ مِنْهُ، وَ لَمْ يَزَلِ الْعَبَّاسُ مُتَظَلِّماً إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ. وَ مِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ جَالِساً فِي مَسْجِدِهِ يَوْماً- وَ حَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ- إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ- وَ كَانَ رَجُلًا صَبِيحاً حَسَناً حُلْوَ الشَّمَائِلِ- فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَامَ إِلَيْهِ وَ اسْتَقْبَلَهُ وَ قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ رَحَّبَ بِهِ وَ أَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ، فَأَنْشَدَ الْعَبَّاسُ أَبْيَاتاً فِي مَدْحِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): جَزَاكَ اللَّهُ- يَا عَمِّ- خَيْراً وَ مُكَافَأَتُكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ قَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ! احْفَظُونِي فِي عَمِّيَ الْعَبَّاسِ وَ انْصُرُوهُ وَ لَا تَخْذُلُوهُ. ثُمَّ قَالَ: يَا عَمِّ! اطْلُبْ مِنِّي شَيْئاً أُتْحِفْكَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! أُرِيدُ مِنَ الشَّامِ الْمَلْعَبَ، وَ مِنَ الْعِرَاقِ الْحِيرَةَ، وَ مِنْ هَجَرٍ الْخَطَّ، وَ كَانَتْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ كَثِيرَةَ الْعِمَارَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): حُبّاً وَ كَرَامَةً، ثُمَّ دَعَا عَلِيّاً (عليه السلام)، فَقَالَ: اكْتُبْ لِعَمِّكَ الْعَبَّاسِ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ، فَكَتَبَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً بِذَلِكَ، وَ أَمْلَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ الْحَاضِرِينَ، وَ خَتَمَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) بِخَاتَمِهِ وَ قَالَ: يَا عَمِّ! إِنْ يَفْتَحِ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْمَوَاضِعَ فَهِيَ لَكَ هِبَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَ رَسُولِهِ، وَ إِنْ فُتِحَتْ بَعْدَ مَوْتِي فَإِنِّي أُوصِي الَّذِي يَنْظُرُ بَعْدِي فِي الْأُمَّةِ بِتَسْلِيمِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إِلَيْكَ. ثُمَّ قَالَ: مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ! إِنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ الْمَذْكُورَةَ لِعَمِّيَ الْعَبَّاسِ، فَعَلَى مَنْ يُغَيِّرُ عَلَيْهِ أَوْ يُبَدِّلُهُ أَوْ يَمْنَعُهُ أَوْ يَظْلِمُهُ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ لَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الْكِتَابَ، فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ وَ فُتِحَ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ الْمَذْكُورَةُ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ بِالْكِتَابِ، فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِ دَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَ سَأَلَهُ عَنِ الْمَلْعَبِ، فَقَالَ: يَزِيدُ ارْتِفَاعُهُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ الْآخَرَيْنِ، فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ ارْتِفَاعَهُمَا تَقُومُ بِمَالٍ كَثِيرٍ. فَقَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ! إِنَّ هَذَا الْمَالَ كَثِيرٌ لَا يَجُوزُ لَكَ أَخْذُهُ مِنْ دُونِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَشْهَدُ لِي بِذَلِكَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيراً، فَقَالَ عُمَرُ: وَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ تُسَاوِي الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ وَ إِلَّا فَارْجِعْ مِنْ حَيْثُ أَتَيْتَ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا كَلَامٌ كَثِيرٌ غَلِيظٌ، فَغَضِبَ عُمَرُ- وَ كَانَ سَرِيعَ الْغَضَبِ- فَأَخَذَ الْكِتَابَ مِنَ الْعَبَّاسِ وَ مَزَّقَهُ وَ تَفَلَ فِيهِ وَ رَمَى بِهِ فِي وَجْهِ الْعَبَّاسِ، وَ قَالَ: وَ اللَّهِ! لَوْ طَلَبْتَ مِنْهُ حَبَّةً وَاحِدَةً مَا أَعْطَيْتُكَ، فَأَخَذَ الْعَبَّاسُ بَقِيَّةَ الْكِتَابِ وَ عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ حَزِيناً بَاكِياً شَاكِياً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ إِلَى رَسُولِهِ، فَصَاحَ الْعَبَّاسُ بِالْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، فَغَضِبُوا لِذَلِكَ وَ قَالُوا: يَا عُمَرُ! تَخْرِقُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ وَ تُلْقِي بِهِ فِي الْأَرْضِ، هَذَا شَيْءٌ لَا نَصْبِرُ عَلَيْهِ. فَخَافَ عُمَرُ أَنْ يَنْخَرِمَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، فَقَالَ: قُومُوا بِنَا إِلَى الْعَبَّاسِ نَسْتَرْضِيهِ وَ نَفْعَلُ مَعَهُ مَا يُصْلِحُهُ، فَنَهَضُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَى دَارِ الْعَبَّاسِ فَوَجَدُوهُ مَوْعُوكاً لِشِدَّةِ مَا لَحِقَهُ مِنَ الْفِتَنِ وَ الْأَلَمِ وَ الظُّلْمِ، فَقَالَ: نَحْنُ فِي الْغَدَاةِ عَائِدُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَ مُعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ فِعْلِنَا، فَمَضَى غَدٌ وَ بَعْدَ غَدٍ وَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ وَ لَا اعْتَذَرَ مِنْهُ، ثُمَّ فَرَّقَ الْأَمْوَالَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ بَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ. و لو أخذنا في ذكر أفعاله لطال الكتاب، و هذا القدر فيه عبرة لأولي الألباب. و أمّا صاحبهما الثالث، فقد استبدّ بأخذ الأموال ظلما على ما تقدّم به الشرح في صاحبيه، و اختصّ بها مع أهل بيته من بني أميّة دون المسلمين، فهل يستحقّ هذا أو يستجيزه مسلم؟. ثم إنّه ابتدع أشياء أخر: منها: منع المراعي من الجبال و الأودية و حماها حتى أخذ عليها مالا باعها به من المسلمين. وَ مِنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) نَفَى الْحَكَمَ بْنَ الْعَاصِ- عَمَّ عُثْمَانَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَ طَرَدَهُ عَنْ جِوَارِهِ فَلَمْ يَزَلْ طَرِيداً مِنَ الْمَدِينَةِ وَ مَعَهُ ابْنُهُ مَرْوَانُ أَيَّامَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ وَ أَيَّامَ عُمَرَ يُسَمَّى: طَرِيدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، حَتَّى اسْتَوْلَى عُثْمَانُ فَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ آوَاهُ، وَ جَعَلَ ابْنَهُ مَرْوَانَ كَاتِبَهُ وَ صَاحِبَ تَدْبِيرِهِ فِي دَارِهِ،. فهل هذا منه إلّا خلافا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مضادّة لفعله؟ و هل يستجيز هذا الخلاف على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و المضادّة لأفعاله إلّا خارج عن الدين بريء من المسلمين؟ و هل يظنّ ذو فهم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) طرد الحكم و لعنه و هو مؤمن؟ و إذا لم يكن مؤمنا فما الحال التي دعت عثمان إلى ردّه و الإحسان إليه- و هو رجل كافر- لو لا أنّه تعصّب لرحمه و لم يفكّر في دينه، فحقّت عليه الآية، قوله تعالى: ﴿‏لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ‏﴾. - وَ مِنْهَا: أَنَّهُ جَمَعَ مَا كَانَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ صُحُفِ الْقُرْآنِ وَ طَبَخَهَا بِالْمَاءِ عَلَى النَّارِ وَ غَسَلَهَا وَ رَمَى بِهَا إِلَّا مَا كَانَ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإِنَّهُ …

بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.