الأقسامبحار الأنواركتاب الفتن و المحن
بحار الأنوار

ل: فِيمَا أَجَابَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْيَهُودِيَّ السَّائِلَ عَمَّا امْتَحَنَ بِهِ مِنْ بَيْنِ الْأَوْصِيَاءِ. وَ أَمَّا الرَّابِعَةُ- يَا أَخَا الْيَهُودِ-: فَإِنَّ الْقَائِمَ بَعْدَ صَاحِبِهِ كَانَ يُشَاوِرُنِي فِي مَوَارِدِ الْأُمُورِ فَيُصْدِرُهَا عَنْ أَمْرِي وَ يُنَاظِرُنِي فِي غَوَامِضِهَا فَيُمْضِيهَا عَنْ رَأْيِي لَا أُعْلِمُهُ أَحَداً وَ لَا يَعْلَمُهُ أَصْحَابِي، لَا يُنَاظِرُهُ فِي ذَلِكَ غَيْرِي، وَ لَا يَطْمَعُ فِي الْأَمْرِ بَعْدَهُ سِوَايَ، فَلَمَّا أَنْ أَتَتْهُ مَنِيَّتُهُ عَلَى فَجْأَةٍ بِلَا مَرَضٍ كَانَ قَبْلَهُ وَ لَا أَمْرٍ كَانَ أَمْضَاهُ فِي صِحَّةٍ مِنْ بَدَنِهِ، لَمْ أَشُكَّ أَنِّي قَدِ اسْتَرْجَعْتُ حَقِّي فِي عَافِيَةٍ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي كُنْتُ أَطْلُبُهَا، وَ الْعَاقِبَةِ الَّتِي كُنْتُ أَلْتَمِسُهَا، وَ إِنَّ اللَّهَ سَيَأْتِي بِذَلِكَ عَلَى أَحْسَنِ مَا رَجَوْتُ وَ أَفْضَلِ مَا أَمَّلْتُ، فَكَانَ مِنْ فِعْلِهِ أَنْ خَتَمَ أَمْرَهُ بِأَنْ سَمَّى قَوْماً أَنَا سَادِسُهُمْ وَ لَمْ يُسَوِّنِي بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَ لَا ذَكَرَ لِي حَالًا فِي وِرَاثَةِ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَا قَرَابَةً وَ لَا صِهْراً وَ لَا نَسَبَ، وَ لَا كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْلُ سَابِقَةٍ مِنْ سَوَابِقِي، وَ لَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِي، وَ صَيَّرَهَا شُورَى بَيْنَنَا، وَ صَيَّرَ ابْنَهُ فِيهَا حَاكِماً عَلَيْنَا، وَ أَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ أَعْنَاقَ النَّفَرِ السِّتَّةِ الَّذِينَ صَيَّرَ الْأَمْرَ فِيهِمْ إِنْ لَمْ يُنَفِّذُوا أَمْرَهُ، وَ كَفَى بِالصَّبْرِ عَلَى هَذَا- يَا أَخَا الْيَهُودِ- صَبْراً، فَمَكَثَ الْقَوْمُ أَيَّامَهُمْ كُلَّهَا كُلٌّ يَخْطُبُ لِنَفْسِهِ وَ أَنَا مُمْسِكٌ، إِلَى أَنْ سَأَلُونِي عَنْ أَمْرِي، فَنَاظَرْتُهُمْ فِي أَيَّامِي وَ أَيَّامِهِمْ، وَ آثَارِي وَ آثَارِهِمْ، وَ أَوْضَحْتُ لَهُمْ مَا لَمْ يَجْهَلُوهُ مِنْ وُجُوهِ اسْتِحْقَاقِي لَهَا دُونَهُمْ، وَ ذَكَّرْتُهُمْ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَيْهِمْ، وَ تَأْكِيدَ مَا أَكَّدَهُ مِنَ الْبَيْعَةِ لِي فِي أَعْنَاقِهِمْ، دَعَاهُمْ حُبُّ الْإِمَارَةِ وَ بَسْطُ الْأَيْدِي وَ الْأَلْسُنِ فِي الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ، وَ الرُّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا، وَ الِاقْتِدَاءُ بِالْمَاضِينَ قَبْلَهُمْ إِلَى تَنَاوُلِ مَا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ، فَإِذَا خَلَوْتُ بِالْوَاحِدِ ذَكَّرْتُهُ أَيَّامَ اللَّهِ وَ حَذَّرْتُهُ مَا هُوَ قَادِمٌ عَلَيْهِ وَ صَائِرٌ إِلَيْهِ الْتَمَسَ مِنِّي شَرْطاً أَنْ أُصَيِّرَهَا لَهُ بَعْدِي، فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا عِنْدِي إِلَّا الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ وَ الْحَمْلَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ وَصِيَّةِ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَعْطَاهُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وَ مَنَعَهُ مَا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ، أَزَالُوهَا عَنِّي إِلَى ابْنِ عَفَّانَ طَمَعاً إِلَى التَّبَجُّحِ مَعَهُ فِيهَا، وَ ابْنُ عَفَّانَ رَجُلٌ لَمْ تُسَوَّ بِهِ وَ بِوَاحِدٍ مِمَّنْ حَضَرَهُ حَالٌ لَهُ قَطُّ فَضْلًا عَمَّنْ دُونَهُمْ، لَا بِبَدْرٍ- الَّتِي هِيَ سَنَامُ فَخْرِهِمْ-، وَ لَا غَيْرِهَا مِنَ الْمَآثِرِ الَّتِي أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَنِ اخْتَصَّهُ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ لَمْ أَعْلَمِ الْقَوْمَ أَمْسَوْا مِنْ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى ظَهَرَتْ نَدَامَتُهُمْ، وَ نَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَ أَحَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى كَلِ بَعْضٍ، كُلٌّ يَلُومُ نَفْسَهُ وَ يَلُومُ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ لَمْ تَطُلِ الْأَيَّامُ بِالْمُسْتَبِدِّ بِالْأَمْرِ ابْنِ عَفَّانَ حَتَّى أَكْفَرُوهُ وَ تَبَرَّءُوا مِنْهُ، وَ مَشَى إِلَى أَصْحَابِهِ خَاصَّةً وَ سَائِرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَلَى هَذِهِ يَسْتَقِيلُهُمْ مِنْ بَيْعَتِهِ وَ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ فَلْتَتِهِ، فَكَانَتْ هَذِهِ- يَا أَخَا الْيَهُودِ- أَكْبَرَ مِنْ أُخْتِهَا وَ أَفْظَعَ وَ أَحْرَى أَنْ لَا يُصْبَرَ عَلَيْهَا، فَنَالَنِي مِنْهَا الَّذِي لَا يَبْلُغُ وَصْفَهُ وَ لَا يَجِدُ وَقْتَهُ، وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فِيهِ إِلَّا الصَّبْرُ عَلَى مَا أَمَضَّ وَ أَبْلَغَ مِنْهَا، وَ لَقَدْ أَتَانِي الْبَاقُونَ مِنَ السِّتَّةِ مِنْ يَوْمِهِمْ كُلٌّ رَاجِعٌ عَمَّا كَانَ رَكِبَ مِنِّي، يَسْأَلُنِي خَلْعَ ابْنِ عَفَّانَ وَ الْوُثُوبَ عَلَيْهِ وَ أَخْذَ حَقِّي، وَ يُعْطِينِي صَفْقَتَهُ وَ بَيْعَتَهُ عَلَى الْمَوْتِ تَحْتَ رَايَتِي، أَوْ يَرُدَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيَّ حَقِّي، فَوَ اللَّهِ- يَا أَخَا الْيَهُودِ- مَا مَنَعَنِي مِنْهَا إِلَّا الَّذِي مَنَعَنِي مِنْ أُخْتَيْهَا قَبْلَهَا، وَ رَأَيْتُ الْإِبْقَاءَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنَ الطَّائِفَةِ أَبْهَجَ لِي وَ آنَسَ لِقَلْبِي مِنْ فَنَائِهَا، وَ عَلِمْتُ أَنِّي إِنْ حَمَلْتُهَا عَلَى دَعْوَةِ الْمَوْتِ رَكِبْتُهُ، فَأَمَّا نَفْسِي فَقَدْ عَلِمَ مَنْ حَضَرَ مِمَّنْ تَرَى وَ مَنْ غَابَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّ الْمَوْتَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الشَّرْبَةِ الْبَارِدَةِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْحَرِّ مِنْ ذِي الْعَطَشِ الصَّدَى، وَ لَقَدْ كُنْتُ عَاهَدْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ رَسُولَهُ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَا وَ عَمِّي حَمْزَةُ وَ أَخِي جَعْفَرٌ وَ ابْنُ عَمِّي عُبَيْدَةُ عَلَى أَمْرٍ وَفَيْنَا بِهِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِرَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَتَقَدَّمَنِي أَصْحَابِي وَ تَخَلَّفْتُ بَعْدَهُمْ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) حَمْزَةُ وَ جَعْفَرٌ وَ عُبَيْدَةُ، وَ أَنَا وَ اللَّهِ الْمُنْتَظِرُ- يَا أَخَا الْيَهُودِ- وَ مَا بَدَّلْتُ تَبْدِيلًا، وَ مَا سَكَّتَنِي عَنِ ابْنِ عَفَّانَ وَ حَثَّنِي عَلَى الْإِمْسَاكِ إِلَّا أَنِّي عَرَفْتُ مِنْ أَخْلَاقِهِ فِيمَا اخْتَبَرْتُ مِنْهُ بِمَا لَنْ يَدَعَهُ حَتَّى يَسْتَدْعِيَ الْأَبَاعِدَ إِلَى قَتْلِهِ وَ خَلْعِهِ فَضْلًا عَنِ الْأَقَارِبِ، وَ أَنَا فِي عُزْلَةٍ، فَصَبَرْتُ حَتَّى كَأَنَّ ذَلِكَ، لَمْ أَنْطِقْ فِيهِ بِحَرْفٍ مِنْ لَا، وَ لَا: نَعَمْ، ثُمَّ أَتَانِي الْقَوْمُ وَ أَنَا- عَلِمَ اللَّهُ- كَارِهٌ لِمَعْرِفَتِي بِمَا تَطَاعَمُوا بِهِ مِنِ اعْتِقَادِ الْأَمْوَالِ وَ الْمَرَجِ فِي الْأَرْضِ، وَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ لَهُمْ عِنْدِي وَ شَدِيدِ عَادَةٍ مُنْتَزَعَةٍ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا عِنْدِي تَعَلَّلُوا الْأَعَالِيلَ. ثُمَّ الْتَفَتَ (عليه السلام) إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَ لَيْسَ كَذَلِكَ؟. فَقَالُوا: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · نادر

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.