وَ قَدْ رَوَى الْبَلَاذُرِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الزُّبَيْرَ حِينَ وَلَّى وَ لَمْ يَكُنْ بَسَطَ يَدَهُ بِسَيْفٍ اعْتَرَضَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِالرُّمْحِ وَ قَالَ أَيْنَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَ اللَّهِ مَا كُنْتَ بِجَبَانٍ وَ لَكِنِّي أَحْسَبُكَ شَكَكْتَ قَالَ هُوَ ذَاكَ وَ مَضَى حَتَّى نَزَلَ بِوَادِي السِّبَاعِ فَقَتَلَهُ ابْنُ جُرْمُوزٍ. و اعترافه بالشك يدل على خلاف التوبة لأنه لو كان تائبا لقال له في الجواب ما شككت بل تحققت أنك و صاحبك على الحق و أنا على الباطل و قد ندمت على ما كان مني و أي توبة لشاك غير متحقق. فهذه الأخبار و ما شاكلها تعارض أخبارهم لو كان لها ظاهر يشهد بالتوبة و إذا تعارضت الأخبار في التوبة و الإصرار سقط الجميع و تمسكنا بما كنا عليه من أحكام فسقهم و عظيم ذنبهم. و ليس لهم أن يقولوا إن كل ما رويتموه من طريق الآحاد و ذلك أن جميع أخبارهم بهذه المثابة و كثير مما رويناه أظهر مما رووه و أفشى فإن كان من طريق الآحاد فالأمران سيان. و أما توبة طلحة فالأمر فيها أضيق على المخالف من الكلام في توبة الزبير لأن طلحة قتل بين الصفين و هو مباشر للحرب مجتهد فيها و لم يرجع عنها حتى أصابه السهم فأتى على نفسه. و ادعاء توبة مثل هذا مكابرة. فإن قيل أ ليس - قد روي أن أمير المؤمنين لما جاءه ابن جرموز برأس الزبير قال بشر قاتل ابن صفية بالنار. فلو لم يكن تائبا لما استحق النار بقتله. قيل لهم إن ابن جرموز غدر بالزبير و قتله بعد أن أعطاه الأمان و كان قتله على وجه الغيلة و المكر و هذه منه معصية لا شبهة فيها و قد تظاهر الخبر بما ذكرناه حتى روي أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل و كانت تحت عبد الله بن أبي بكر فخلف عليها عمر ثم الزبير قالت في ذلك غدر ابن جرموز بفارس بهمة. يوم اللقاء و كان غير معرد. يا عمرو لو نبهته لوجدته. لا طائشا رعش اللسان و لا اليد. فإنما استحق ابن جرموز النار بقتله إياه غدرا لا لأن المقتول في الجنة. و هذا الجواب يتضمن الكلام على قولهم إن بشارته بالنار مع الإضافة إلى قتل الزبير يدل على أنه إنما استحق النار بقتله لأنا قد بينا في الحوأب أنه من حيث قتله غدرا استحق النار. و قد قيل في هذا الخبر إن ابن جرموز كان من جملة الخوارج الخارجين على أمير المؤمنين(عليه السلام)في النهروان و إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كان أخبره بحالهم و دله على جماعة منهم بأعيانهم و أوصافهم فلما جاءه برأس الزبير أشفق أمير المؤمنين من أن يظن به لعظيم ما فعله الخير و يقطع له على سلامة العاقبة و يكون قتله الزبير شبهة فيما يصير إليه من الخارجية قطع عليه بالنار لتزول الشبهة في أمره و ليعلم أن هذا الفعل الذي فعله لا يساوي شيئا مع ما يرتكبه في المستقبل. و جرى ذلك مجرى - شهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل من الأنصار يقال له قزمان أبلي في يوم أحد بلاء شديدا و قتل بيده جماعة فبشره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنار فعجب من ذلك السامعون حتى كشفوا عن أمره فوجدوا أنه لما حمل جريحا إلى منزله و وجد ألم الجراح قتل نفسه بمشقص.. و إنما شهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنار عليه عقيب بلائه للوجه الذي ذكرناه. و الذي يدل على أن بشارته بالنار لم تكن لكون الزبير تائبا مقلعا بل لبعض ما ذكرناه هو أنه لو كان الأمر كما ادعوه لأقاده أمير المؤمنين(عليه السلام)به و لما طل دمه و في عدوله(عليه السلام)من ذلك دلالة على ما ذكرناه. فأما طلحة فقد بينا أنه تضيق إقامة العذر له لأنه قتل في المعركة في حال التوبة فيها بعيدة و ظاهر الحال الإصرار. و ليس لأحد أن يقول إنه روي عنه أنه قال بعد ما أصابه السهم ندمت ندامة الكسعي لما رأت عيناه ما صنعت يداه. لأن هذا بعيد من الصواب و البيت المروي بأن يدل على خلاف التوبة أولى لأنه جعل ندامته مثل ندامة الكسعي و خبر الكسعي معروف لأنه ندم بحيث لا ينفعه الندم و حيث فاته الأمر و خرج عن يده و لو كان ندم طلحة واقعا على وجه التوبة الصحيحة لم يكن مثل ندامة الكسعي بل كان شبيها لندامة من تلافى ما فرط فيه على وجه ينتفع به.
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · باب حكم من حارب عليا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)