الأقسامبحار الأنواركتاب الفتن و المحن
بحار الأنوار

وَ رَوَى حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ عَنْ يُوسُفَ الْبَزَّازِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ: مَرَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِطَلْحَةَ وَ هُوَ صَرِيعٌ فَقَالَ أَقْعِدُوهُ فَأَقْعَدُوهُ فَقَالَ لَقَدْ كَانَتْ لَكَ سَابِقَةٌ لَكِنْ دَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي مَنْخِرَيْكَ فَأَدْخَلَكَ النَّارَ. ثُمَّ رَوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ عَنْ صَبَّاحٍ الْمُزَنِيِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَوْلَى قُرَيْشٍ أَنَّ عَلِيّاً(عليه السلام)مَرَّ بِطَلْحَةَ قَتِيلًا يَوْمَ الْجَمَلِ و ساق الحديث في التكلم معه و مع كعب بن سور مثل ما مر. ثم قال رحمه الله بعد إيراد أسئلة و أجوبة تركناها حذرا من الإطناب فإن قيل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشرة من أصحابي في الجنة يدل على أنهما تابا لأنهما من جملتهم بلا شك. قيل لهم قد بينا فيما تقدم الكلام على بطلان هذا الخبر حيث تعلقوا به في فضائل أبي بكر و قلنا إنه لا يجوز أن يعلم الله مكلفا ليس بمعصوم من الذنوب بأن عاقبته الجنة لأن ذلك يغريه بالقبيح و ليس يمكن أحدا ادعاء عصمة التسعة و لو لم يكن إلا ما وقع من طلحة و الزبير من الكبيرة لكفى. و قد ذكرنا أن هذا الخبر لو كان صحيحا لاحتج به أبو بكر لنفسه و احتج له به في يوم السقيفة و غيرها و كذلك عمر و عثمان. و مما يبين أيضا بطلانه إمساك طلحة و الزبير عن الاحتجاج به لما دعوا الناس إلى نصرتهما و استنفارهم إلى الحرب معهما و أي فضيلة أعظم و أفخم من الشهادة لهما بالجنة و كيف يعدلان مع العلم و الحاجة عن ذكره إلا لأنه باطل. و يمكن أن يسلم مسلم هذا الخبر و يحمله على الاستحقاق في الحال لا العاقبة فكأنه أراد أنهم يدخلون الجنة إن وافوا بما هم عليه الآن و يكون الفائدة في الخبر إعلامنا بأنهم يستحقون الثواب في الحال. و أما الكلام في توبة عائشة فما بيناه من الطرق الثلاث في توبة طلحة و الزبير هي معتمدة فيما يدعونه من توبة عائشة. أولها أن جميع ما يروونه من الأخبار لا يمكن ادعاء العلم فيها و لا القطع على صحتها و أحسن الأحوال فيها أن يوجب الظن و قد بينا أن المعلوم لا يرجع عنه بالمظنون. و الثاني أنها معارضة بأخبار تزيد على ما رووه في القوة أو تساويه. فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي عَلِيٌّ(عليه السلام)إِلَى عَائِشَةَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ وَ هِيَ فِي دَارِ الْخُزَاعِيِّينَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى بِلَادِهَا. و ساق الحديث نحوا مما مر برواية الكشي إلى قوله فبكت مرة أخرى أشد من بكائها الأول ثم قالت و الله لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن. ثم ساق الحديث إلى آخره ثم قال فإن قيل ففي هذا الخبر دليل على التوبة و هي قولها عقيب بكائها لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن. قلنا قد كشف الأمر ما عقبت هذا الكلام به من اعترافها ببغض أمير المؤمنين(عليه السلام)و بغض أصحابه المؤمنين و قد أوجب الله عليها محبتهم و تعظيمهم و هذا دليل على الإصرار و أن بكائها إنما كان للخيبة لا للتوبة و ما كان في قولها لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن من دليل التوبة و قد يقول المصرّ مثل ذلك إذا كان عارفا بخطائه فيما ارتكبه و ليس كل من ارتكب ذنبا يعتقد أنه حسن حتى لا يكون خائفا من العقاب عليه و أكثر مرتكبي الذنوب يخافون العقاب مع الإصرار و يظهر منهم مثل ما حكي عن عائشة و لا يكون توبة. وَ رَوَى الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَمَّاراً رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ اسْتَأْذَنَ عَلَى عَائِشَةَ بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ فَأَذِنَتْ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ يَا أُمَّهْ كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ حِينَ جَمَعَ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ أَ لَمْ يُظْهِرِ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى الْبَاطِلِ وَ يُزْهِقِ الْبَاطِلَ فَقَالَتْ إِنَّ الْحُرُوبَ دُوَلٌ وَ سِجَالٌ وَ قَدْ أُدِيلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ لَكِنِ انْظُرْ يَا عَمَّارُ كَيْفَ تَكُونُ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِكَ. وَ رَوَى الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى عَائِشَةَ قَتْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)قَالَتْ فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَ اسْتَقَرَّتْ بِهَا النَّوَى كَمَا قَرَّ عَيْناً بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ- فَمَنْ قَتَلَهُ فَقِيلَ رَجُلٌ مِنْ مُرَادٍ فَقَالَتْ فَإِنْ يَكُ نَائِياً فَلَقَدْ نَعَاهُ نَعْيٌ لَيْسَ فِي فِيهِ التُّرَابُ فَقَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ أَ لِعَلِيٍّ تَقُولِينَ هَذَا فَقَالَتْ إِنِّي أَنْسَى فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي. و هذه سخرية منها بزينب و تمويه خوفا من شناعتها و معلوم أن الناسي و الساهي لا يتمثل بالشعر في الأغراض المطابقة و لم يكن ذلك منها إلا عن قصد و معرفة.

بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · باب حكم من حارب عليا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.