قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ مُوَافِقاً لِمَا وَجَدْتُهُ فِي أَصْلِ كِتَابِ صِفِّينَ لِنَصْرِ بْنِ الْمُزَاحِمِ لَمَّا مَلَكَ عَلِيٌّ(عليه السلام)الْمَاءَ بِصِفِّينَ ثُمَّ سَمَحَ لِأَهْلِ الشَّامِ بِالْمُشَارَكَةِ فِيهِ وَ الْمُسَاهَمَةِ اسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِمْ مَكَثَ أَيَّاماً لَا يُرْسِلُ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَحَداً وَ لَا يَأْتِيهِ مِنْ عِنْدِ مُعَاوِيَةَ أَحَدٌ وَ اسْتَبْطَأَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إِذْنَهُ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ وَ قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَلَّفْنَا ذَرَارِيَّنَا وَ نِسَاءَنَا بِالْكُوفَةِ ائْذَنْ لَنَا فِي قِتَالِ الْقَوْمِ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ قَالُوا قَالَ عَلِيٌّ(عليه السلام)مَا قَالُوا؟ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ إِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّكَ تَكْرَهُ الْحَرْبَ كَرَاهِيَةً لِلْمَوْتِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّكَ فِي شَكٍّ فِي قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ(عليه السلام)وَ مَتَى كُنْتُ كَارِهاً لِلْحَرْبِ قَطُّ إِنَّ مِنَ الْعَجَبِ حُبِّي لَهَا غُلَاماً وَ يَفَعاً وَ كَرَاهِيَتِي لَهَا شَيْخاً بَعْدَ نَفَادِ الْعُمُرِ وَ قُرْبِ الْوَقْتِ وَ أَمَّا شَكِّي فِي الْقَوْمِ فَلَوْ شَكَكْتُ فِيهِمْ لَشَكَكْتُ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ ضَرَبْتُ هَذَا الْأَمْرَ ظَهْراً وَ بَطْناً فَمَا وَجَدْتُ يَسَعُنِي إِلَّا الْقِتَالُ أَوْ أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَكِنِّي أَسْتَأْنِي بِالْقَوْمِ عَسَى أَنْ يَهْتَدُوا أَوْ يَهْتَدِيَ فِيهِمْ طَائِفَةٌ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ لِي يَوْمَ الْخَيْبَرِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَالَ نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ فَبَعَثَ عَلِيٌّ(عليه السلام)إِلَى مُعَاوِيَةَ بِشْرَ بْنَ عَمْرٍو وَ سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ وَ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ فَقَالَ ائْتُوا هَذَا الرَّجُلَ فَادْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَ الْجَمَاعَةِ وَ إِلَى اتِّبَاعِ أَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَقَالَ شَبَثٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ لَا نُطْمِعُهُ فِي سُلْطَانٍ تُوَلِّيهِ إِيَّاهُ وَ مَنْزِلَةٍ يَكُونُ لَهُ بِهَا أَثَرَةٌ عِنْدَكَ إِنْ هُوَ بَايَعَكَ قَالَ ائْتُوهُ الْآنَ وَ الْقَوْهُ وَ احْتَجُّوا عَلَيْهِ وَ انْظُرُوا مَا رَأْيُهُ فِي هَذَا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَابْتَدَأَ بِشْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مِحْصَنٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ أَمَّا بَعْدُ يَا مُعَاوِيَةُ فَإِنَّ الدُّنْيَا عَنْكَ زَائِلَةٌ وَ إِنَّكَ رَاجِعٌ إِلَى الْآخِرَةِ وَ إِنَّ اللَّهَ مُجَازِيكَ بِعَمَلِكَ وَ مُحَاسِبُكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَ إِنَّنِي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تُفَرِّقَ جَمَاعَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ أَنْ تَسْفِكَ دِمَاءَهَا بَيْنَهَا فَقَطَعَ مُعَاوِيَةُ عَلَيْهِ الْكَلَامَ فَقَالَ فَهَلَّا أَوْصَيْتَ صَاحِبَكَ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ صَاحِبِي لَا يُوصَى إِنَّ صَاحِبِي لَيْسَ مِثْلَكَ صَاحِبِي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ فِي الْفَضْلِ وَ الدِّينِ وَ السَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَ الْقَرَابَةِ مِنَ الرَّسُولِ قَالَ مُعَاوِيَةُ فَتَقُولُ مَا ذَا قَالَ أَدْعُوكَ إِلَى تَقْوَى رَبِّكَ وَ إِجَابَةِ ابْنِ عَمِّكَ إِلَى مَا يَدْعُوكَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ فَإِنَّهُ أَسْلَمُ لَكَ فِي دِينِكَ وَ خَيْرٌ لَكَ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِكَ قَالَ وَ يُطَلُّ دَمُ عُثْمَانَ لَا وَ الرَّحْمَنِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ أَبَداً فَذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ لِيَتَكَلَّمَ فَبَدَرَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاوِيَةُ قَدْ فَهِمْتُ مَا رَدَدْتَ عَلَى ابْنِ مِحْصَنٍ إِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا مَا تَطْلُبُ إِنَّكَ لَا تَجِدُ شَيْئاً تَسْتَغْوِي بِهِ النَّاسَ وَ تَسْتَمِيلُ بِهِ أَهْوَاءَهُمْ إِلَّا أَنْ قُلْتَ لَهُمْ قُتِلَ إِمَامُكُمْ مَظْلُوماً فَهَلُمُّوا نَطْلُبْ بِدَمِهِ فَاسْتَجَابَ لَكَ سَفِلَةٌ طَغَامٌ رُذَالٌ وَ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ أَبْطَأْتَ عَنْهُ بِالنَّصْرِ وَ أَحْبَبْتَ لَهُ الْقَتْلَ لِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي تَطْلُبُ وَ رُبَّ مبتغي [مُبْتَغٍ أَمْراً وَ طَالِبٍ لَهُ يَحُولُ اللَّهُ دُونَهُ وَ رُبَّمَا أُوتِيَ الْمُتَمَنِّي أُمْنِيَّتَهُ وَ رُبَّمَا لَمْ يُؤْتَهَا وَ وَ اللَّهِ مَا لَكَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَيْرٌ وَ اللَّهِ إِنْ أَخْطَأَكَ مَا تَرْجُو إِنَّكَ لَشَرُّ الْعَرَبِ حَالًا وَ لَئِنْ أَصَبْتَ مَا تَتَمَنَّاهُ لَا تُصِيبُهُ حَتَّى تَسْتَحِقَّ صَلَى النَّارِ فَاتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ وَ دَعْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَ لَا تُنَازِعِ الْأَمْرَ أَهْلَهُ فَحَمِدَ مُعَاوِيَةُ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَوَّلَ مَا عَرَفْتُ بِهِ سَفَهَكَ وَ خِفَّةَ حِلْمِكَ قَطْعُكَ عَلَى هَذَا الْحَسِيبِ الشَّرِيفِ سَيِّدِ قَوْمِهِ مَنْطِقَهُ ثُمَّ عَنَّفْتَ بَعْدُ فِيمَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ وَ لَقَدْ كَذَبْتَ وَ لَوَّمْتَ أَيُّهَا الْأَعْرَابِيُّ الْجِلْفُ الْجَافِي فِي كُلِّ مَا وَصَفْتَ انْصَرِفُوا مِنْ عِنْدِي فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ إِلَّا السَّيْفُ وَ غَضِبَ فَخَرَجَ الْقَوْمُ وَ شَبَثٌ يَقُولُ أَ عَلَيْنَا تُهَوِّلُ بِالسَّيْفِ أَمَا وَ اللَّهِ لَنُعَجِّلَنَّهُ إِلَيْكَ قَالَ نَصْرٌ وَ خَرَجَ قُرَّاءُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ قُرَّاءُ أَهْلِ الشَّامِ فَعَسْكَرُوا فِي نَاحِيَةِ صِفِّينَ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفاً قَالَ وَ عَسْكَرُ عَلِيٍّ(عليه السلام)عَلَى الْمَاءِ وَ عَسْكَرُ مُعَاوِيَةَ فَوْقَهُ عَلَى الْمَاءِ أَيْضاً وَ مَشَتِ الْقُرَّاءُ بَيْنَ عَلِيٍّ(عليه السلام)وَ مُعَاوِيَةَ مِنْهُمْ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَ عَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الْقَيْسِ فَدَخَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالُوا يَا مُعَاوِيَةُ مَا الَّذِي تَطْلُبُ قَالَ أَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ قَالُوا مِمَّنْ تَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ قَالَ أَطْلُبُهُ مِنْ عَلِيٍّ قَالُوا أَ وَ عَلِيٌّ قَتَلَهُ قَالَ نَعَمْ هُوَ قَتَلَهُ وَ آوَى قَتَلَتَهُ فَانْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِهِ فَدَخَلُوا عَلَى عَلِيٍّ(عليه السلام)وَ قَالُوا إِنَّ مُعَاوِيَةَ زَعَمَ أَنَّكَ قَتَلْتَ عُثْمَانَ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَذَبَ عَلَيَّ لَمْ أَقْتُلْهُ فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَتَلَهُ بِيَدِهِ فَقَدْ أَمَرَ وَ مَالَأَ فَرَجَعُوا إِلَيْهِ(عليه السلام)وَ قَالُوا يَزْعُمُ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ قَتَلْتَ بِيَدِكَ فَقَدْ أَمَرْتَ وَ مَالَأْتَ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَذَبَ فِيمَا قَالَ فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالُوا إِنَّ عَلِيّاً يَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ إِنْ كَانَ صَادِقاً فَلْيُقِدْنَا مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ فَإِنَّهُمْ فِي عَسْكَرِهِ وَ جُنْدِهِ وَ أَصْحَابُهُ وَ عَضُدُهُ فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ(عليه السلام)فَقَالُوا إِنَّ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَادْفَعْ إِلَيْنَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ أَوْ مَكِّنَّا مِنْهُمْ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ الْقَوْمَ تَأَوَّلُوا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ وَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ وَ قَتَلُوهُ فِي سُلْطَانِهِ وَ لَيْسَ عَلَى ضَرْبِهِمْ قَوَدٌ فَخَصَمَ عَلِيٌّ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُمْ مُعَاوِيَةُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ فَلِمَ ابْتَزَّ الْأَمْرَ دُونَنَا عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَّا وَ لَا مِمَّنْ هَاهُنَا مَعَنَا فَقَالَ عَلِيٌّ(عليه السلام)إِنَّ النَّاسَ تَبَعُ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ هُمْ شُهُودٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْبِلَادِ عَلَى وُلَاتِهِمْ وَ أُمَرَاءِ دِينِهِمْ فَرَضُوا بِي وَ بَايَعُونِي وَ لَسْتُ أَسْتَحِلُّ أَنْ أَدَعَ ضَرْبَ مُعَاوِيَةَ يَحْكُمُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ يَرْكَبُهُمْ وَ يَشُقُّ عَصَاهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ فَمَا بَالُ مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ لَمْ يَدْخُلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ فَانْصَرَفُوا إِلَيْهِ(عليه السلام)فَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِهِ: فَقَالَ: وَيْحَكُمْ هَذَا لِلْبَدْرِيِّينَ دُونَ الصَّحَابَةِ وَ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ بَدْرِيٌّ إِلَّا وَ قَدْ بَايَعَنِي وَ هُوَ مَعِي أَوْ قَدْ أَقَامَ وَ رَضِيَ فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مُعَاوِيَةُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ دِينِكُمْ قال نصر: فتراسلوا بذلك ثلاثة أشهر ربيع الآخر و جماديين و هم مع ذلك يفزعون الفزعة فيما بينها و يزحف بعضهم إلى بعض و يحجز القراء بينهم قال ففزعوا في ثلاثة أشهر خمسا و ثلاثين فزعة يزحف بعضهم إلى بعض و يحجز القراء بينهم قَالَ نَصْرٌ وَ خَرَجَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ وَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَدَخَلَا عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالا يَا مُعَاوِيَةُ عَلَامَ تُقَاتِلُ هَذَا الرَّجُلَ فَوَ اللَّهِ لَهُوَ أَقْدَمُ مِنْكَ سِلْماً وَ أَحَقُّ مِنْكَ بِهَذَا الْأَمْرِ وَ أَقْرَبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَعَلَامَ تُقَاتِلُهُ قَالَ أُقَاتِلُهُ عَلَى دَمِ عُثْمَانَ فَإِنَّهُ آوَى قَتَلَتَهُ فَقُولُوا لَهُ فَلْيُقِدْنَا مِنْ قَتَلَتِهِ وَ أَنَا أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَانْطَلَقُوا إِلَى عَلِيٍّ(عليه السلام)فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ إِنَّمَا يَطْلُبُ الَّذِينَ تَرَوْنَ فَخَرَجَ عِشْرُونَ أَلْفاً وَ أَكْثَرُ مُتَسَرْبِلِينَ فِي الْحَدِيدِ لَا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الْحَدَقُ فَقَالُوا كُلُّنَا قَتَلَهُ فَإِنْ شَاءُوا فَلْيَرُومُوا ذَلِكَ مِنَّا فَرَجَعَ أَبُو أُمَامَةَ وَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَلَمْ يَشْهَدَا شَيْئاً مِنَ الْقِتَالِ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي رَجَبٍ وَ خَشِيَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُبَايِعَ الْقُرَّاءُ عَلِيّاً(عليه السلام)جَدَّ فِي الْمَكْرِ وَ كَتَبَ فِي سَهْمٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِحِ أَنِّي أُخْبِرُكُمْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ يُرِيدُ أَنْ يَفْجُرَ عَلَيْكُمُ الْفُرَاتَ فَيُغْرِقَكُم فَخُذُوا حِذْرَكُمْ ثُمَّ رَمَى السَّهْمَ فِي عَسْكَرِ عَلِيٍّ(عليه السلام)فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي يَدِ رَجُلٍ فَقَرَأَهُ ثُمَّ أَقْرَأَ صَاحِبَهُ فَلَمَّا قَرَأَهُ مَنْ أَقْبَلَ وَ أَدْبَرَ قَالُوا هَذَا أَخٌ لَنَا نَاصِحٌ كَتَبَ إِلَيْكُمْ يُخْبِرُكُمْ بِمَا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ فَلَمْ يَزَلِ السَّهْمُ يُقْرَأُ وَ يُرْتَفَعُ حَتَّى رُفِعَ إِلَى عَلِيٍّ(عليه السلام)وَ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ فَأَتَى رِجَالٌ مِنَ الْعَمَلَةِ إِلَى عَاقُولٍ مِنَ النَّهَرِ بِأَيْدِيهِمُ الْمُرُورُ وَ الزُّبُلُ يَحْفِرُونَ فِيهَا بِحِيَالِ عَسْكَرِ عَلِيٍّ(عليه السلام)فَقَالَ(عليه السلام)وَيْحَكُمْ إِنَّ الَّذِي يُعَالِجُ مُعَاوِيَةُ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ وَ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُزِيلَكُمْ عَنِ مَكَانِكُمْ فَانْتَهُوا عَنِ ذَلِكَ وَ دَعُوهُ فَقَالُوا لَهُ هُمْ وَ اللَّهِ يَحْفِرُونَ وَ اللَّهِ لَنَرْتَحِلَنَّ وَ إِنْ شِئْتَ فَأَقِمْ فَارْتَحَلُوا وَ صَعِدُوا بِعَسْكَرِهِمْ مَلِيّاً وَ ارْتَحَلَ عَلِيٌّ(عليه السلام)فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ وَ هُوَ يَقُولُ فَلَوْ أَنِّي أُطِعْتُ عَصَبْتُ قُومِي إِلَى رُكْنِ الْيَمَامَةِ أَوْ شَمَامٍ- وَ لَكِنِّي مَتَى أَبْرَمْتُ أَمْراً مُنِيتُ بِخُلْفِ آرَاءِ الطَّغَامِ قَالَ فَارْتَحَلَ مُعَاوِيَةُ حَتَّى نَزَلَ بِمُعَسْكَرِ عَلِيٍّ(عليه السلام)الَّذِي كَانَ فِيهِ: فَدَعَا عَلِيٌّ(عليه السلام)الْأَشْتَرَ فَقَالَ: أَ لَمْ تَغْلِبْنِي عَلَى رَأْيِي أَنْتَ وَ الْأَشْعَثُ بِرَأْيِكُمَا فَقَالَ الْأَشْعَثُ أَنَا أَكْفِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَأُدَاوِي مَا أَفْسَدْتُ الْيَوْمَ مِنْ ذَلِكَ فَجَمَعَ كِنْدَةَ فَقَالَ لَهُمْ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ لَا تَفْضَحُونِي الْيَوْمَ وَ لَا تُخْزُونِي فَإِنَّمَا أَنَا أُقَارِعُ بِكُمْ أَهْلَ الشَّامِ فَخَرَجُوا مَعَهُ رَجَّالَةٌ يَمْشُونَ وَ بِيَدِهِ رُمْحٌ لَهُ يُلْقِيهِ عَلَى الْأَرْضِ وَ يَقُولُ امْشُوا قِيسَ رُمْحِي هَذَا فَيَمْشُونَ فَلَمْ يَزَلْ يَقِيسُ لَهُمُ الْأَرْضَ بِرُمْحِهِ وَ يَمْشُونَ مَعَهُ حَتَّى أَتَى مُعَاوِيَةَ وَسَطَ بَنِي سُلَيْمٍ وَاقِفاً عَلَى الْمَاءِ وَ قَدْ جَاءَهُ أَدَانِي عَسْكَرِهِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيداً عَلَى الْمَاءِ سَاعَةً وَ انْتَهَى أَوَائِلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَنَزَلُوا وَ أَقْبَلَ الْأَشْتَرُ فِي جُنْدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَحَمَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَ الْأَشْعَثُ يُحَارِبُ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى فَانْحَازَ مُعَاوِيَةُ فِي بَنِي سُلَيْمٍ فَرَدُّوا وُجُوهَ إِبِلِهِ قَدْرَ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ ثُمَّ نَزَلَ وَ وَضَعَ أَهْلُ الشَّامِ أَثْقَالَهُمْ وَ الْأَشْعَثُ يَهْدِرُ وَ يَقُولُ أَرْضَيْتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَالَ الْأَشْتَرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ غَلَبَ اللَّهُ لَكَ عَلَى الْمَاءِ قال نصر: و كان كل واحد من علي و معاوية يخرج الرجل الشريف في جماعة و يقاتل مثله و كانوا يكرهون أن يزاحفوا بجميع الفيلق مخافة الاستيصال و الهلاك فاقتتل الناس ذا الحجة كله فلما انقضى تداعوا إلى أن يكف بعضهم عن بعض إلى أن ينقضي المحرم لعل الله أن يجري صلحا أو اجتماعا فكف الناس في المحرم بعضهم عن بعض- قال نصر حدثنا عمر بن سعد عن أبي المجاهد عن المحل بن خليفة قال لما توادعوا في المحرم اختلف الرسل فيما بين الرجلين رجاء الصلح فأرسل علي(عليه السلام)إلى معاوية عدي بن حاتم و شبث بن ربعي و يزيد بن قيس و زياد بن خصفة فلما دخلوا عليه حمد الله تعالى عدي بن حاتم و أثنى عليه و قال أما بعد فقد أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا و أمتنا و يحقن دماء المسلمين ندعوك إلى أفضل الناس سابقة و أحسنهم في الإسلام آثارا و قد اجتمع له الناس و قد أرشدهم الله بالذي رأوا و أتوا فلم يبق أحد غيرك و غير من معك فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله و أصحابك بمثل يوم الجمل فقال له معاوية كأنك إنما جئت متهددا و لم تأت مصلحا هيهات يا عدي إني لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان أما و الله إنك من المجلبين على عثمان و إنك لمن قتلته و إني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله فقال له شبث بن ربعي و زياد بن خصفة و تنازعا كلاما واحدا أتيناك فيما يصلحنا و إياك فأقبلت تضرب لنا الأمثال دع ما لا ينفع من القول و الفعل و أجبنا فيما يعمنا و إياك نفعه و تكلم يزيد بن قيس فقال إنا لم نأتك إلا لنبلغك الذي بعثنا به إليك و لنؤدي عنك ما سمعنا منك و لم ندع أن ننصح لك و أن نذكر ما ظننا أن فيه عليك حجة أو أنه راجع بك إلى الأمة و الجماعة إن صاحبنا من قد عرفت و عرف المسلمون فضله و لا أظنه يخفى عليك إن أهل الدين و الفضل لا يعدلونك بعلي و لا يساوون بينك و بينه فاتق الله يا معاوية و لا تخالف عليا فإنا و الله ما رأينا رجلا قط أعلم بالتقوى و لا أزهد في الدنيا و لا أجمع لخصال الخير كلها منه فحمد معاوية الله و أثنى عليه و قال أما بعد فإنكم دعوتم إلى الجماعة و الطاعة فأما التي دعوتهم إليها فنعما هي و أما الطاعة لصاحبكم فإنه لا نرضى به إن صاحبكم قتل خليفتنا و فرق جماعتنا و آوى ثارنا و قتلتنا و صاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد ذلك عليه أ رأيتم قتلة صاحبنا أ لستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم فليدفعهم إلينا فلنقتلنهم به و نحن نجيبكم إلى الطاعة و الجماعة فقال له شبث أ يسرك يا معاوية إن أمكنت من عمار بن ياسر فقتلته قال و ما يمنعني من ذلك و الله لو أمكنني صاحبكم من ابن سمية ما أقتله بعثمان و لكن كنت أقتله بنائل مولى عثمان فقال شبث و إله السماء ما عدلت معدلا و لا و الذي لا إله إلا هو لا تصل إلى قتل ابن ياسر حتى تندر الهام عن كواهل الرجال و تضيق الأرض الفضاء عليك برحبها فقال معاوية إذا كان ذلك كانت عليك أضيق ثم رجع القوم عن معاوية فبعث إلى زياد بن خصفة من بينهم فأدخل عليه فحمد معاوية الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد يا أخا ربيعة فإن عليا قطع أرحامنا و قتل إمامنا و آوى قتلة صاحبنا و إني أسألك النصرة عليه بأسرتك و عشيرتك و لك على عهد الله و ميثاقه إذا ظهرت أن أوليك أي المصرين أحببت قال زياد فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله و أثنيت عليه ثم قلت أما بعد فإني لعلى بينة من ربي و بما أنعم الله علي فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ثم قمت فقال معاوية لعمرو بن العاص و كان إلى جانبه ما لهم عضبهم الله ما قلبهم إلا قلب رجل واحد قال نصر و بعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري إلى علي(عليه السلام)و بعث معه شرحبيل بن السمط و معن بن يزيد فدخلوا عليه(عليه السلام)فتكلم حبيب و حمد الله و أثنى عليه و قال أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله و ينيب إلى أمر الله فاستثقلتم حياته و استبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتلة عثمان لنقتلهم به فإن قلت إنك لم تقتله فاعتزل أمر الناس فيكون أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم فقال له علي عليه السلام: و من أنت لا أم لك و الولاية و العزل و الدخول في هذا الأمر اسكت فإنك لست هناك و لا بأهل لذاك فقام حبيب بن مسلمة و قال و الله لتريني حيث تكره فقال له علي(عليه السلام)و ما أنت و لو أجلبت بخيلك و رجلك اذهب فصوب و صعد ما بدا لك فلا أبقى الله عليك إن أبقيت فقال شرحبيل بن السمط إن كلمتك فلعمري ما كلامي لك إلا نحو كلام صاحبي فهل عندك جواب غير الذي أجبته قال نعم قال فقله فحمد الله علي(عليه السلام)و أثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فأنقذ به من الضلالة و نعش به من الهلكة و جمع به بعد الفرقة ثم قبضه الله إليه و قد أدى ما عليه فاستخلف الناس أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر فأحسنا السيرة و عدلا في الأمة و قد وجدنا عليهما أن توليا الأمر دوننا و نحن آل الرسول و أحق بالأمر فغفرنا ذلك لهما ثم ولي أمر الناس عثمان فعمل بأشياء عابها الناس عليه فسار إليه ناس فقتلوه ثم أتاني الناس و أنا معتزل أمرهم فقالوا لي بايع فأبيت عليهم فقالوا لي بايع فإن الأمة لن ترضى إلا بك و إنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس فبايعتهم فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني و خلاف معاوية إياي الذي لم يجعل الله له سابقة في الدين و لا سلف صدق في الإسلام طليق ابن طليق و حزب من الأحزاب لم يزل لله و لرسوله عدوا هو و أبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين مكرهين فيا عجبا لكم و لانقيادكم له و تدعون آل نبيكم الذي لا ينبغي لكم شقاقهم و لا خلافهم و لا أن تعدلوا بهم أحدا من الناس إني أدعوكم إلى كتاب الله عز و جل و سنة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم و إماتة الباطل و إحياء معالم الدين أقول قولي هذا و أستغفر الله لنا و لكل مؤمن و مؤمنة و مسلم و مسلمة فقال له شرحبيل و معن بن يزيد أ تشهد أن عثمان قتل مظلوما فقال لهما إني لا أقول ذلك قالا فمن لا يشهد أن عثمان قتل مظلوما فنحن برآء منه ثم قاما فانصرفا فقال علي(عليه السلام)إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَ ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ثم أقبل على أصحابه فقال لا يكن هؤلاء في ضلالتهم بأولى بالجد منكم في حقكم و طاعة إمامكم ثم مكث الناس متوادعين إلى انسلاخ المحرم فلما انسلخ شهر المحرم و استقبل الناس صفر من سنة سبع و ثلاثين من هجرة النبي بعث علي(عليه السلام)نفرا من أصحابه حتى إذا كانوا من عسكر معاوية حيث يسمعونهم الصوت قام يزيد بن الحارث فنادى عند غروب الشمس يا أهل الشام إن أمير المؤمنين عليا(عليه السلام)و أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولون لكم إنا و الله لم نكف عنكم شكا في أمركم و لا بقيا عليكم و إنما كففنا عنكم لخروج المحرم و قد انسلخ و إنا قد نبذنا إليكم على سواء ف إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ قال فسار الناس إلى رؤسائهم و أمرائهم 395 قال نصر: و أما- رواية عمرو بن شمر عن جابر عن أبي الزبير أن نداء ابن مرثد الخثعمي كانت صورته يا أهل الشام ألا إن أمير المؤمنين(عليه السلام)يقول لكم إني قد استأنيت بكم لتراجعوا الحق و تنيبوا إليه و احتججت عليكم بكتاب الله و دعوتكم إليه فلم تتناهوا عن طغيان و لم تجيبوا إلى حق فإني قد نبذت إليكم عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ قال فسار الناس إلى رؤسائهم و خرج معاوية و عمرو بن العاص يكتبان الكتائب و يعبئان العساكر و أوقدوا النيران و جاءوا بالشموع و بات علي(عليه السلام)ليلته تلك كلها يعبئ الناس و يكتب الكتائب و يدور في الناس و يحرضهم قال نصر فخرجوا أول يوم من صفر سنة سبع و ثلاثين و هو يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار ثم تراجعوا و قد انتصف بعضهم من بعض ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل و رجال حسن عددها و عدتها فخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي فاقتتلوا يومهم ذلك تحمل الخيل على الخيل و الرجال على الرجال ثم انصرفوا و قد صبر القوم بعضهم لبعض و خرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر و خرج إليه عمرو بن العاص فاقتتل الناس كأشد قتال كان و جعل عمار يقول يا أهل الإسلام أ تريدون أن تنظروا إلى من عادى الله و رسوله و جاهدهما و بغى على المسلمين و ظاهر المشركين فلما أراد الله أن يظهر دينه و ينصر رسوله أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم و هو و الله فيما يرى راهب غير راغب ثم قبض الله رسوله و إنا و الله لنعرفه بعداوة المسلم و مودة المجرم ألا و إنه معاوية فقاتلوه و العنوة فإنه ممن يطفي نور الله و يظاهر أعداء الله قال و كان مع عمار زياد بن النضر على الخيل فأمره أن يحمل في الخيل فحمل فصبروا له و شد عمار في الرجالة فأزال عمرو بن العاص عن موقفه و رجع الناس يومهم ذلك.
بحار الأنوار — كتاب الفتن و المحن · باب جمل ما وقع بصفين من المحاربات و الاحتجاجات إلى التحكيم