و روى الواقدي بإسناد له أن رسول الله لما كثر أصحابه فظهر أمره- اشتد ذلك على قريش و أنكر بعضهم على بعض- و قالوا قد أفسد محمد بسحره سفلتنا- و أخرجهم عن ديننا- فلتأخذ كل قبيلة من فيها من المسلمين- فيأخذ الأخ أخاه و ابن العم ابن عمه- فيشده و يوثقه كتافا و يضربه و يخوفه و هم لا يرجعون- فأنزل الله أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها- فخرج جماعة من المسلمين إلى الحبشة- يقدمهم جعفر بن أبي طالب- فنزلوا على النجاشي ملك الحبشة- فأقاموا عنده في كرامة و رفيع منزلة و حسن جوار- و عرفت قريش ذلك- فأرسلوا إلى النجاشي عمرو بن العاص- و عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي- فخرج فلما قدم عمرو بن العاص- و عمارة بن الوليد في رهط من أصحابهما على النجاشي- تقدم عمرو بن العاص- فقال أيها الملك- إن هؤلاء قوم من سفهائنا صباة- قد سحرهم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب- فادفعهم عنك فإن صاحبهم يزعم أنه نبي- قد جاء بنسخ دينك و محو ما أنت عليه- فلم يلتفت النجاشي إلى قوله- و لم يحفل بما أرسلت به قريش- و جرى على إكرام جعفر و أصحابه و زاد في الإحسان إليهم- و بلغ أبا طالب ذلك فقال يمدح النجاشي- ألا ليت شعري كيف في الناس جعفر -و عمرو و أعداء النبي الأقارب- و هل نال أفعال النجاشي جعفرا -و أصحابه أم عاق ذلك شاهب- تعلم خيار الناس أنك ماجد -كريم فلا يشقى لديك المجانب- و تعلم بأن الله زادك بسطة -و أسباب خير كلها لك لازب- فلما بلغت الأبيات النجاشي سر بها سرورا عظيما- و لم يكن يطمع أن يمدحه أبو طالب بشعر- فزاد في إكرامهم و أكثر من إعظامهم- فلما علم أبو طالب سرور النجاشي- قال يدعوه إلى الإسلام- و يحثه على اتباع النبي عليه أفضل الصلاة و السلام تعلم خيار الناس أن محمدا -وزير لموسى و المسيح ابن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا به -فكل بأمر الله يهدي و يعصم- و إنكم تتلونه في كتابكم -بصدق حديث لا حديث الترجم- فلا تجعلوا لله ندا و أسلموا -فإن طريق الحق ليس بمظلم- و إنك ما يأتيك منا عصابة -لقصدك إلا أرجعوا بالتكرم.
بحار الأنوار — كتاب تاريخ أمير المؤمنين (ع) · نسبه و أحوال والديه عليه و (عليهما السلام)