الأقسامبحار الأنواركتاب تاريخ أمير المؤمنين (ع)
بحار الأنوار

الْغَلَسَ فَالْحَقْهُ فَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(عليه السلام)وَ تَبِعَهُ فَلَحِقَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْجَامِعَ فَقَالَ يَا أَبَاهْ مَا أَخْرَجَكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَ قَدْ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ ثُلُثُهُ فَقَالَ يَا حَبِيبِي وَ يَا قُرَّةَ عَيْنِي خَرَجَتْ لِرُؤْيَا رَأَيْتُهَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَهَالَتْنِي وَ أَزْعَجَتْنِي وَ أَقْلَقَتْنِي فَقَالَ لَهُ خَيْراً رَأَيْتَ وَ خَيْراً يَكُونُ فَقَصَّهَا عَلَيَّ فَقَالَ(عليه السلام)يَا بُنَيَّ رَأَيْتُ كَأَنَّ جَبْرَئِيلَ(عليه السلام)قَدْ نَزَلَ عَنِ السَّمَاءِ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ فَتَنَاوَلَ مِنْهُ حَجَرَيْنِ وَ مَضَى بِهِمَا إِلَى الْكَعْبَةِ وَ تَرَكَهُمَا عَلَى ظَهْرِهَا وَ ضَرَبَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَصَارَتْ كَالرَّمِيمِ ثُمَّ ذَرَّهُمَا فِي الرِّيحِ فَمَا بَقِيَ بِمَكَّةَ وَ لَا بِالْمَدِينَةِ بَيْتٌ إِلَّا وَ دَخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الرَّمَادِ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَتِ وَ مَا تَأْوِيلُهَا فَقَالَ يَا بُنَيَّ إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَايَ فَإِنَّ أَبَاكَ مَقْتُولٌ وَ لَا يَبْقَى بِمَكَّةَ حِينَئِذٍ وَ لَا بِالْمَدِينَةِ بَيْتٌ إِلَّا وَ يَدْخُلُهُ مِنْ ذَلِكَ غَمٌّ وَ مُصِيبَةٌ مِنْ أَجْلِي فَقَالَ الْحَسَنُ(عليه السلام)وَ هَلْ تَدْرِي مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَتِ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ وَ لَكِنْ عَهِدَ إِلَيَّ حَبِيبِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ يَقْتُلُنِي ابْنُ مُلْجَمٍ الْمُرَادِيُّ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَتَاهْ إِذَا عَلِمْتَ مِنْهُ ذَلِكَ فَاقْتُلْهُ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا يَجُوزُ الْقِصَاصُ إِلَّا بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَ الْجِنَايَةُ لَمْ تَحْصُلْ مِنْهُ يَا بُنَيَّ لَوِ اجْتَمَعَ الثَّقَلَانِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى أَنْ يَدْفَعُوا ذَلِكَ لَمَّا قَدَرُوا يَا بُنَيَّ ارْجِعْ إِلَى فِرَاشِكَ فَقَالَ الْحَسَنُ(عليه السلام)يَا أَبَتَاهْ أُرِيدُ أَمْضِي مَعَكَ إِلَى مَوْضِعِ صَلَاتِكَ فَقَالَ لَهُ أَقْسَمْتُ بِحَقِّي عَلَيْكَ إِلَّا مَا رَجَعْتَ إِلَى فِرَاشِكَ لِئَلَّا يَتَنَغَّصَ عَلَيْكَ نَوْمُكَ وَ لَا تَعْصِنِي فِي ذَلِكَ قَالَ فَرَجَعَ الْحَسَنُ(عليه السلام)فَوَجَدَ أُخْتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ قَائِمَةً خَلْفَ الْبَابِ تَنْتَظِرُهُ فَدَخَلَ فَأَخْبَرَهَا بِذَلِكَ وَ جَلَسَا يَتَحَادَثَانِ وَ هُمَا مَحْزُونَانِ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِمَا النُّعَاسُ فَقَامَا وَ دَخَلَا إِلَى فِرَاشِهِمَا وَ نَامَا. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ وَ غَيْرُهُ وَ سَارَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ الْقَنَادِيلُ قَدْ خَمَدَ ضَوْؤُهَا فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وِرْدَهُ وَ عَقَّبَ سَاعَةً ثُمَّ إِنَّهُ قَامَ وَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ عَلَا الْمِئْذَنَةَ وَ وَضَعَ سَبَّابَتَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَ تَنَحْنَحَ ثُمَّ أَذَّنَ وَ كَانَ(عليه السلام)إِذَا أَذَّنَ لَمْ يَبْقَ فِي بَلْدَةِ الْكُوفَةِ بَيْتٌ إِلَّا اخْتَرَقَهُ صَوْتُهُ. قَالَ الرَّاوِي وَ أَمَّا ابْنُ مُلْجَمٍ فَبَاتَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ وَ لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ فَتَارَةً يُعَاتِبُ نَفْسَهُ وَ يُوَبِّخُهَا وَ يَخَافُ مِنْ عُقْبَى فِعْلِهِ فِيهِمْ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ وَ تَارَةً يَذْكُرُ قَطَامِ لَعَنَهَا اللَّهُ وَ حُسْنَهَا وَ جَمَالَهَا وَ كَثْرَةَ مَالِهَا فَتَمِيلُ نَفْسُهُ إِلَيْهَا فَبَقِيَ عَامَّةَ لَيْلِهِ يَتَقَلَّبُ عَلَى فِرَاشِهِ وَ هُوَ يَتَرَنَّمُ بِشِعْرِهِ ذَلِكَ إِذَا أَتَتْهُ الْمَلْعُونَةُ وَ نَامَتْ مَعَهُ فِي فِرَاشِهِ وَ قَالَتْ لَهُ يَا هَذَا مَنْ يَكُونُ عَلَى هَذَا الْعَزْمِ يَرْقُدُ فَقَالَ لَهَا وَ اللَّهِ إِنِّي أَقْتُلُهُ لَكِ السَّاعَةَ فَقَالَتِ اقْتُلْهُ وَ ارْجِعْ إِلَيَّ قَرِيرَ الْعَيْنِ مَسْرُوراً وَ افْعَلْ مَا تُرِيدُ فَإِنِّي مُنْتَظِرَةٌ لَكَ فَقَالَ لَهَا بَلْ أَقْتُلُهُ وَ أَرْجِعُ إِلَيْكِ سَخِينَ الْعَيْنِ مَحْزُوناً مَنْحُوساً مَحْسُوراً فَقَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ تَطَيُّرِكَ الْوَحْشَ قَالَ فَوَثَبَ الْمَلْعُونُ كَأَنَّهُ الْفَحْلُ مِنَ الْإِبِلِ قَالَ هَلُمِّي إِلَيَّ بِالسَّيْفِ ثُمَّ إِنَّهُ اتَّزَرَ بِمِئْزَرٍ وَ اتَّشَحَ بِإِزَارٍ وَ جَعَلَ السَّيْفَ تَحْتَ الْإِزَارِ مَعَ بَطْنِهِ وَ قَالَ افْتَحِي لِي الْبَابَ فَفِي هَذِهِ السَّاعَةَ أَقْتُلُ لَكِ عَلِيّاً فَقَامَتْ فَرْحَةً مَسْرُورَةً وَ قَبَّلَتْ صَدْرَهُ وَ بَقِيَ يُقَبِّلُهَا وَ يَتَرَشَّفُهَا سَاعَةً ثُمَّ رَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَقَالَتْ لَهُ هَذَا عَلِيٌّ أَقْبَلَ إِلَى الْجَامِعِ وَ أَذَّنَ فَقُمْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ ثُمَّ عُدْ إِلَيَّ فَهَا أَنَا مُنْتَظِرَةٌ رُجُوعَكَ فَخَرَجَ مِنَ الْبَابِ وَ هِيَ خَلْفَهُ تُحَرِّضُهُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ أَقُولُ. قَالَ الرَّاوِي فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا وَ قَالَ لَهَا أَفْسَدْتِ وَ اللَّهِ الشِّعْرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ الْآخِرِ قَالَتْ وَ لِمَ ذَاكَ قَالَ لَهَا هَلَّا قُلْتُ قَالَ مُصَنِّفُ هَذَا الْكِتَابِ قَدَّسَ رُوحَهُ هَذَا الْخَبَرُ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ إِنَّا كَتَبْنَاهُ كَمَا وَجَدْنَاهُ وَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ بَاتَ فِي الْمَسْجِدِ وَ مَعَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا شَبِيبُ بْنُ بحيرة [بَجَرَةَ وَ الْآخَرُ وَرْدَانُ بْنُ مُجَالِدٍ يُسَاعِدَانِهِ عَلَى قَتْلِ عَلِيٍّ(عليه السلام)فَلَمَّا أَذَّنَ(عليه السلام)وَ نَزَلَ مِنَ الْمِئْذَنَةِ وَ جَعَلَ يُسَبِّحُ اللَّهَ وَ يُقَدِّسُهُ وَ يُكَبِّرُهُ وَ يُكْثِرُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ الرَّاوِي وَ كَانَ مِنْ كَرَمِ أَخْلَاقِهِ(عليه السلام)أَنَّهُ يَتَفَقَّدُ النَّائِمِينَ فِي الْمَسْجِدِ وَ يَقُولُ لِلنَّائِمِ الصَّلَاةَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ الصَّلَاةَ قُمْ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَيْكَ ثُمَّ يَتْلُو(عليه السلام)إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ فَفَعَلَ ذَلِكَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ عَلَى مَجَارِي عَادَتِهِ مَعَ النَّائِمِينَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ إِلَى الْمَلْعُونِ فَرَآهُ نَائِماً عَلَى وَجْهِهِ قَالَ لَهُ يَا هَذَا قُمْ مِنْ نَوْمِكَ هَذَا فَإِنَّهَا نَوْمَةٌ يَمْقُتُهَا اللَّهُ وَ هِيَ نَوْمَةُ الشَّيْطَانِ وَ نَوْمَةُ أَهْلِ النَّارِ بَلْ نَمْ عَلَى يَمِينِكَ فَإِنَّهَا نَوْمَةُ الْعُلَمَاءِ أَوْ عَلَى يَسَارِكَ فَإِنَّهَا نَوْمَةُ الْحُكَمَاءِ وَ لَا تَنَمْ عَلَى ظَهْرِكَ فَإِنَّهَا نَوْمَةُ الْأَنْبِيَاءِ. قَالَ فَتَحَرَّكَ الْمَلْعُونُ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ وَ هُوَ مِنْ مَكَانِهِ لَا يَبْرَحْ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)لَقَدْ هَمَمْتَ بِشَيْءٍ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا وَ لَوْ شِئْتَ لَأَنْبَأْتُكَ بِمَا تَحْتَ ثِيَابِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ وَ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى مِحْرَابِهِ وَ قَامَ قَائِماً يُصَلِّي وَ كَانَ(عليه السلام)يُطِيلُ الرُّكُوعَ وَ السُّجُودَ فِي الصَّلَاةِ كَعَادَتِهِ فِي الْفَرَائِضِ وَ النَّوَافِلِ حَاضِراً قَلْبُهُ فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِ فَنَهَضَ الْمَلْعُونُ مُسْرِعاً وَ أَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى وَقَفَ بِإِزَاءِ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي كَانَ الْإِمَامُ(عليه السلام)يُصَلِّي عَلَيْهَا فَأَمْهَلَهُ حَتَّى صَلَّى الرَّكْعَةَ الْأُولَى وَ رَكَعَ وَ سَجَدَ السَّجْدَةَ الْأُولَى مِنْهَا وَ رَفَعَ رَأْسَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ السَّيْفَ وَ هَزَّهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ الْمُكَرَّمِ الشَّرِيفِ فَوَقَعَتِ الضَّرْبَةُ عَلَى الضَّرْبَةِ الَّتِي ضَرَبَهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدَ وُدٍّ الْعَامِرِيُّ ثُمَّ أَخَذَتِ الضَّرْبَةُ إِلَى مَفْرَقِ رَأْسِهِ إِلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ فَلَمَّا أَحَسَّ الْإِمَامُ بِالضَّرْبِ لَمْ يَتَأَوَّهْ وَ صَبَرَ وَ احْتَسَبَ وَ وَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ وَ لَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ قَائِلًا بِسْمِ اللَّهِ وَ بِاللَّهِ وَ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ صَاحَ وَ قَالَ قَتَلَنِي ابْنُ مُلْجَمٍ قَتَلَنِي اللَّعِينُ ابْنُ الْيَهُودِيَّةِ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَفُوتَنَّكُمْ ابْنُ مُلْجَمٍ وَ سَارَ السَّمُّ فِي رَأْسِهِ وَ بَدَنِهِ وَ ثَارَ جَمِيعُ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ فِي طَلَبِ الْمَلْعُونِ وَ مَاجُوا بِالسِّلَاحِ فَمَا كُنْتُ أَرَى إِلَّا صَفْقَ الْأَيْدِي عَلَى الْهَامَاتِ وَ عُلُوِّ الصَّرْخَاتِ وَ كَانَ ابْنُ مُلْجَمٍ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَائِفاً مَرْعُوباً ثُمَّ وَلَّى هَارِباً وَ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَ أَحَاطَ النَّاسُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)وَ هُوَ فِي مِحْرَابِهِ يَشُدُّ الضَّرْبَةَ وَ يَأْخُذُ التُّرَابَ وَ يَضَعُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ثُمَّ قَالَ(عليه السلام)جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا ضَرَبَهُ الْمَلْعُونُ ارْتَجَّتِ الْأَرْضُ وَ مَاجَتِ الْبِحَارُ وَ السَّمَاوَاتِ وَ اصْطَفَقَتْ أَبْوَابُ الْجَامِعِ قَالَ وَ ضَرَبَهُ اللَّعِينُ شَبِيبُ بْنِ بُجْرَةَ فَأَخْطَأَهُ وَ وَقَعَتِ الضَّرْبَةُ فِي الطَّاقِ. قَالَ الرَّاوِي فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ الضَّجَّةَ ثَارَ إِلَيْهِ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَ صَارُوا يَدُورُونَ وَ لَا يَدْرُونَ أَيْنَ يَذْهَبُونَ مِنْ شِدَّةِ الصَّدْمَةِ وَ الدَّهْشَةِ ثُمَّ أَحَاطُوا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)وَ هُوَ يَشُدُّ رَأْسَهُ بِمِئْزَرِهِ وَ الدَّمُ يَجْرِي عَلَى وَجْهِهِ وَ لِحْيَتِهِ وَ قَدْ خُضِبَتْ بِدِمَائِهِ وَ هُوَ يَقُولُ هَذَا مَا وَعَدَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ قَالَ الرَّاوِي فَاصْطَفَقَتْ أَبْوَابُ الْجَامِعِ وَ ضَجَّتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ بِالدُّعَاءِ وَ هَبَّتْ رِيحٌ عَاصِفٌ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ وَ نَادَى جَبْرَئِيلُ(عليه السلام)بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ كُلُّ مُسْتَيْقِظٍ تَهَدَّمَتْ وَ اللَّهِ أَرْكَانُ الْهُدَى وَ انْطَمَسَتْ وَ اللَّهِ نُجُومُ السَّمَاءِ وَ أَعْلَامُ التُّقَى وَ انْفَصَمَتْ وَ اللَّهِ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى قُتِلَ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى قُتِلَ الْوَصِيُّ الْمُجْتَبَى قُتِلَ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى قُتِلَ وَ اللَّهِ سَيِّدُ الْأَوْصِيَاءِ قَتَلَهُ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ قَالَ فَلَمَّا سَمِعَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ نَعْيَ جَبْرَئِيلَ فَلَطَمَتْ عَلَى وَجْهِهَا وَ خَدِّهَا وَ شَقَّتْ جَيْبَهَا وَ صَاحَتْ وَا أَبَتَاهْ وَا عَلِيَّاهْ وَا مُحَمَّدَاهْ وَا سَيِّدَاهْ ثُمَّ أَقْبَلَتْ إِلَى أَخَوَيْهَا الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ فَأَيْقَظَتْهُمَا وَ قَالَتْ لَهُمَا لَقَدْ قُتِلَ أَبُوكُمَا فَقَامَا يَبْكِيَانِ فَقَالَ لَهَا الْحَسَنُ(عليه السلام)يَا أُخْتَاهْ كُفِّي عَنِ الْبُكَاءِ حَتَّى نَعْرِفَ صِحَّةَ الْخَبَرِ كَيْلَا تُشْمِتَ الْأَعْدَاءُ فَخَرَجَا فَإِذَا النَّاسُ يَنُوحُونَ وَ يُنَادُونَ وَا إِمَامَاهْ وَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَاهْ قُتِلَ وَ اللَّهِ إِمَامٌ عَابِدٌ مُجَاهِدٌ لَمْ يَسْجُدْ لِصَنَمٍ كَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلَمَّا سَمِعَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(عليهما السلام)صَرْخَاتِ النَّاسِ نَادَيَا وَا أَبَتَاهْ وَا عَلِيَّاهْ لَيْتَ الْمَوْتَ أَعْدَمَنَا الْحَيَاةَ فَلَمَّا وَصَلَا الْجَامِعَ وَ دَخَلَا وَجَدَا أَبَا جَعْدَةَ بْنَ هُبَيْرَةَ وَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ وَ هُمْ يَجْتَهِدُونَ أَنْ يُقِيمُوا الْإِمَامَ فِي الْمِحْرَابِ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَلَمْ يُطِقْ عَلَى النُّهُوضِ وَ تَأَخَّرَ عَنِ الصَّفِّ وَ تَقَدَّمَ الْحَسَنُ(عليه السلام)فَصَلَّى بِالنَّاسِ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)يُصَلِّي إِيمَاءً مِنْ جُلُوسٍ وَ هُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَ كَرِيمُهُ الشَّرِيفُ يَمِيلُ تَارَةً وَ يَسْكُنُ أُخْرَى وَ الْحَسَنُ(عليه السلام)يُنَادِي وَا انْقِطَاعَ ظَهْرَاهُ يَعِزُّ وَ اللَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَرَاكَ هَكَذَا فَفَتَحَ عَيْنَهُ وَ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا جَزَعَ عَلَى أَبِيكَ بَعْدَ الْيَوْمِ هَذَا جَدُّكَ مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى وَ جَدَّتُكَ خَدِيجَةُ الْكُبْرَى وَ أُمُّكَ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ وَ الْحُورُ الْعِينُ مُحْدِقُونَ مُنْتَظِرُونَ قُدُومَ أَبِيكَ فَطِبْ نَفْساً وَ قَرَّ عَيْناً وَ كُفَّ عَنِ الْبُكَاءِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ ثُمَّ إِنَّ الْخَبَرَ شَاعَ فِي جَوَانِبِ الْكُوفَةِ وَ انْحَشَرَ النَّاسُ حَتَّى الْمُخَدَّرَاتُ خَرَجْنَ مِنْ خِدْرِهِنَّ إِلَى الْجَامِعِ يَنْظُرْنَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عليه السلام)فَدَخَلَ النَّاسُ الْجَامِعَ فَوَجَدُوا الْحَسَنَ وَ رَأْسُ أَبِيهِ فِي حَجْرِهِ وَ قَدْ غَسَلَ الدَّمَ عَنْهُ وَ شَدَّ الضَّرْبَةَ وَ هِيَ بَعْدَهَا تَشْخُبُ دَماً وَ وَجْهُهُ قَدْ زَادَ بَيَاضاً بِصُفْرَةٍ وَ هُوَ يَرْمُقُ السَّمَاءَ بِطَرْفِهِ وَ لِسَانُهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ وَ يُوَحِّدُهُ وَ هُوَ يَقُولُ أَسْأَلُكَ يَا رَبِّ الرَّفِيعَ الْأَعْلَى فَأَخَذَ الْحَسَنُ(عليه السلام)رَأْسَهُ فِي حَجْرِهِ فَوَجَدَهُ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ فَعِنْدَهَا بَكَى بُكَاءً شَدِيداً وَ جَعَلَ يُقَبِّلُ وَجْهَ أَبِيهِ وَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ فَسَقَطَ مِنْ دُمُوعِهِ قَطَرَاتٌ عَلَى وَجْهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ فَرَآهُ بَاكِياً فَقَالَ لَهُ يَا بُنَيَّ يَا حَسَنُ مَا هَذَا الْبُكَاءُ يَا بُنَيَّ لَا رَوْعَ عَلَى أَبِيكَ بَعْدَ الْيَوْمِ هَذَا جَدُّكَ مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى وَ خَدِيجَةُ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحُورُ الْعِينُ مُحْدِقُونَ مُنْتَظِرُونَ قُدُومَ أَبِيكَ فَطِبْ نَفْساً وَ قَرَّ عَيْناً وَ اكْفُفْ عَنِ الْبُكَاءِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ يَا بُنَيَّ أَ تَجْزَعُ عَلَى أَبِيكَ وَ غَداً تُقْتَلُ بَعْدِي مَسْمُوماً مَظْلُوماً وَ يُقْتَلُ أَخُوكَ بِالسَّيْفِ هَكَذَا وَ تَلْحَقَانِ بِجَدِّكُمَا وَ أَبِيكُمَا وَ أُمِّكُمَا فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ(عليه السلام)يَا أَبَتَاهْ مَا تُعَرِّفُنَا مَنْ قَتَلَكَ وَ مَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا قَالَ قَتَلَنِي ابْنُ الْيَهُودِيَّةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ الْمُرَادِيُّ فَقَالَ يَا أَبَاهْ مِنْ أَيِّ طَرِيقٍ مَضَى قَالَ لَا يَمْضِي أَحَدٌ فِي طَلَبِهِ فَإِنَّهُ سَيَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَ أَشَارَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ إِلَى بَابِ كِنْدَةَ قَالَ وَ لَمْ يَزَلِ السَّمُّ يَسْرِي فِي رَأْسِهِ وَ بَدَنِهِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً وَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ قُدُومَ الْمَلْعُونِ مِنْ بَابِ كِنْدَةَ فَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْبَابِ وَ يَرْتَقِبُونَ قُدُومَ الْمَلْعُونِ وَ قَدْ غَصَّ الْمَسْجِدُ بِالْعَالَمِ مَا بَيْنَ بَاكٍ وَ مَحْزُونٍ فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَةً وَ إِذَا بِالصَّيْحَةِ قَدِ ارْتَفَعَتْ وَ زُمْرَةٍ مِنَ النَّاسِ وَ قَدْ جَاءُوا بِعَدُوِّ اللَّهِ ابْنِ مُلْجَمٍ مَكْتُوفاً وَ هَذَا يَلْعَنُهُ وَ هَذَا يَضْرِبُهُ قَالَ فَوَقَعَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَأَقْبَلُوا بِاللَّعِينِ مَكْتُوفاً وَ هَذَا يَلْعَنُهُ وَ هَذَا يَضْرِبُهُ وَ هُمْ يَنْهَشُونَ لَحْمَهُ بِأَسْنَانِهِمْ وَ يَقُولُونَ لَهُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ مَا فَعَلْتَ أَهْلَكْتَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَ قَتَلْتَ خَيْرَ النَّاسِ وَ إِنَّهُ لَصَامِتٌ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ حُذَيْفَةُ النَّخَعِيُّ بِيَدِهِ سَيْفٌ مَشْهُورٌ وَ هُوَ يَرُدُّ النَّاسَ عَنْ قَتْلِهِ وَ هُوَ يَقُولُ هَذَا قَاتِلُ الْإِمَامِ عَلِيٍّ(عليه السلام)حَتَّى أَدْخَلُوهُ الْمَسْجِدَ. قَالَ الشَّعْبِيُّ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ عَيْنَاهُ قَدْ طَارَتَا فِي أُمِّ رَأْسِهِ كَأَنَّهُمَا قِطْعَتَا عَلَقٍ وَ قَدْ وَقَعَتْ فِي وَجْهِهِ ضَرْبَةٌ قَدْ هُشِمَتْ وَجْهُهُ وَ أَنْفُهُ وَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَ عَلَى صَدْرِهِ وَ هُوَ يَنْظُرُ يَمِيناً وَ شِمَالًا وَ عَيْنَاهُ قَدْ طَارَتَا فِي أُمِّ رَأْسِهِ وَ هُوَ أَسْمَرُ اللَّوْنِ حَسَنُ الْوَجْهِ وَ فِي وَجْهِهِ أَثَرُ السُّجُودِ وَ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ أَسْوَدُ مَنْشُوراً عَلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ فَلَمَّا حَاذَانِي سَمِعْتُهُ يَتَرَنَّمُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ فَلَمَّا جَاءُوا بِهِ أَوْقَفُوهُ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ عليه السلام قَالَ لَهُ يَا وَيْلَكَ يَا لَعِينُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَنْتَ قَاتِلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مُثْكِلُنَا إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ هَذَا جَزَاؤُهُ مِنْكَ حَيْثُ آوَاكَ وَ قَرَّبَكَ وَ أَدْنَاكَ وَ آثَرَكَ عَلَى غَيْرِكَ وَ هَلْ كَانَ بِئْسَ الْإِمَامُ لَكَ حَتَّى جَازَيْتَهُ هَذَا الْجَزَاءَ يَا شَقِيُّ قَالَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَلْ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَانْكَبَّ الْحَسَنُ(عليه السلام)عَلَى أَبِيهِ يُقَبِّلُهُ وَ قَالَ لَهُ هَذَا قَاتِلُكَ يَا أَبَاهْ قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ فَلَمْ يُجِبْهُ وَ كَانَ نَائِماً فَكَرِهَ أَنْ يُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى ابْنِ مُلْجَمٍ وَ قَالَ لَهُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ هَذَا كَانَ جَزَاؤُهُ مِنْكَ بَوَّأَكَ وَ أَدْنَاكَ وَ قَرَّبَكَ وَ حَبَاكَ وَ فَضَّلَكَ عَلَى غَيْرِكَ هَلْ كَانَ بِئْسَ الْإِمَامُ لَكَ حَتَّى جَازَيْتَهُ بِهَذَا الْجَزَاءِ يَا شَقِيَّ الْأَشْقِيَاءِ فَقَالَ لَهُ الْمَلْعُونُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ فَعِنْدَ ذَلِكَ ضَجَّتِ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ وَ النَّحِيبِ فَأَمَرَهُمُ الْحَسَنُ(عليه السلام)بِالسُّكُوتِ ثُمَّ الْتَفَتَ الْحَسَنُ(عليه السلام)إِلَى الَّذِي جَاءَ بِهِ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ ظَفِرْتَ بِعَدُوِّ اللَّهِ وَ أَيْنَ لَقِيتَهُ فَقَالَ يَا مَوْلَايَ إِنَّ حَدِيثِي مَعَهُ لَعَجِيبٌ وَ ذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ الْبَارِحَةَ نَائِماً فِي دَارِي وَ زَوْجَتِي إِلَى جَانِبِي وَ هِيَ مِنْ غَطَفَانَ وَ أَنَا رَاقِدٌ وَ هِيَ مُسْتَيْقِظَةٌ إِذْ سَمِعَتْ هِيَ الزَّعَقَةَ وَ نَاعِياً يَنْعَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)وَ هُوَ يَقُولُ تَهَدَّمَتْ وَ اللَّهِ أَرْكَانُ الْهُدَى وَ انْطَمَسَتْ وَ اللَّهِ أَعْلَامُ التُّقَى قُتِلَ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى قُتِلَ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى قَتَلَهُ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ فَأَيْقَظَتْنِي وَ قَالَتْ لِي أَنْتَ نَائِمٌ وَ قَدْ قُتِلَ إِمَامُكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَانْتَبَهْتُ مِنْ كَلَامِهَا فَزِعاً مَرْعُوباً وَ قُلْتُ لَهَا يَا وَيْلَكِ مَا هَذَا الْكَلَامُ رَضَّ اللَّهُ فَاكِ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَلْقَى فِي سَمْعِكِ هَذَا أَوْ حُلُمٌ أُلْقِيَ عَلَيْكِ يَا وَيْلَكِ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى قِبَلَهُ تَبِعَةٌ وَ لَا ظُلَامَةٌ وَ إِنَّهُ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ وَ لِلْأَرْمَلَةِ كَالزَّوْجِ الْعَطُوفِ وَ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى قَتْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ هُوَ الْأَسَدُ الضِّرْغَامُ وَ الْبَطَلُ الْهُمَامُ وَ الْفَارِسُ الْقَمْقَامُ فَأَكْثَرَتْ عَلَيَّ وَ قَالَتْ إِنِّي سَمِعْتُ مَا لَمْ تَسْمَعْ وَ عَلِمْتُ مَا لَمْ تَعْلَمْ فَقُلْتُ لَهَا وَ مَا سَمِعْتِ فَأَخْبَرْتِنِي بِالصَّوْتِ فَقَالَتْ لِي سَمِعْتُ نَاعِياً يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ تَهَدَّمَتْ وَ اللَّهِ أَرْكَانُ الْهُدَى وَ انْطَمَسَتْ وَ اللَّهِ أَعْلَامُ التُّقَى قُتِلَ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى قُتِلَ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى قَتَلَهُ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ ثُمَّ قَالَتْ مَا أَظُنُّ بَيْتاً فِي الْكُوفَةِ إِلَّا وَ قَدْ دَخَلَهُ هَذَا الصَّوْتُ قَالَ فَبَيْنَمَا أَنَا وَ هِيَ فِي مُرَاجَعَةِ الْكَلَامِ وَ إِذَا بِصَيْحَةٍ عَظِيمَةٍ وَ جَلَبَةٍ وَ ضَجَّةٍ عَظِيمَةٍ وَ قَائِلٌ يَقُولُ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَحَسَّ قَلْبِي بِالشَّرِّ فَمَدَدْتُ يَدِي إِلَى سَيْفِي وَ سَلَلْتُهُ مِنْ غِمْدِهِ وَ أَخَذْتُهُ وَ نَزَلْتُ مُسْرِعاً وَ فَتَحْتُ بَابَ دَارِي وَ خَرَجْتُ فَلَمَّا صِرْتُ فِي وَسَطِ الْجَادَّةِ فَنَظَرْتُ يَمِيناً وَ شِمَالًا وَ إِذَا بِعَدُوِّ اللَّهِ يَجُولُ فِيهَا يَطْلُبُ مَهْرَباً فَلَمْ يَجِدْ وَ إِذَا قَدِ انْسَدَّتِ الطُّرُقَاتُ فِي وَجْهِهِ فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَ هُوَ كَذَلِكَ رَابَنِي أَمْرُهُ فَنَادَيْتُهُ يَا وَيْلَكَ مَنْ أَنْتَ وَ مَا تُرِيدُ لَا أُمَّ لَكَ فِي وَسَطِ هَذَا الدَّرْبِ تَمُرُّ وَ تَجِيءُ فَتَسَمَّى بِغَيْرِ اسْمِهِ وَ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ كُنْيَتِهِ فَقُلْتُ لَهُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ قَالَ مِنْ مَنْزِلِي قُلْتُ وَ إِلَى أَيْنَ تُرِيدُ تَمْضِي فِي هَذَا الْوَقْتِ قَالَ إِلَى الْحِيرَةِ فَقُلْتُ وَ لِمَ لَا تَقْعُدُ حَتَّى تُصَلِّيَ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)صَلَاةَ الْغَدَاةِ وَ تَمْضِيَ فِي حَاجَتِكَ فَقَالَ أَخْشَى أَنْ أَقْعُدَ لِلصَّلَاةِ فَتَفُوتَنِي حَاجَتِي فَقُلْتُ يَا وَيْلَكَ إِنِّي سَمِعْتُ صَيْحَةً وَ قَائِلًا يَقُولُ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ ذَلِكَ خَبَرٌ قَالَ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ وَ لِمَ لَا تَمْضِي مَعِي حَتَّى تُحَقِّقَ الْخَبَرَ وَ تَمْضِيَ فِي حَاجَتِكَ فَقَالَ أَنَا مَاضٍ فِي حَاجَتِي وَ هِيَ أَهُمُّ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا قَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ الْقَوْلِ قُلْتُ يَا لُكَعَ الرِّجَالِ حَاجَتُكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنَ التَّجَسُّسِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)وَ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَ إِذَا وَ اللَّهِ يَا لُكَعُ مَا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلَاقٍ وَ حَمَلْتُ عَلَيْهِ بِسَيْفِي وَ هَمَمْتُ أَنْ أَعْلُوَ بِهِ فَرَاغَ عَنِّي فَبَيْنَمَا أَنَا أُخَاطِبُهُ وَ هُوَ يُخَاطِبُنِي إِذْ هَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ إِزَارَهُ وَ إِذَا بِسَيْفِهِ يَلْمَعُ تَحْتَ الْإِزَارِ كَأَنَّهُ مِرْآةٌ مَصْقُولَةٌ فَلَمَّا رَأَيْتُ بَرِيقَهُ تَحْتَ ثِيَابِهِ قُلْتُ يَا وَيْلَكَ مَا هَذَا السَّيْفُ الْمَشْهُورُ تَحْتَ ثِيَابِكَ لَعَلَّكَ أَنْتَ قَاتِلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ لَا فَأَنْطَقَ اللَّهُ لِسَانَهُ بِالْحَقِّ فَقَالَ نَعَمْ فَرَفَعْتُ سَيْفِي وَ ضَرَبْتُهُ فَرَفَعَ هُوَ سَيْفَهُ وَ هَمَّ أَنْ يَعْلُوَنِي بِهِ فَانْحَرَفْتُ عَنْهُ فَضَرَبْتُهُ عَلَى سَاقَيْهِ فَأَوْقَفْتُهُ وَ وَقَعَ لِحِينِهِ وَ وَقَعْتُ عَلَيْهِ وَ صَرَخْتُ صَرْخَةً شَدِيدَةً وَ أَرَدْتُ آخُذُ سَيْفَهُ فَمَانَعَنِي عَنْهُ فَخَرَجَ أَهْلُ الْحِيرَةِ فَأَعَانُونِي عَلَيْهِ حَتَّى أَوْثَقْتُهُ كِتَافاً وَ جِئْتُكَ بِهِ فَهَا هُوَ بَيْنَ يَدَيْكَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ. فَقَالَ الْحَسَنُ(عليه السلام)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَ وَلِيَّهُ وَ خَذَلَ عَدُوَّهُ ثُمَّ انْكَبَّ الْحَسَنُ(عليه السلام)عَلَى أَبِيهِ يُقَبِّلُهُ وَ قَالَ لَهُ يَا أَبَاهْ هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ وَ عَدُوُّكَ قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ فَلَمْ يُجِبْهُ وَ كَانَ نَائِماً فَكَرِهَ أَنْ يُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ فَرَقَدَ سَاعَةً ثُمَّ فَتَحَ(عليه السلام)عَيْنَيْهِ وَ هُوَ يَقُولُ ارْفُقُوا بِي يَا مَلَائِكَةَ رَبِّي فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ(عليه السلام)هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ وَ عَدُوُّكَ ابْنُ مُلْجَمٍ قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ وَ قَدْ حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْكَ قَالَ فَفَتَحَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)عَيْنَيْهِ وَ نَظَرَ إِلَيْهِ وَ هُوَ مَكْتُوفٌ وَ سَيْفُهُ مُعَلَّقٌ فِي عُنُقِهِ فَقَالَ لَهُ بِضَعْفٍ وَ انْكِسَارِ صَوْتٍ وَ رَأْفَةٍ وَ رَحْمَةٍ يَا هَذَا لَقَدْ جِئْتَ عَظِيماً وَ ارْتَكَبْتَ أَمْراً عَظِيماً وَ خَطْباً جَسِيماً أَ بِئْسَ الْإِمَامُ كُنْتُ لَكَ حَتَّى جَازَيْتَنِي بِهَذَا الْجَزَاءِ أَ لَمْ أَكُنْ شَفِيقاً عَلَيْكَ وَ آثَرْتُكَ عَلَى غَيْرِكَ وَ أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ وَ زِدْتُ فِي إِعْطَائِكَ أَ لَمْ يَكُنْ يُقَالُ لِي فِيكَ كَذَا وَ كَذَا فَخَلَّيْتُ لَكَ السَّبِيلَ وَ مَنَحْتُكَ عَطَائِي وَ قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكَ قَاتِلِي لَا مَحَالَةَ وَ لَكِنْ رَجَوْتُ بِذَلِكَ الِاسْتِظْهَارَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْكَ يَا لُكَعُ وَ عَلَّ أَنْ تَرْجِعَ عَنْ غَيِّكَ فَغَلَبَتْ عَلَيْكَ الشَّقَاوَةُ فَقَتَلْتَنِي يَا شَقِيَّ الْأَشْقِيَاءِ قَالَ فَدَمَعَتْ عَيْنَا ابْنِ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ قَالَ لَهُ صَدَقْتَ ثُمَّ الْتَفَتَ(عليه السلام)إِلَى وَلَدِهِ الْحَسَنِ(عليه السلام)وَ قَالَ لَهُ ارْفُقْ يَا وَلَدِي بِأَسِيرِكَ وَ ارْحَمْهُ وَ أَحْسِنْ إِلَيْهِ وَ أَشْفِقْ عَلَيْهِ أَ لَا تَرَى إِلَى عَيْنَيْهِ قَدْ طَارَتَا فِي أُمِّ رَأْسِهِ وَ قَلْبُهُ يَرْجُفُ خَوْفاً وَ رُعْباً وَ فَزَعاً فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ(عليه السلام)يَا أَبَاهْ قَدْ قَتَلَكَ هَذَا اللَّعِينُ الْفَاجِرُ وَ أَفْجَعَنَا فِيكَ وَ أَنْتَ …

بحار الأنوار — كتاب تاريخ أمير المؤمنين (ع) · كيفية شهادته(ع)و وصيته و غسله و الصلاة عليه و دفنه

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.