تَأْمُرُنَا بِالرِّفْقِ بِهِ فَقَالَ لَهُ نَعَمْ يَا بُنَيَّ نَحْنُ أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَزْدَادُ عَلَى الْمُذْنِبِ إِلَيْنَا إِلَّا كَرَماً وَ عَفْواً وَ الرَّحْمَةُ وَ الشَّفَقَةُ مِنْ شِيمَتِنَا لَا مِنْ شِيمَتِهِ بِحَقِّي عَلَيْكَ فَأَطْعِمْهُ يَا بُنَيَّ مِمَّا تَأْكُلُهُ وَ اسْقِهِ مِمَّا تَشْرَبُ وَ لَا تُقَيِّدْ لَهُ قَدَماً وَ لَا تَغُلَّ لَهُ يَداً فَإِنْ أَنَا مِتُّ فَاقْتَصَّ مِنْهُ بِأَنْ تَقْتُلَهُ وَ تَضْرِبَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً وَ تُحْرِقَهُ بِالنَّارِ وَ لَا تُمَثِّلَ بِالرَّجُلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَ الْمُثْلَةَ وَ لَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَ إِنْ أَنَا عِشْتُ فَأَنَا أَوْلَى بِالْعَفْوِ عَنْهُ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَفْعَلُ بِهِ فَإِنْ عَفَوْتُ فَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَزْدَادُ عَلَى الْمُذْنِبِ إِلَيْنَا إِلَّا عَفْواً وَ كَرَماً. قال مخنف بن حنيف إني و الله ليلة تسع عشرة في الجامع في رجال نصلي قريبا من السدة التي يدخل منها أمير المؤمنين(عليه السلام)فبينا نحن نصلي إذ دخل أمير المؤمنين(عليه السلام)من السدة و هو ينادي الصلاة ثم صعد المئذنة فأذن ثم نزل فعبر على قوم نيام في المسجد فناداهم الصلاة ثم قصد المحراب فما أدري دخل في الصلاة أم لا إذ سمعت قائلا يقول الحكم لله لا لك يا علي قال فسمعت عند ذلك أمير المؤمنين(عليه السلام)يقول لا يفوتنكم الرجل قال فشد الناس عليه و أنا معهم و إذا هو وردان بن مجالد و أما ابن ملجم لعنه الله فإنه هرب من ساعته و دخل الكوفة و رأينا أمير المؤمنين(عليه السلام)مجروحا في رأسه. قال محمد ابن الحنفية ثم إن أبي(عليه السلام)قال احملوني إلى موضع مصلاي في منزلي قال فحملناه إليه و هو مدنف و الناس حوله و هم في أمر عظيم باكين محزونين قد أشرفوا على الهلاك من شدة البكاء و النحيب ثم التفت إليه الحسين(عليه السلام)و هو يبكي فقال له يا أبتاه من لنا بعدك لا كيومك إلا يوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أجلك تعلمت البكاء يعز و الله علي أن أراك هكذا فناداه(عليه السلام)فقال يا حسين يا أبا عبد الله ادن مني فدنا منه و قد قرحت أجفان عينيه من البكاء فمسح الدموع من عينيه و وضع يده على قلبه و قال له يا بني ربط الله قلبك بالصبر و أجزل لك و لإخوتك عظيم الأجر فسكن روعتك و اهدأ من بكائك فإن الله قد آجرك على عظيم مصابك ثم أدخل(عليه السلام)إلى حجرته و جلس في محرابه. قال الراوي و أقبلت زينب و أم كلثوم حتى جلستا معه على فراشه و أقبلتا تندبانه و تقولان يا أبتاه من للصغير حتى يكبر و من للكبير بين الملأ يا أبتاه حزننا عليك طويل و عبرتنا لا ترقأ قال فضج الناس من وراء الحجرة بالبكاء و النحيب و فاضت دموع أمير المؤمنين(عليه السلام)عند ذلك و جعل يقلب طرفه و ينظر إلى أهل بيته و أولاده ثم دعا الحسن و الحسين(عليهما السلام)و جعل يحضنهما و يقبلهما ثم أغمي عليه ساعة طويلة و أفاق و كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغمى عليه ساعة طويلة و يفيق أخرى لأنه(عليه السلام)كان مسموما فلما أفاق ناوله الحسن(عليه السلام)قعبا من لبن فشرب منه قليلا ثم نحاه عن فيه و قال احملوه إلى أسيركم ثم قال للحسن(عليه السلام)بحقي عليك يا بني إلا ما طيبتم مطعمه و مشربه و ارفقوا به إلى حين موتي و تطعمه مما تأكل و تسقيه مما تشرب حتى تكون أكرم منه فعند ذلك حملوا إليه اللبن و أخبروه بما قال أمير المؤمنين(عليه السلام)في حقه فأخذ اللعين و شربه. قال و لما حمل أمير المؤمنين(عليه السلام)إلى منزله جاءوا باللعين مكتوفا إلى بيت من بيوت القصر فحبسوه فيه فقالت له أم كلثوم و هي تبكي يا ويلك أما أبي فإنه لا بأس عليه و إن الله مخزيك في الدنيا و الآخرة و إن مصيرك إلى النار خالدا فيها فقال لها ابن ملجم لعنه الله ابكي إن كنت باكية فو الله لقد اشتريت سيفي هذا بألف و سممته بألف و لو كانت ضربتي هذه لجميع أهل الكوفة ما نجا منهم أحد و في ذلك يقول الفرزدق شعر.. قال محمد ابن الحنفية رضي الله عنه و بتنا ليلة عشرين من شهر رمضان مع أبي و قد نزل السم إلى قدميه و كان يصلي تلك الليلة من جلوس و لم يزل يوصينا بوصاياه و يعزينا عن نفسه و يخبرنا بأمره و تبيانه إلى حين طلوع الفجر فلما أصبح استأذن الناس عليه فأذن لهم بالدخول فدخلوا عليه و أقبلوا يسلمون عليه و هو يرد (عليهم السلام) ثم قال أيها الناس اسألوني قبل أن تفقدوني و خففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم قال فبكى الناس عند ذلك بكاء شديدا و أشفقوا أن يسألوه تخفيفا عنه فقام إليه حجر بن عدي الطائي و قال. فلما بصر به و سمع شعره قال له كيف لي بك إذا دعيت إلى البراءة مني فما عساك أن تقول فقال و الله يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إربا إربا و أضرم لي النار و ألقيت فيها لأثرت ذلك على البراءة منك فقال وفقت لكل خير يا حجر جزاك الله خيرا عن أهل بيت نبيك ثم قال هل من شربة من لبن فأتوه بلبن في قعب فأخذه و شربه كله فذكر الملعون ابن ملجم و أنه لم يخلف له شيئا فقال(عليه السلام)وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً اعلموا أني شربت الجميع و لم أبق لأسيركم شيئا من هذا ألا و إنه آخر رزقي من الدنيا فبالله عليك يا بني إلا ما أسقيته مثل ما شربت فحمل إليه ذلك فشربه. قال محمد بن الحنفية رضي الله عنه لما كانت ليلة إحدى و عشرين و أظلم الليل و هي الليلة الثانية من الكائنة جمع أبي أولاده و أهل بيته و ودعهم ثم قال لهم الله خليفتي عليكم و هو حسبي وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ و أوصاهم الجميع منهم بلزوم الإيمان و الأديان و الأحكام التي أوصاه بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمن ذلك ما نقل عنه(عليه السلام)أنه أوصى به الحسن و الحسين(عليهما السلام)لما ضربه الملعون ابن ملجم و هي هذه أوصيكما بتقوى الله و ساقها إلى آخر ما مر برواية السيد الرضي قال ثم تزايد ولوج السم في جسده الشريف حتى نظرنا إلى قدميه و قد احمرتا جميعا فكبر ذلك علينا و أيسنا منه ثم أصبح ثقيلا فدخل الناس عليه فأمرهم و نهاهم و أوصاهم ثم عرضنا عليه المأكول و المشروب فأبى أن يشرب فنظرنا إلى شفتيه و هما يختلجان بذكر الله تعالى و جعل جبينه يرشح عرقا و هو يمسحه بيده قلت يا أبت أراك تمسح جبينك فقال يا بني إني سمعت جدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن المؤمن إذا نزل به الموت و دنت وفاته عرق جبينه و صار كاللؤلؤ الرطب و سكن أنينه ثم قال يا أبا عبد الله و يا عون ثم نادى أولاده كلهم بأسمائهم صغيرا و كبيرا واحدا بعد واحد و جعل يودعهم و يقول الله خليفتي عليكم أستودعكم الله و هم يبكون فقال له الحسن(عليه السلام)يا أبة ما دعاك إلى هذا فقال له يا بني إني رأيت جدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منامي قبل هذه الكائنة بليلة فشكوت إليه ما أنا فيه من التذلل و الأذى من هذه الأمة فقال لي ادع عليهم فقلت اللهم أبدلهم بي شرا مني و أبدلني بهم خيرا منهم فقال لي قد استجاب الله دعاك سينقلك إلينا بعد ثلاث و قد مضت الثلاث يا أبا محمد أوصيك و يا أبا عبد الله خيرا فأنتما مني و أنا منكما ثم التفت إلى أولاده الذين من غير فاطمة(عليها السلام)و أوصاهم أن لا يخالفوا أولاد فاطمة يعني الحسن و الحسين عليهما السلام. ثم قال أحسن الله لكم العزاء ألا و إني منصرف عنكم و راحل في ليلتي هذه و لاحق بحبيبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما وعدني فإذا أنا مت يا أبا محمد فغسلني و كفني و حنطني ببقية حنوط جدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه من كافور الجنة جاء به جبرئيل(عليه السلام)إليه ثم ضعني على سريري و لا يتقدم أحد منكم مقدم السرير و احملوا مؤخره و اتبعوا مقدمه فأي موضع وضع المقدم فضعوا المؤخر فحيث قام سريري فهو موضع قبري ثم تقدم يا أبا محمد و صل علي يا بني يا حسن و كبر علي سبعا و اعلم أنه لا يحل ذلك على أحد غيري إلا على رجل يخرج في آخر الزمان اسمه القائم المهدي و من ولد أخيك الحسين يقيم اعوجاج الحق فإذا أنت صليت علي يا حسن فنح السرير عن موضعه ثم اكشف التراب عنه فترى قبرا محفورا و لحدا مثقوبا و ساجة منقوبة فأضجعني فيها فإذا أردت الخروج من قبري فافتقدني فإنك لا تجدني و إني لاحق بجدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و اعلم يا بني ما من نبي يموت و إن كان مدفونا بالمشرق و يموت وصيه بالمغرب إلا و يجمع الله عز و جل بين روحيهما و جسديهما ثم يفترقان فيرجع كل واحد منهما إلى موضع قبره و إلى موضعه الذي حط فيه ثم أشرج اللحد باللبن و أهل التراب علي ثم غيب قبري و كان غرضه(عليه السلام)بذلك لئلا يعلم بموضع قبره أحد من بني أمية فإنهم لو علموا بموضع قبره لحفروه و أخرجوه و أحرقوه كما فعلوا بزيد بن علي بن الحسين(عليه السلام)ثم يا بني بعد ذلك إذا أصبح الصباح أخرجوا تابوتا إلى ظهر الكوفة على ناقة و أمر بمن يسيرها بما عليها كأنها تريد المدينة بحيث يخفى على العامة موضع قبري الذي تضعني فيه و كأني بكم و قد خرجت عليكم الفتن من هاهنا و هاهنا فعليكم بالصبر فهو محمود العاقبة. ثم قال يا أبا محمد و يا أبا عبد الله كأني بكما و قد خرجت عليكما من بعدي الفتن من هاهنا فاصبرا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ثم قال يا أبا عبد الله أنت شهيد هذه الأمة فعليك بتقوى الله و الصبر على بلائه ثم أغمي عليه ساعة و أفاق و قال هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و عمي حمزة و أخي جعفر و أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و كلهم يقولون عجل قدومك علينا فإنا إليك مشتاقون ثم أدار عينيه في أهل بيته كلهم و قال أستودعكم الله جميعا سددكم الله جميعا حفظكم الله جميعا خليفتي عليكم الله و كفى بالله خليفة ثم قال و عليكم السلام يا رسل ربي ثم قال لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ و عرق جبينه و هو يذكر الله كثيرا و ما زال يذكر الله كثيرا و يتشهد الشهادتين ثم استقبل القبلة و غمض عينيه و مد رجليه و يديه و قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله ثم قضى نحبه(عليه السلام)و كانت وفاته في ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان و كانت ليلة الجمعة سنة أربعين من الهجرة. قال فعند ذلك صرخت زينب بنت علي(عليه السلام)و أم كلثوم و جميع نسائه و قد شقوا الجيوب و لطموا الخدود و ارتفعت الصيحة في القصر فعلم أهل الكوفة أن أمير المؤمنين(عليه السلام)قد قبض فأقبل النساء و الرجال يهرعون أفواجا أفواجا و صاحوا صيحة عظيمة فارتجت الكوفة بأهلها و كثر البكاء و النحيب و كثر الضجيج بالكوفة و قبائلها و دورها و جميع أقطارها فكان ذلك كيوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما أظلم الليل تغير أفق السماء و ارتجت الأرض و جميع من عليها بكوه و كنا نسمع جلبة و تسبيحا في الهواء فعلمنا أنها من أصوات الملائكة فلم يزل كذلك إلى أن طلع الفجر ثم ارتفعت الأصوات و سمعنا هاتفا بصوت يسمعه الحاضرون و لا يرون شخصه يقول. فالمعنى عند ذلك أن السماوات و الأرض و الملائكة و الجن و الإنس قد بكت و رثته في تلك الليلة و سمعنا في الهواء جلبة عظيمة و تسبيحا و تقديسا فعلمنا أنها أصوات الملائكة فلم تزل كذلك حتى بدا الصباح فارتفعت الأصوات فخرجنا و إذا بصائح في الهواء و هو يقول. قال محمد بن الحنفية ثم أخذنا في جهازه ليلا و كان الحسن(عليه السلام)يغسله و الحسين(عليه السلام)يصب الماء عليه و كان(عليه السلام)لا يحتاج إلى من يقلبه بل كان يتقلب كما يريد الغاسل يمينا و شمالا و كانت رائحته أطيب من رائحة المسك و العنبر ثم نادى الحسن(عليه السلام)بأخته زينب و أم كلثوم و قال يا أختاه هلمي بحنوط جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبادرت زينب مسرعة حتى أتته به قال الراوي فلما فتحته فاحت الدار و جميع الكوفة و شوارعها لشدة رائحة ذلك الطيب ثم لفوه بخمسة أثواب كما أمر(عليه السلام)ثم وضعوه على السرير و تقدم الحسن و الحسين عليهما السلام إلى السرير من مؤخره و إذا مقدمه قد ارتفع و لا يرى حامله و كان حاملاه من مقدمه جبرئيل و ميكائيل فما مر بشيء على وجه الأرض إلا انحنى له ساجدا و خرج السرير من مايل باب كندة فحملا مؤخره و سارا يتبعان مقدمه. قال ابن الحنفية رضي الله عنه و الله لقد نظرت إلى السرير و إنه ليمر بالحيطان و النخل فتنحني له خشوعا و مضى مستقيما إلى النجف إلى موضع قبره الآن قال و ضجت الكوفة بالبكاء و النحيب و خرجن النساء يتبعنه لاطمات حاسرات فمنعهم الحسن(عليه السلام)و نهاهم عن البكاء و العويل و ردهن إلى أماكنهن و الحسين(عليه السلام)يقول لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ يا أباه وا انقطاع ظهراه من أجلك تعلمت البكاء إلى الله المشتكى. فلما انتهيا إلى قبره و إذا مقدم السرير قد وضع فوضع الحسن(عليه السلام)مؤخره ثم قام الحسن(عليه السلام)و صلى عليه و الجماعة خلفه فكبر سبعا كما أمره به أبوه(عليه السلام)ثم زحزحنا سريره و كشفنا التراب و إذا نحن بقبر محفور و لحد مشقوق و ساجة منقورة مكتوب عليها هذا ما ادخره له جده نوح النبي للعبد الصالح الطاهر المطهر فلما أرادوا نزوله سمعوا هاتفا يقول أنزلوه إلى التربة الطاهرة فقد اشتاق الحبيب إلى الحبيب فدهش الناس عند ذلك و تحيروا و ألحد أمير المؤمنين(عليه السلام)قبل طلوع الفجر. قال الراوي لما ألحد أمير المؤمنين(عليه السلام)وقف صعصعة بن صوحان العبدي رضي الله عنه على القبر و وضع إحدى يديه على فؤاده و الأخرى قد أخذ بها التراب و يضرب به رأسه ثم قال بأبي أنت و أمي يا أمير المؤمنين ثم قال هنيئا لك يا أبا الحسن فلقد طاب مولدك و قوي صبرك و عظم جهادك و ظفرت برأيك و ربحت تجارتك و قدمت على خالقك فتلقاك الله ببشارته و حفتك ملائكته و استقررت في جوار المصطفى فأكرمك الله بجواره و لحقت بدرجة أخيك المصطفى و شربت بكأسه الأوفى فأسأل الله أن يمن علينا باقتفائنا أثرك و العمل بسيرتك و الموالاة لأوليائك و المعاداة لأعدائك و أن يحشرنا في زمرة أوليائك فقد نلت ما لم ينله أحد و أدركت ما لم يدركه أحد و جاهدت في سبيل ربك بين يدي أخيك المصطفى حق جهاده و قمت بدين الله حق القيام حتى أقمت السنن و أبرت الفتن و استقام الإسلام و انتظم الإيمان فعليك مني أفضل الصلاة و السلام بك اشتد ظهر المؤمنين و اتضحت أعلام السبل و أقيمت السنن و ما جمع لأحد مناقبك و خصالك سبقت إلى إجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقدما مؤثرا و سارعت إلى نصرته و وقيته بنفسك و رميت سيفك ذا الفقار في مواطن الخوف و الحذر قصم الله بك كل جبار عنيد و ذل بك كل ذي بأس شديد و هدم بك حصون أهل الشرك و الكفر و العدوان و الردى و قتل بك أهل الضلال من العدى فهنيئا لك يا أمير المؤمنين كنت أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قربا و أولهم سلما و أكثرهم علما و فهما فهنيئا لك يا أبا الحسن لقد شرف الله مقامك و كنت أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسبا و أولهم إسلاما و أوفاهم يقينا و أشدهم قلبا و أبذلهم لنفسه مجاهدا و أعظمهم في الخير نصيبا فلا حرمنا الله أجرك و لا أذلنا بعدك فو الله لقد كانت حياتك مفاتح للخير و مغالق للشر و إن يومك هذا مفتاح كل شر و مغلاق كل خير و لو أن الناس قبلوا منك لأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم و لكنهم آثروا الدنيا على الآخرة. ثم بكى بكاء شديدا و أبكى كل من كان معه و عدلوا إلى الحسن و الحسين و محمد و جعفر و العباس و يحيى و عون و عبد الله(عليه السلام)فعزوهم في أبيهم (صلوات الله عليه) و انصرف الناس و رجع أولاد أمير المؤمنين(عليه السلام)و شيعتهم إلى الكوفة و لم يشعر بهم أحد من الناس فلما طلع الصباح و بزغت الشمس أخرجوا تابوتا من دار أمير المؤمنين(عليه السلام)و أتوا به إلى المصلى بظاهر الكوفة ثم تقدم الحسن(عليه السلام)و صلى عليه و رفعه على ناقة و سيرها مع بعض العبيد. قال الراوي فلما كان الغداة اجتمعوا لأجل قتل الملعون قال أبو مخنف فلما رجع الحسن(عليه السلام)دخلت عليه أم كلثوم و أقسمت عليه أن لا يترك الملعون في الحياة ساعة واحدة و كان قد عزم على تأخيره ثلاثة أيام فأجابها إلى ذلك و خرج لوقته و ساعته و جمع أهل بيته و أهل البصائر من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كصعصعة و الأحنف و ما أشبههما رضي الله عنهم و تشاوروا في قتل ابن ملجم لعنه الله تعالى فكل أشار بقتله في ذلك اليوم و اجتمع رأيهم على قتله في المكان الذي ضرب فيه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. قال الراوي ثم إنه لما رجع أولاد أمير المؤمنين(عليه السلام)و أصحابه إلى الكوفة و اجتمعوا لقتل اللعين عدو الله ابن ملجم فقال عبد الله بن جعفر اقطعوا يديه و رجليه و لسانه و اقتلوه بعد ذلك و قال ابن الحنفية رضي الله عنه اجعلوه غرضا للنشاب و أحرقوه بالنار و قال آخر اصلبوه حيا حتى يموت فقال الحسن(عليه السلام)أنا ممتثل فيه ما أمرني به أمير المؤمنين(عليه السلام)أضربه ضربة بالسيف حتى يموت فيها و أحرقه بالنار بعد ذلك قال فأمر الحسن(عليه السلام)أن يأتوه به فجاءوا به مكتوفا حتى أدخلوه إلى الموضع الذي ضرب فيه الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)و الناس يلعنونه و يوبخونه و هو ساكت لا يتكلم فقال الحسن(عليه السلام)يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين(عليه السلام)و إمام المسلمين و أعظمت الفساد في الدين فقال لهما يا حسن و يا حسين عليكما السلام ما تريدان تصنعان بي قالا له نريد قتلك كما قتلت سيدنا و مولانا فقال لهما اصنعا ما شئتما أن تصنعا و لا تعنفا من استزله الشيطان فصده عن السبيل و لقد زجرت نفسي فلم تنزجر و نهيتها فلم تنته فدعها تذوق وبال أمرها و لها عذاب شديد ثم بكى فقال له يا ويلك ما هذه الرقة أين كانت حين وضعت قدمك و ركبت خطيئتك فقال ابن ملجم لعنه الله اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ و لقد انقضى التوبيخ و المعايرة و إنما قتلت أباك و حصلت بين يديك فاصنع ما شئت و خذ بحقك مني كيف شئت ثم برك على ركبتيه و قال يا ابن رسول الله الحمد لله الذي أجرى قتلي على يديك فرق له الحسن(عليه السلام)لأن قلبه كان رحيما صلى الله عليه فقام الحسن(عليه السلام)و أخذ السيف بيده و جرده من غمده فهز به حتى لاح الموت في حده ثم ضربه ضربة أدار بها عنقه فاشتد زحام الناس عليه و علت أصواتهم فلم يتمكن من فتح باعه فارتفع السيف إلى باعه فأبرأه فانقلب عدو الله على قفاه يحور في دمه فقام الحسين(عليه السلام)إلى أخيه و قال يا أخي أ ليس الأب واحدا و الأم واحدة و لي نصيب في هذه الضربة و لي في قتله حق فدعني أضربه ضربة أشفي بها بعض ما أجده فناوله الحسن(عليه السلام)السيف فأخذه و هزه و ضربه على الضربة التي ضربه الحسن(عليه السلام)فبلغ إلى طرف أنفه و قطع جانبه الآخر و ابتدره الناس بعد ذلك بأسيافهم فقطعوه إربا إربا و عجل الله بروحه إلى النار و بئس القرار ثم جمعوا جثته و أخرجوه من المسجد و جمعوا له حطبا و أحرقوه بالنار و قيل طرحوه في حفرة و طموه بالتراب و هو يعوي كعوي الكلاب في حفرته إلى يوم القيامة و أقبلوا إلى قطام الملعونة الفاسقة الفاجرة فقطعوها بالسيف إربا إربا و نهبوا دارها ثم أخذوها و أخرجوها إلى ظاهر الكوفة فأحرقوها بالنار و عجل الله بروحها إلى النار و غضب الجبار و أما الرجلان اللذان تحالفا معه فأحدهما قتله معاوية بن أبي سفيان بالشام و الآخر قتله عمرو بن العاص بمصر لا رضي الله عنهما و أما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم بالجامع يساعدانه على قتل علي(عليه السلام)فقتلا من ليلتهما لعنهما الله و حشرهما محشر المنافقين الظالمين في جهنم خالدين مع السالفين. قال أبو مخنف فلما فرغوا من إهلاكهم و قتلهم أقبل الحسن و الحسين(عليهما السلام)إلى المنزل فالتفت بهم أم كلثوم و أنشدت تقول هذه الأبيات لما سمعت بقتله و قيل إنها لأم الهيثم بنت العربان الخثعمية و قيل للأسود الدؤلي شعرا يقول. قال فلم يبق أحد في المسجد إلا انتحب و بكى لبكائها و كل من كان حاضرا من عدو و صديق و لم أر باكية و لا باكيا أكثر من ذلك اليوم. فإذا هو أمير المؤمنين(عليه السلام)ثم قال للحسن(عليه السلام)يا أبا محمد إنه لا تموت نفس إلا و يشهدها أ فما يشهد جسده. قال و روي عن الحسن بن علي(عليه السلام)أن أمير المؤمنين قال للحسن و الحسين(عليه السلام)إذا وضعتماني في الضريح فصليا ركعتين قبل أن تهيلا علي التراب و انظرا ما يكون فلما وضعاه في الضريح المقدس فعلا ما أمرا به و نظرا و إذا الضريح مغطى بثوب من سندس فكشف الحسن(عليه السلام)مما يلي وجه أمير المؤمنين فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و آدم و إبراهيم يتحدثون مع أمير المؤمنين(عليه السلام)و كشف الحسين مما يلي رجليه فوجد الزهراء و حواء و مريم و آسية عليهن السلام ينحن على أمير المؤمنين(عليه السلام)و يندبنه.
بحار الأنوار — كتاب تاريخ أمير المؤمنين (ع) · كيفية شهادته(ع)و وصيته و غسله و الصلاة عليه و دفنه