العلّامة الحلّي في الكشكول: عن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن البارودي يوم الجمعة في شهر رمضان سنة عشرين و ثلاثمائة، قال: قال الحسين بن العبّاس، عن المفضّل الكرماني، قال: حدّثني محمّد بن صدقة، قال: قال محمد بن سنان، عن المفضّل بن عمر الجعفي، قال: سألت مولاي جعفر بن محمّد الصادق- (عليهما السلام)- عن قول اللّه عزّ و جلّ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. فقال جعفر بن محمد: الحجّة البالغة التي تبلغ الجاهل (من أهل الكتاب)، فيعلمها بجهله كما يعلمها العالم بعلمه، لأنّ اللّه تعالى أكرم و أعدل من أن يعذّب أحدا إلّا بحجّة. ثمّ قال جعفر بن محمد- (عليهما السلام)-: ﴿وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ﴾. ثمّ أنشأ جعفر بن محمد- (عليهما السلام)- محدّثا يقول: ما مضى رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- إلّا بعد إكمال الدين، و إتمام النعمة، و رضا الربّ، أنزل اللّه على نبيّه- (صلى اللّه عليه و آله)- بكراع الغميم: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ لأنّ رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- خاف الارتداد من المنافقين الّذين كانوا يسرّون عداوة عليّ- (عليه السلام)-، و يعلنون موالاته خوفا من القتل. فلمّا صار النبيّ- (صلى اللّه عليه و آله)- بغدير خمّ بعد انصرافه من حجّة الوداع، انتصب للمهاجرين و الأنصار قائما يخاطبهم، فقال بعد ما حمد اللّه و أثنى عليه: معاشر المهاجرين و الأنصار، أ لست أولى بكم من أنفسكم؟ فقالوا: اللهمّ نعم، فقال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)-: اللهمّ اشهد- ثلاثا-. ثمّ قال: يا عليّ، فقال: لبّيك يا رسول اللّه، فقال له: قم فإنّ اللّه أمرني أن ابلّغ فيك رسالاته، أنزل: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾. فقام إليه عليّ- (عليه السلام)-، فأخذ رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- بضبعه، فأشاله حتى رأى [الناس] بياض إبطيهما، ثمّ قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من مولاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله، فأوّل قائم قام من المهاجرين و الأنصار عمر بن الخطّاب، فقال: بخّ بخّ [لك] يا عليّ، أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة. فنزل جبرئيل- (عليه السلام)- بقول [اللّه عزّ و جلّ]: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾. فبعليّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في هذا اليوم أكمل اللّه لكم معاشر المهاجرين و الأنصار دينكم، و أتمّ عليكم نعمته، و رضي لكم الإسلام دينا، فاسمعوا له و أطيعوا له تفوزوا، و اعلموا أنّ مثل عليّ فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجى، و من تخلّف عنها غرق، و من تقدّمها مرق، و مثل عليّ فيكم كمثل باب حطّة في بني إسرائيل، من دخله كان آمنا و نجا، و من تخلّف عنه هلك و غوى، فما مرّ على المنافقين يوم كان أشدّ عليهم منه، و قد كان المنافقون يعرفون على عهد رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- ببغض عليّ، و أنزل اللّه على نبيّه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ﴾. و السرّ بغض عليّ- (عليه السلام)-، فماج الناس في ذلك القول من رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- في عليّ- (عليه السلام)-، و قالوا فأكثروا القول، فلمّا انصرف رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- [إلى المدينة] خطب أصحابه، و قال: [إنّ اللّه] اختصّ عليّا بثلاث خصال لم يعطها أحدا من الأوّلين و الآخرين فاعرفوها، فإنّه الصدّيق الأكبر، و الفاروق الأعظم، أيّد اللّه به الدين، و نصر به الإسلام، و نصر به نبيّكم. فقام (إليه) عمر بن الخطّاب و قال: ما هذه الخصال (الثلاث) التي أعطاها اللّه عليّا و لم يعطها أحدا من الأوّلين و الآخرين؟ فقال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)-: اختصّ عليّا بأخ مثل نبيّكم محمّد خاتم النبيّين ليس لأحد أخ مثلي، و اختصّه [بزوجة] مثل فاطمة و لم يختصّ أحد بزوجة مثلها، و اختصّه بابنين مثل الحسن و الحسين سيدي شباب أهل الجنة و ليس لأحد ابنان مثلهما، فهل تعلمون له نظيرا أو تعرفون له شبيها؟ إنّ جبرئيل نزل عليّ (يوم) احد، فقال: يا محمّد، اسمع، لا سيف إلّا ذو الفقار، و لا فتى إلّا عليّ، يعلمني أنّه لا سيف كسيف عليّ، و لا فتى هو كعليّ، و قد نادى بذلك ملك يوم بدر يقال له «الرضوان» من السماء الدنيا: لا سيف إلّا ذو الفقار، و لا فتى إلّا عليّ، إنّ عليّا سيّد المتّقين، و أمير المؤمنين، و قائد الغرّ المحجّلين، لا يبغضه من قريش إلّا دعيّ، و لا من العرب إلّا شقي، و لا من سائر الناس إلّا بغيّ، و (لا) من سائر النساء إلّا سلقلقيّة. إنّ اللّه عزّ و جلّ جعل عليّا (علما للناس) بين المهاجرين و الأنصار، و بين خلقه، [و بينه] فمن عرفه و والاه كان مؤمنا، و من جهله و لم يواله و لم يعاد من عاداه كان ضالّا [به]، أ فآمنتم يا معاشر المسلمين؟ يقولها ثلاثا، قالوا: آمنّا و أسلمنا يا رسول اللّه، فآمنوا بعليّ بألسنتهم و كفروا بقلوبهم، فأنزل اللّه [: على نبيّه- (صلى اللّه عليه و آله)-]: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾. فقال لهم رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- [ذلك] بمشهد من أصحابه: لم يحبّك يا عليّ من أصحابي إلّا مؤمن تقيّ، و لا يبغضك إلّا منافق شقيّ، و أنت يا عليّ و شيعتك الفائزون يوم القيامة، إنّ شيعتك يردون عليّ الحوض بيض وجوههم، [و شيعة عدوّك من أمّتي يردون عليّ الحوض سود الوجوه] فتسقي أنت شيعتك، و تمنع عدوّك، فأنزل اللّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ بموالاة عليّ و معاداة عليّ، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. فلمّا نادى [بها] رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)-، قال المنافقون: (ألا) إنّ محمدا لم يزل يرفع بضبع عليّ، و يتلو علينا آية عن القرآن بعد آية [غواية] و ترجيحا له علينا، ثمّ اجتمعوا ليلا (عند عمر بن الخطّاب و أبي بكر بن أبي قحافة معهم) فقالوا: إنّ محمدا اختدعنا من ديننا الذي كنّا عليه [في الجاهلية]، فقال: من قال: لا إله إلّا اللّه فله ما لنا و عليه ما علينا، و الآن قد خالف هذا القول إلى غيره، قام خطيبا، فقال: أنا سيّد ولد آدم و لا فخر فتحمّلناها له، ثمّ قال [بعد]: عليّ سيّد العرب، ثمّ فضّله على جميع العالمين من الأوّلين و الآخرين. فقال: عليّ خير البشر و من أبى فقد كفر. ثمّ قال: فاطمة سيّدة نساء العالمين. ثمّ قال: الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة [و أبوهما خير منهما]. ثمّ قال: حمزة سيّد الشهداء و جعفر ذو الجناحين يطير بهما مع الملائكة حيث يشاء، و العبّاس [عمّه] جلدة بين عينيه و صنو أبيه، و له السقاية في [دار] الدنيا، [و بني شيبة لهم السدانة، فجمع خصال الخير و منازل الفضل و الشرف في الدنيا] و الآخرة له و لأهل بيته خاصّة، و جعلنا (اللّه من) أتباعه، و أتباع [أهل] بيته. فقال النضر بن الحارث [الفهري]: إذا كان غدا اجتمعوا عند رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- حتى أقبل أنا و أتقاضاه ما وعدنا به في بدء الإسلام، و انظر ما يقول ثمّ نحتجّ،، فلمّا أصبحوا فعلوا ذلك، فأقبل النظر بن الحارث فسلّم [على] النبيّ- (صلى اللّه عليه و آله)- فقال: يا رسول اللّه اذا كنت [أنت]. سيّد ولد آدم، و أخوك سيّد العرب، و ابنتك فاطمة سيّدة نساء العالمين، و ابناك الحسن و الحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، و [عمّك]، حمزة سيّد الشهداء، و ابن عمّك ذو الجناحين يطير بهما في الجنّة حيث يشاء، (و عمّك) جلدة بين عينيك، و صنو أبيك و شيبة له السدانة، فما لسائر [قومك من] قريش و [سائر] العرب فقد أعلمتنا في بدء الإسلام إنّا [إذا] كنّا آمنّا [بما] تقول [كان] لنا مالك و علينا ما عليك. فأطرق رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- طويلا، ثمّ رفع رأسه، فقال: أما أنا و اللّه [ما] فعلت بهم هذا، بل اللّه فعل بهم هذا، فما ذنبي، فولّى النضر بن الحارث و هو يقول: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ﴾ ﴿السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. [يعني الذي يقول محمد فيه و في أهل بيته فأنزل اللّه تعالى: ﴿وَ إِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾- إلى قوله- ﴿وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. فبعث رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- إلى النضر بن الحارث الفهري، و تلا عليه الآية، فقال: يا رسول اللّه، إنّي قد سررت ذلك جميعه أنا و من لم تجعل له ما جعلته لك و لأهل بيتك من الشرف و الفضل في الدنيا و الآخرة، فقد أظهر اللّه ما أسررنا (به)، امّا أنا فأسألك أن تأذن لي، أن أخرج من المدينة فإنّي لا اطيق المقام [بها]، فوعظه النبيّ- (صلى اللّه عليه و آله)- أنّ ربّك كريم، فإن أنت صبرت و تصابرت لم يخلك من مواهبه، فارض و سلّم فإنّ اللّه يمتحن خلقه بضروب من المكاره، و يخفّف عمّن يشاء، و له الخلق و الأمر، مواهبه عظيمة، و إحسانه واسع، فأبى الحارث و سأله الإذن، فأذن له رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- فأقبل إلى بيته، و شدّ على راحلته ركبها مغضبا و هو يقول: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. فلمّا صار بظهر المدينة و إذا بطير في مخلبه حجر فأرسلها إليه، فوقعت على هامته، (ثمّ دخلت في دماغه، و خرجت من جوفه و وقعت على ظهر راحلته، و خرجت من بطنها، فاضطربت) الراحلة و سقطت و سقط [النضر بن] الحارث من عليها ميّتين، فأنزل اللّه تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ﴾ (- بعليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و آل محمّد-) ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ﴾. فبعث رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- [بعد ذلك] للمنافقين الّذين اجتمعوا (عند عمر) ليلا مع النضر بن الحارث، فتلى عليهم الآية، و قال: اخرجوا إلى صاحبكم الفهري حتى تنظروا إليه. فلمّا رأوه انتحبوا و بكوا، و قالوا: من أبغض عليّا و أظهر بغضه قتله [علي] بسيفه، و من خرج من المدينة بغضا لعليّ فأنزل اللّه عليه ما ترى: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ﴾، من شيعة عليّ مثل سلمان و أبي ذرّ و المقداد و عمّار و أشباههم من ضعفاء الشيعة. فأوحى اللّه إلى نبيّه ما قالوا [فلمّا انصرفوا إلى المدينة أعلمهم رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)-]، فحلفوا باللّه كاذبين انّهم لم يقولوا، فأنزل اللّه فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [و همّوا] بظاهر القول لرسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)-، إنّا قد آمنّا و سلّمنا للّه و للرسول فيما أمرنا به من طاعة عليّ، ﴿وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾- من قتل محمّد ليلة العقبة، و إخراج ضعفاء الشيعة من المدينة بغضا لعليّ، و تفيضا عليه- ﴿وَ ما نَقَمُوا﴾- (منهم) ﴿إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ﴾ (و رسوله) ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾- بسيف عليّ في حروب رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- و فتوحه- ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَ إِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ ما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ﴾. فلمّا تلاها رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)-، قالوا: قد تبنا يا رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- بألسنتهم دون قلوبهم، فلمّا اجتمعوا (عند عمر و أبو بكر معهم)، [أيضا] فقالوا: إنّا لا نسرّ في أمر عليّ و أهل بيته و أتباعه شيئا إلّا أظهره اللّه على محمّد، فتلاه علينا و قد خطبنا محمّد- (صلى اللّه عليه و آله)-، فقال في كلمته: أيّها الناس لم تكن نبوّة الأنبياء [إلّا] نسخت بعد نبيّها ملكا و جبروتا فليت لنا في هذا الملك نصيب إذا لم يكن لنا في الآخرة ملك، و لا نحن من شيعة عليّ، و إنّما نظهر موالاته و الإيمان به ليكون [علينا] في الأرض وليّا و نصيرا، و أمّا في السماء فلا حاجة لنا به إلى عليّ، و لا إلى غير عليّ، و أنّ محمدا يخبرنا أنّ الملك من بعده لا يستتمّ من اللّه حتى يوالي عليّا و ينصره و يعينه، فأنزل اللّه على نبيّه [فيهم]: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً﴾ (أي عليّا و شيعته نقيرا) ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾- كما آتينا محمد و آل محمّد، في الدنيا و الآخرة، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ فخطب رسول اللّه عند ذلك أصحابه، فقال لهم: معاشر المهاجرين و الأنصار، ما بال أصحابي إذا ذكر لهم إبراهيم و [آل إبراهيم] تهلّلت وجوههم، و انتشرت قلوبهم، و إذا ذكر محمّد و آل محمّد تغيّرت وجوههم، و ضاقت صدورهم، إنّ اللّه تعالى لم يعط إبراهيم شيئا و آل إبراهيم إلّا أعطى محمدا و آل محمد مثله، و نحن في الحقيقة آل إبراهيم فإن اللّه ما اصطفى نبيّا إلّا اصطفى آل [ذلك] النبيّ، فجعل منهم الصدّيقين و الشهداء و الصالحين، هذا جبرئيل- (عليه السلام)- يتلو عليّ من ربّي، ما توهّمتم و انطويتم و أسررتم و أعلنتم فيما بينكم من أمر [النبيّ محمد و] آل محمّد، ثمّ تلا عليهم: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً﴾- فحلفوا باللّه كاذبين انّهم لم يسرّوا و لم يعلنوا [فيما بينهم]- (و إنّا)- ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾- أي لو كنت عندهم يا رسول اللّه ما حلفوا باللّه كاذبين، ﴿اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر — معاجز أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام · الثاني و الثمانون و ثلاثمائة الّذي أصاب الحارث بن عمرو الفهري حين أنكر