الحسين بن حمدان الحضيني في هدايته، و الحسن بن أبي الحسن الديلمي في كتابه و غيرهما- و اللفظ للديلمي-: قال: روي عن الصادق- (عليه السلام)- أنّ أبا بكر لقي أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في سكّة [من سكك] بني النجّار، فسلّم عليه فصافحه، و قال [له]: يا أبا الحسن، أ في نفسك شيء من استخلاف الناس إيّاي، و ما كان [من] يوم السقيفة، و كراهيتك للبيعة؟ و اللّه ما كان [ذلك] من إرادتي إلّا أنّ المسلمين أجمعوا على أمر لم يكن لي أن اخالفهم فيه، لأنّ النبي- (صلى اللّه عليه و آله)- قال: لا تجتمع أمّتي على ضلالة. فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا أبا بكر، امّته الذين أطاعوه من بعده، و في عهده، و أخذوا بهذا، و أوفوا بما عاهدوا اللّه عليه و لم يبدّلوا و لم يغيّروا. قال له أبو بكر: و اللّه يا علي، لو شهد عندي الساعة من أثق به أنّك أحقّ بهذا الأمر لسلّمته إليك رضي من رضي، و سخط من سخط. فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا أبا بكر، فهل تعلم أوثق من رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- و قد أخذ بيعتي عليك في أربعة مواطن و على جماعة معك فيهم عمر و عثمان: في يوم الدار، و في بيعة الرضوان تحت الشجرة، و يوم جلوسه في بيت أمّ سلمة، و في يوم الغدير بعد رجوعه من حجّة الوداع، فقلتم بأجمعكم: سمعنا و أطعنا اللّه و رسوله، فقال لكم: اللّه و رسوله عليكم من الشاهدين، فقلتم بأجمعكم: اللّه و رسوله علينا من الشاهدين، فقال لكم: فليشهد بعضكم على بعض، و يبلّغ شاهدكم غائبكم، و من سمع منكم [فليسمع] من لم يسمع، فقلتم: نعم يا رسول اللّه، و قمتم بأجمعكم تهنّون رسول اللّه و تهنّوني بكرامة اللّه لنا، فدنا عمر و ضرب على كتفي، و قال بحضرتكم: بخّ بخّ يا ابن أبي طالب، أصبحت مولانا و مولى المؤمنين. فقال (له) أبو بكر: (لقد) ذكّرتني أمرا يا أبا الحسن لو يكون رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- شاهدا فأسمعه منه. فقال [له] أمير المؤمنين: (اللّه) و رسوله عليك من الشاهدين، يا أبا بكر، إن رأيت رسول اللّه حيّا يقول لك: إنّك ظالم (لي) في أخذ حقّي الذي جعله اللّه و رسوله لي دونك و دون المسلمين ان تسلّم هذا الأمر لي و تخلع نفسك منه. فقال أبو بكر: يا أبا الحسن، و هذا يكون أن أرى رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- حيّا بعد موته و يقول لي ذلك؟ فقال [له] أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: نعم يا أبا بكر. قال: فأرني ذلك إن كان حقّا. فقال [له] أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: اللّه و رسوله عليك من الشاهدين انّك تفي بما قلت؟ قال أبو بكر: نعم، فضرب أمير المؤمنين على يده، و قال: تسعى معي نحو مسجد قبا، فلمّا وردا و تقدّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فدخل المسجد [و أبو بكر من ورائه فإذا هو برسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- جالس في قبلة المسجد]. فلمّا رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشيّ عليه، فناداه رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)-: ارفع رأسك أيّها الضليل المفتون، فرفع أبو بكر رأسه، و قال: لبّيك يا رسول اللّه، أ حياة بعد الموت يا رسول اللّه؟ فقال: ويلك يا أبا بكر، إنّ الذي أحياها لمحيي الموتى، إنّه على كلّ شيء قدير. قال: فسكت أبو بكر و شخصت عيناه نحو رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- و قال: ويلك يا أبا بكر، أنسيت ما عاهدت اللّه و رسوله عليه في المواطن الأربعة لعلي- (عليه السلام)-؟ فقال: ما نسيتها يا رسول اللّه. فقال: ما لك اليوم تناشد عليّا فيها و يذكّرك، فتقول: نسيت، و قصّ عليه رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- ما جرى بينه و بين علي [بن أبي طالب]- (عليه السلام)- إلى آخره فما نقص كلمة منه، و لا زاد فيه كلمة. فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، فهل من توبة؟ و هل يعفو اللّه عنّي إذا سلّمت هذا الأمر إلى أمير المؤمنين؟ قال: نعم، يا أبا بكر، و أنا الضامن لك [على اللّه ذلك] إن وفيت. قال: و غاب رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- [عنهما. قال:] فتشبّث أبو بكر بأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و قال: اللّه اللّه فيّ يا علي، صر معي إلى منبر رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- حتى أعلو المنبر و أقصّ على الناس ما شاهدت و رأيت من أمر رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- و ما قال لي، و ما قلت [له]، و ما أمرني به، و أخلع نفسي من هذا الأمر و اسلّمه إليك. فقال له أمير المؤمنين: أنا معك إن تركك شيطانك. فقال أبو بكر: إن لم يتركني تركته و عصيت. فقال (له) أمير المؤمنين: إذا تطيعه و لا تعصيه، و إنّما رأيت ما رأيت لتأكيد الحجّة عليك، و أخذ بيده و خرجا من مسجد قبا يريدان مسجد رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- و أبو بكر يخفق بعضه بعضا و يتلوّن ألوانا و الناس ينظرون إليه و لا يدرون ما الذي كان حتى لقى عمر، فقال: يا خليفة رسول اللّه، ما شأنك؟ و ما الذي دهاك؟ فقال أبو بكر: خلّ عنّي يا عمر، فو اللّه لا سمعت لك قولا. فقال له عمر: و أين تريد، يا خليفة رسول اللّه؟ فقال (له) أبو بكر: اريد المسجد و المنبر. فقال: ليس هذا وقت صلاة و منبر. فقال: خلّ عنّي فلا حاجة لي في كلامك. فقال عمر: يا خليفة رسول اللّه، أ فلا تدخل منزلك قبل المسجد فتسبغ الوضوء؟ قال: بلى، ثمّ التفت أبو بكر إلى علي- (عليه السلام)- و قال [له]. يا أبا الحسن، اجلس إلى جانب المنبر حتى أخرج إليك. فتبسّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، ثمّ قال: يا أبا بكر، قد قلت: إنّ شيطانك لا يدعك أو يردعك، و مضى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فجلس بجانب المنبر، و دخل أبو بكر منزله و عمر معه، فقال له: يا خليفة رسول اللّه، لم لا تنبئني أمرك و تحدّثني بما دهاك به علي بن أبي طالب؟ فقال أبو بكر: ويحك يا عمر، يرجع رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- بعد موته حيّا و يخاطبني في ظلمي لعلي و بردّ حقّه عليه، و خلع نفسي من هذا الأمر. فقال [له عمر]: قصّ عليّ قصّتك من أوّلها إلى آخرها. فقال له [أبو بكر]: ويحك يا عمر، و اللّه قد قال لي علي: إنّك لا تدعني أخرج من هذه المظلمة، و إنّك شيطاني، فدعني (منك) فلم يزل يرقبه إلى أن حدّثه بحديثه من أوّله إلى آخره. فقال له: باللّه يا أبا بكر، أنسيت شعرك في أوّل شهر رمضان الذي فرض علينا صيامه حيث جاءك حذيفة بن اليمان، و سهل بن حنيف، و نعمان الأزدي، و خزيمة بن ثابت في يوم جمعة إلى دارك ليتقاضونك دينا عليك، فلمّا انتهوا إلى باب الدار سمعوا لك صلصلة في الدار فوقفوا بالباب و لم يستأذنوا عليك، فسمعوا أمّ بكر زوجتك تناشدك و تقول: قد عمل حرّ الشمس بين كتفيك، قم إلى داخل البيت، و ابتعد عن الباب، لئلّا يسمعك (أحد من) أصحاب محمد فيهدروا دمك، فقد علمت أنّ محمدا [قد] أهدر دم من أفطر يوما من شهر رمضان من غير سفر و لا مرض خلافا على اللّه و على [رسوله] محمد. فقلت لها: هات لا أمّ لك فضل طعامي من الليل، و اترعي الكأس من الخمر، و حذيفة و من معه بالباب يسمعون محاورتكما [إلى أن انتهيت في شعرك] فجاءت بصحفة فيها طعام من الليل، و قعب مملوّ خمرا، فأكلت من الصحفة، و شربت من الخمر في ضحى النهار، و قلت لزوجتك هذه الأبيات: ذريني أصطبح يا أمّ بكر فإنّ الموت نقب عن هشام و نقب عن أخيك و كان صعبا من الأقوام شريب المدام يقول لنا ابن كبشة سوف نحيا و كيف إحياءأشلاء و هام و لكن باطل ماقال هذا و إفك من زخاريف الكلام ألا هل مبلغ الرحمن عنّي بأني تارك شهر الصيام و تارك كلّ ما أوحى إلينا محمد من أساطير الكلام فقل للّه يمنعني شرابي و قل للّه يمنعني طعامي و لكن الحكيم رأى حميرا فألجمها فتاهت في اللجام فلمّا سمعك حذيفة و من معه تهجوا محمدا قحموا عليك في دارك، فوجدوك و قعب الخمر في يدك و أنت تكرعها، فقالوا: ما لك يا عدو اللّه و رسوله، و حملوك كهيئتك إلى مجمع الناس بباب رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)-، و قصّوا عليه قصّتك، و أعادوا شعرك، فدنوت منك و ساررتك و قلت لك في الضجيج: قل إنّي شربت الخمر ليلا، فثملت فزال عقلي، فأتيت ما أتيته نهارا، و لا علم لي بذلك، فعسى أن يدرأ عنك الحدّ و خرج محمد- (صلى اللّه عليه و آله)- فنظر إليك فقال: استيقظوه، فقلت: رأيناه و هو ثمل يا رسول اللّه لا يعقل. فقال: ويحك، الخمر يزيل العقل، تعلمون هذا من أنفسكم و أنتم تشربونها؟! فقلنا: نعم يا رسول اللّه، و قد قال فيها امرؤ القيس (الشاعر) شعرا: شربت الإثمحتى زال عقلي كذاك الخمر يفعل بالعقول ثمّ قال محمد: انظروه إلى إفاقته من سكرته، و أمهلوك حتى أريتهم انّك [قد] صحوت فسائلك محمد فأخبرته بما أوعزته إليك من شربك لها بالليل، فما بالك اليوم تصدّق بمحمد و بما جاء به و هو عندنا ساحر كذّاب؟! فقال: ويحك يا أبا حفص، لا شكّ عندي فيما قصصت عليّ، فاخرج إلى علي بن أبي طالب فاصرفه عن المنبر. قال: فخرج عمر و علي- (عليه السلام)- جالس بجانب المنبر. فقال: ما بالك يا علي قد تصدّيت (لها) هيهات هيهات دون و اللّه ما تروم من علوّ هذا المنبر خرط القتاد. فتبسّم أمير المؤمنين- (صلوات الله عليه)- حتى بدت نواجذه، ثمّ قال: ويلك منها يا عمر إذا أفضيت إليك، و الويل للامّة من بلائك. فقال عمر: هذه بشرى يا ابن أبي طالب صدقت ظنّي بك، و حقّ قولك، و انصرف أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إلى منزله.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر — معاجز أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام · الثاني و السبعون و أربعمائة أنّه(عليه السلام) أرى أبا بكر رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)، و أمره بردّ الولاية لأمير المؤمنين(عليه السلام