روي عن يوسف بن يحيى، عن أبيه، عن جدّه قال: رأيت رجلا بمكّة شديد السواد، له بدن و خلق غابر و هو ينادي: أيّها الناس! دلّوني على أولاد محمد، فأشار بعضهم و قال: مالك؟ قال: أنا فلان بن فلان، قالوا: كذبت إنّ فلانا كان صحيح البدن، صبيح الوجه، و أنت شديد السواد، غابر الخلق. قال: و حقّ محمد إنّي لفلان، اسمعوا حديثي، اعلموا انّي كنت جمّال الحسين- (عليه السلام)-، فلمّا أن صرنا إلى بعض المنازل، برز للحاجة و أنا معه، فرأيت تكّة لباسه، و كان أهداها له ملك فارس حين تزوّج بنت أخيه شاه زنان بنت يزدجرد، فمنعني هيبته أن أسأله إيّاها، فدرت حوله لعلّ أن أسرقها فلم أقدر عليها. فلمّا صار القوم بكربلاء، و جرى ما جرى، و صارت أبدانهم ملقاة تحت سنابك الخيل، و أقبلنا نحو الكوفة راجعين، فلمّا أن صرت إلى بعض الطريق، ذكرت التكّة فقلت في نفسي: قد خلا ما عنده. فصرت إلى موضع المعركة، فقربت منه، فإذا هو مرمّل بالدماء، قد جزّ رأسه من قفاه، و عليه جراحات كثيرة من السهام و الرماح، فمددت يدي إلى التكّة، و هممت أن أحلّ عقدها، فرفع يده و ضرب بها يدي، فكادت أوصالي و عروقي تتقطّع. ثمّ أخذ التكّة من يدي فوضعت رجلي على صدره، و جهدت جهدي لازيل إصبعا من أصابعه فلم أقدر، فأخرجت سكّينا كان معي، فقطعت أصابعه، ثم مددت يدي إلى التكة، و هممت بحلّها ثانية، فرأيت خيلا أقبلت من نحو الفرات، و شممت رائحة لم أشمّ رائحة أطيب منها. فلمّا رأيتهم قلت: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، إنّما أقبلوا هؤلاء لينظروا إلى كلّ إنسان به رمق، فصرت بين القتلى و غاب عنّي عقلي من شدّة الجزع، فإذا رجل يقدمهم، كأنّ وجهه الشمس، و هو ينادي: أنا محمد رسول اللّه، و الثاني ينادي: أنا حمزة أسد اللّه، و الثالث ينادي: أنا جعفر الطيّار، و الرابع ينادي: أنا الحسن بن علي، و كذلك عليّ. و أقبلت فاطمة و هي تبكي، و تقول: حبيبي و قرّة عيني، أبكي على رأسك المقطوع، أم على يديك المقطوعتين أم على بدنك المطروح، أم على أولادك الاسارى. ثمّ قال النبيّ- (صلى اللّه عليه و آله)-: أين رأس حبيبي و قرّة عيني الحسين؟ فرأيت الرأس في كفّ النبيّ- (صلى اللّه عليه و آله)- و وضعه على بدن الحسين، فاستوى جالسا فاعتنقه النبيّ- (صلى اللّه عليه و آله)- و بكى، ثمّ قال: يا بنيّ أراك جائعا عطشانا، ما لهم أجاعوك و أظمئوك لا أطعمهم اللّه و لا أسقاهم يوم الظمأ. ثمّ قال: حبيبي قد عرفت قاتلك، فمن قطع أصابعك؟ فقال الحسين: هذا الذي بجنبي يا جدّاه، فقيل لي: أجب رسول اللّه يا شقي فأفقت بين يديه. فقال: يا عدوّ اللّه ما حملك على قطع اصابع حبيبي و قرّة عيني الحسين؟ فقلت: يا رسول اللّه! لست ممّن أعان على قتله. قال: الذي قطع إصبعا واحدة أكبر. ثمّ قال النبي- (صلى اللّه عليه و آله)-: اخس يا عدوّ اللّه غيّر اللّه لونك، فقمت فإذا أنا بهذه الحالة، فما بقي أحد ممّن حضر إلّا لعنه و دعا عليه ألا لعنة اللّه على القوم الظالمين.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر — معاجز الإمام الحسين عليه السلام · السادس و العشرون و مائة خبر الجمّال الذي أراد سلب التكّة