الأقساممدينة المعاجزمعاجز الإمام الحسين عليه السلام
مدينة المعاجز · رقم ١١١٧

و روي: أنّ القوم الذين حملوا الرءوس و حرم رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- إلى يزيد- لعنه اللّه-، في الطريق أدركهم المساء عند صومعة راهب، فبكى عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- و أنشأ يقول: هو الزمان فلا تفنى عجائبه عن الكرام و لا تهدى مصائبه فليت شعري إلى كم ذا يحاربنا صروفه و إلى كم ذا نحاربه تسيّرونا على الأقتاب عارية و سائق العيس يحمي عنه غاربه كأنّنا من سبايا الروم بينكم و كلّما قاله المختار كاذبه كفرتم برسول اللّه ويلكم يا أمة السوء لا حلت مذاهبه قال: فلمّا جنّهم الليل ركزوا الرمح الذي عليه الرأس إلى جانب الصومعة، فلمّا عسعس الليل و أظلم، فسمع الراهب دويّا كدويّ الرعد، و تسبيحا عظيما، فأطلع رأسه لينظر فنظر نورا لامعا قد خرج من الرأس حتى لحق بعنان السماء، و عليه قناديل من نور معلّقة بالقدرة من السماء إلى الأرض. و نظر إلى أبواب في السماء قد فتحت، و الملائكة تنزل كتائب، و تنادي: السلام عليك يا با عبد اللّه، السلام عليك يا ابن رسول اللّه، و سمع تلاوة القرآن و تسبيح الجنّ، فجزع الراهب جزعا شديدا، و أدخل رأسه في فراشه، و هو يقول: يا نور النور، يا مدبّر الامور. فلمّا أصبح الصباح و همّوا على الرحيل أشرف الراهب عليهم، و قال: يا معشر الناس من عميد هذا الجيش، و المقدّم عليكم؟ فأشاروا إلى خولي بن يزيد- لعنه اللّه-، فقال له: أنت عميد قومك؟ قال: نعم. قال: سألتك باللّه و بحقّ النبيّ عليك إلّا ما أخبرتني من أين أقبلتم، و ما معكم، و ما هذا الرأس الذي معك؟ قال: أقبلنا من الكوفة، و هذا رأس خارجي، خرج بأرض العراق على الخليفة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فقتلناه و جئنا برأسه و أهله. فقال: ما اسمه؟ قال: الحسين. قال: ابن من هو؟ قال: لا أدري. فقال: سألتك باللّه و بحق صاحبك يزيد بن معاوية اخبرني رأس من هو؟ قال: رأس الحسين بن عليّ بن أبي طالب، و امّه فاطمة الزهراء. قال: و من جدّه؟ قال: محمد المصطفى، هذا ابن بنت نبيّكم معطّل الأديان، فأمسك الملعون عن الكلام، فقال لهم: قولوا لي. قالوا: الذي أخبرناك به هو الصحيح. فقال: تبّا و ما فعلتم ثمّ صفق يدا على يد و قال: لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم، يا ويلك عليك لعنة اللّه و على صاحبك. ثمّ بكى و دخل رأسه في الصومعة، و خرّ مغشيّا، فلمّا أفاق نادى: صدقت الأحبار في قولها، فقال خولي- لعنه اللّه-: و ما قالت الأحبار؟ (قال:) قالوا: يقتل في هذا الوقت نبيّ أو ابن نبي أو وصيّ نبيّ، و انّه اذا قتل، تمطر السماء دما، و لا يبقى حجر و لا مدر إلّا و يصير تحته دم عبيط. ثمّ قال: وا عجباه من أمّة قتلت ابن بنت نبيّها، و هم يقرءون القرآن الذي نزل على نبيّهم، لقد تفرّقت اهواءكم كتفرّق أهواء بني إسرائيل، في مثل هذا اليوم، تقتل أمّة محمد- (صلى اللّه عليه و آله)- أولاده مع قرب العهد و الإسلام غضّ طريّ، وا عجباه من قوم قتل ابن دعيّهم، ابن نبيّهم. ثمّ قال: يا خولي! هل لك أن تدفع لي هذا الرأس و اعيده إليك؟ قال: مالي إلى ذاك من سبيل، و ما كنت بالذي أكشف وجهه إلّا بين يدي يزيد- لعنه اللّه- لآخذ من الجائزة. قال الراهب: و كم تأمّل من الجائزة؟ قال: بدرة فيها عشرة آلاف درهم. فقال الراهب: أنا أعطيك بدرة فيها عشرة آلاف درهم، و ادفع لي الرأس. فقال: على شرط انّك تردّه إلينا. فقال: نعم. قال: احضر ما ذكرت، فدلّى إليه البدرة و دفعوا إليه الرأس. فلمّا أخذه الراهب، انكبّ عليه، و جعل يمسح وجهه و يقبّل ثناياه، و هو ينشد و يقول: قل لمن خان حسينا: أجهلت اليوم حتى لم تكن تعرف من هو سوف تجزى ما علمتا إن تكن من دين عيسى فعلى الخير وفقتا سوف تجزون جحيما ليس من جرمك تبتا: ثمّ انّ الراهب قال: لعن اللّه ظالمك، لعن اللّه قاتلك، يعزّ عليّ يا أبا عبد اللّه أن لا أكون أوّل شهيد استشهد بين يديك، و لكن إذا لقيت جدّك رسول اللّه فاقرأه عنّي السلام و أخبره أنّي أقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و اشهد انّ جدّك محمدا عبده و رسوله. ثمّ انّه أشرف على القوم و دفع الرأس إليهم، و قال: يا ويلكم لقد اخترتم المال و الدنيا الفانية على الآخرة، و نسيتم الموت، و الحساب، و استحوذ عليكم الشيطان، فتبا لكم، و أمثالكم، أنتم تصومون رمضان و تصلّون الصلوات الّتي سنّها اللّه تعالى و رسوله، و قد قتلتم ولده و قد تبرّيتم منه، و اللّه لا لقيتم أنتم و لا صاحبكم خيرا، فويل لكم ﴿‏يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ‏﴾ فلم يعبئوا بكلامه، ثمّ بكى بكاء شديدا و جعل يقول: قل لمن للوصيّ بالجهل سبّا تبّا لك يا لعين ما زلت تبّا ما تعرّضت للوصيّ بشتم و قتال و أنت تعرف ربّا أنت عبد المسيح لا غير أنّي لعليّ الوصي أعمل حبّا و جلسوا يقسّمون المال، فحوّلها اللّه في أيديهم حجارة سوداء، عليها مكتوب: ﴿‏وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏﴾، فقال لهم خولي: اكتموا هذا الأمر، و إلّا فهو عار عليكم و فضيحة إلى آخر الدهر، فإنّه أمر شنيع لقد استزلّنا الشيطان و أغوانا. قال سهل: فبينا نحن سائرون و إذا بهاتف، يقول: أ ترجو أمّة قتلت حسينا شفاعة جدّه يوم الحساب و قد غضبوا النبيّ و عاندوه و لم يخشوه في يوم العذاب ألا لعن الإله بني زياد و أسكنهم جهنّم في عذاب قال: فلمّا سمعوا ذلك، فزعوا فزعا شديدا، و ساروا و نزلوا عشيّتهم بباب دمشق. ثمّ انّ خولي بن يزيد- لعنه اللّه- أنفذ إلى يزيد رسولا، فمضى الرسول إلى دمشق فاستأذن على يزيد حين ورد عليه، و قال: أقرّ اللّه عين الأمير. فقال يزيد: بما ذا؟ قال: بقدوم رأس الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- هو و حريمه. فقال يزيد: لا أقرّ اللّه لك عينا و قطع يديك و رجليك، و طرح الكتاب و خرج. فلمّا قرأ يزيد الكتاب، عضّ على أنامله، و قال: مصيبة و ربّ الكعبة و جعل لا يقرأه أحد إلّا و يقول: مصيبة و ربّ الكعبة، حتى وقع الكتاب في يد مروان بن الحكم- لعنه اللّه-، قال: فتبسّم ضاحكا فرحا مسرورا و قال: يا ويلكم يصنع اللّه ما هو صانع. قال: فعند ذلك انتزع الإيمان من قلب يزيد و أمر بالجيش، فعبّاه مائة و عشرين راية و أمرهم أن يستقبلوا رأس الحسين- (عليه السلام)-، و أن يدخل من باب جيرون إلى باب توما. و أقبلت الرايات من تحتها التكبير و التهليل، و إذا من تحتها هاتف يقول: جاءوا برأسك يا بن بنت محمد بدمائه مترمّلا ترميلا و يكبّرون إذا قتلت و إنّما قتلوا بك التكبير، و التهليلا لا يوم أعظم حسرة من يومه إذ صار رهنا للمنون قتيلا و كأنّما بك يا بن بنت محمد قتلوا جهارا عامدين رسولا قتلوك عطشانا و لم يرتقبوا في قتلك التأويل و التنزيلا فابكوا لمن قتلوا هناك و هتّكوا يا أهل بيت الجود و التفضيلا يا من إذا عظم العزاء عليهم كان البكاء حزنا عليه طويلا قال سهل: و تبعت الناس لأنظر من أين يدخلون بالرأس، فأتوا به إلى باب توما، فازدحم الناس، و لم يمكنهم الدخول فعدلوا إلى باب الكراديس، و إنّما سمّي بذلك، لانهم تكردسوا فيه، و اجازه إلى باب الساعات و سمّي بذلك، لأنّهم وقفوا بالرأس عنده ثلاث ساعات. و أقبلت الرايات يتلو بعضها بعضا، و إذا بفارس بيده رمح طويل و عليه رأس وجهه أشبه بوجه رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- و هو يتهلهل نورا، كأنّه البدر الطالع، و من ورائه النساء على أقتاب الجمال بلا وطاء و لا غطاء، على الأوّل أمّ كلثوم، و هي تنادي: وا أخاه، وا سيّداه، وا محمداه، وا عليّاه! و رأيت نسوة مهتكات، فجعلت انظر إليهنّ متأسفا، فأقبلت جارية على بعير، بغير وطاء و لا غطاء، عليها برقع خزّ، و هي تنادي: يا أخي، يا خالي، يا أبي، يا جدّي، يا جدّتي، وا محمّداه، وا عليّاه، وا حسيناه، وا عبّاساه، هلكت عصابة محمد المصطفى، على يدي أبي سفيان و عتبة. قال سهل: فجعلت أنظر إليها، فصاحت بي صيحة عظيمة، و قالت: ويلك يا شيخ أ ما تستحي من اللّه تتصفّح وجوه بنات رسول اللّه؟! فقلت: و اللّه يا مولاتي ما نظرت إليكم إلّا نظر حزن و أنا مولى من مواليكم. فقالت: من أنت؟ فقلت: أنا سهل بن سعد، قد رأيت جدّك رسول اللّه من أنت رحمك اللّه؟ قالت: أنا سكينة بنت الحسين. ثمّ التفتّ، فرأيت زين العابدين، فبكيت، و قلت: يا مولاي أنا من شيعتكم، و قد استمنيت أن أكون أوّل قتيل قتل بين يدي أبيك هل من حاجة؟ فقال: معك شيء من المال؟ قلت: نعم، ألف دينار و ألف درهم، فقال: ادفع منها شيئا إلى حامل الرأس، و سله أن يبعد الرأس من بين يدي الحرم، فتشتغل الناس بالنظر إليه عن حرم رسول اللّه، و أن يحملنا في طريق قليل النظّارة، فقد اوذينا من أوغاد الناس. قال سهل: ففعلت ذلك بالقائد، فأمر في جواب سؤالي، أن يحمل الرءوس على الرماح في أوساط المحامل، بغيا منه و كفرا، و سلك بهم بين النظّارة، و أقبل عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)-، و هو مقيّد على بعير بغير وطاء و لا غطاء قد أنهكته العلّة، فلمّا نظر إلى الناس و اجتماعهم بكى بكاء شديدا و جعل يقول: اقاد ذليلا في دمشق كأنّني من الزنج عبد غاب عنه نصيره و جدّي رسول اللّه في كلّ مشهد و شيخي أمير المؤمنين وزيره فيا ليت لم أنظر دمشقا و لم أكن يراني يزيد في البلاد أسيره قال سهل: و نظرت إلى روشن هناك، عليه خمس نسوة بينهنّ عجوز محدوبة لها من العمر ثمانون سنة، فلمّا صار الرأس بازاء الروشن، و ثبت العجوز، و أخذت حجرا فضربت به رأس الحسين، فقلت: اللهمّ اهلكها يا ربّ و اهلك من معها، فما استتمّ كلامي حتى سقط بهنّ الروشن فهلكت و هلك من فيه، و هلك تحته خلق كثير.

مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر — معاجز الإمام الحسين عليه السلام · الحادي و الخمسون و مائة انتقام آخر

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.