و روي هذا الحديث بزيادة، عن هند بنت الجون (الخزاعية) قالت: نزل رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- بخيمة خالتي أمّ معبد (الخزاعية)- (رضي الله عنها)- و معه أصحاب له [فكان من أمره في الشاة ما قد عرفه الناس] فرقد في الخيمة هو و أصحابه، حتّى أبردوا و كان يوما قائظا شديدا حرّه، فلما قام من رقدته دعا بماء فغسل يديه، فأنقاهما، ثمّ تمضمض و مجّه على عوسجة كانت بجانب خيمة خالتها ثلاث مرات، و استنشق ثلاثا، ثم غسل وجهه و ذراعيه ثم مسح برأسه و رجليه و قال لهذه العوسجة شأن ثم فعل من كان معه من أصحابه مثل ذلك ثم قام فصلّى ركعتين، فتعجبت و فتيات الحي من ذلك، و ما كان عهدنا و لا رأينا مصليا قبله، ثم ارتحل. فلمّا كان في الغداة أصبحنا و قد علت العوسجة حتى صارت كاعظم دوحة عارية و أبهى و خضد اللّه شوكها و ساخت عروقها، و كثرت أفنانها و اخضر ساقها و ورقها، ثم أثمرت بعد ذلك، و أينعت بثمر كأعظم ما يكون من الكمأة في لون الورس المسحوق و رائحة العنبر و طعم الشهد، و اللّه ما أكل منها جائع إلّا شبع و لا ظمان إلّا روي و لا سقيم إلّا برء و لا ذو حاجة و فاقة إلّا استغني، و لا أكل من ورقها بعير و لا ناقة و لا شاة إلّا سمنت و در لبنها و رأينا البركة و النماء في أموالنا منذ يوم نزل رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- و أخضبت بلادنا و أمرعت، فكنا نسمي تلك الشجرة «المباركة» و كان يأتينا من حولنا من أهل البوادي، يستظلّون بها، و يتزودون من ورقها [في الأسفار] و يحملونه معهم إلى الأرض القفار، فيقوم لهم مقام الطعام و الشراب فلم تزل كذلك، و على ذلك، فاصبحنا ذات يوم و قد تساقط ورق الشجرة و ثمرها فاحزننا ذلك و فزعنا له و علمنا أن ذلك الامر عظيم، فما كان إلّا قليلا حتّى جاء نعي رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- فاذا هو قد قبض في ذلك اليوم، فكانت بعد ذلك تثمر ثمرا دون ذلك في العظم و الطعم و الرائحة، فاقامت على ذلك ثلاثين سنة. فلمّا كان ذات يوم أصبحنا فاذا بها قد تشوّكت من أولها إلى آخرها و ذهبت نضارة عيدانها، و تساقط جميع ورقها و ثمرها، و اصفر ساقها فعلمنا انه لسبب فما كان إلّا يسيرا فوصل الخبر بقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- (عليه السلام)- فما أثمرت بعد ذلك لا قليلا و لا كثيرا فانقطع ثمرها فلم نزل و من حولنا نأخذ من ورقها لنداوي بها مرضانا و نستشفي به من أسقامنا، فأقامت على ذلك برهة طويلة. ثم أصبحنا ذات يوم فاذا بها قد انبعت من ساقها دما عبيطا جاريا و ورقها ذابلة تقطر دما كماء اللحم، فقلنا: أن قد حدث عظيمة فبتنا ليلتنا فزعين مهمومين نتوقع الداهية، فلمّا أظلم الليل علينا سمعنا بكاء و عويلا من تحتها و جلبة شديدة و رجّة، و سمعنا صوت باكية تقول: أيا بن النبيّ و يا ابن الوصيّ و يا من بقية ساءتنا الاكرمينا ثم كثرت الرنات و الاصوات فلم نفهم كثيرا ممّا كانوا يقولون، فاتانا بعد ذلك مقتل الحسين- (عليه السلام)- فيبست الشجرة و جفت و كسرت بالرياح و الامطار بعد ذلك و ذهبت و اندرس اثرها. قال عبد اللّه بن محمد الانصاري: فلقيت دعبل بن علي الخزاعيّ بمدينة الرسول- (صلى اللّه عليه و آله)- فحدّثته بهذا الحديث فلم ينكر، و قال: حدّثني أبي عن جديّ، عن امّه سعيدة بنت مالك الخزاعية، أنّها أدركت تلك الشجرة فأكلت من ثمرها على عهد عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و أنّها سمعت تلك الليلة نوح الجنّ فحفظت من جنيّة منهنّ: يا ابن الشهيد و يا شهيدا عمّه خير العمومة جعفر الطيّار عجبا لمصقول أصابك حدّه في الوجه منك و قد علاك غبار قال دعبل: فقلت في قصيدة لي تشتمل على هذين البيتين: زر خير قبر بالعراق يزار و اعص الحمار فمن نهاك حمار لم لا أزورك يا حسين لك الفداء قومي و من عطفت عليه نزار و لك المودّة في قلوب ذوي النهى و على عدوّك مقتة و دمار يا ابن الشهيد و يا شهيدا عمه خير العمومة جعفر الطيّار عجبت لمصقول اصحابك حدّه في الوجه منك و قد علاه غبار 1218/ 271- و عن أمّ سلمة، قالت: كان رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- ذات يوم عندي، و قد حمى الوطيس، و قد دخل إلى بيتي، و فرشت له حصيرا إذ انطرح متكئا، فجاء الحسين- (عليه السلام)- فدخل و هو ملقى على ظهره. فقال: هنا يا حسين، فوقع على صدره، و جعل يلاعبه و هو يسيح على بطنه. قالت أمّ سلمة: فنظرت من شق الباب، و هو على صدره يلاعبه، فقلت: لا حول و لا قوة إلّا باللّه! يوم صدر المصطفى و يوم وجه الثرى، إنّ هذا لعجب. قالت: ثم غبت عنه ساعة، و عدت إلى الباب فرأيت النبي- (صلى اللّه عليه و آله)- و هو مغموم، و قد غمض عينيه عنه، و في وجهه نوع من العبوس، فقلت لا شك إنّ الحسين- (عليه السلام)- قد شطّ على النبيّ- (صلى اللّه عليه و آله)- لصبوته، فدخلت عليه و في يده شيء ينظر إليه و هو يبكي، فقلت بأبي و امّي جعلت فداك يا رسول اللّه! مالي أراك باكيا حزينا ما الخبر؟ قال: إن جبرئيل- (عليه السلام)- نزل عليّ في هذه الساعة، و أخبرني إن ولدي هذا سيقتل، فقلت: و كيف و اين؟ قال: بعد أبيه و امّه في أرض، تسمى كربلا، و إن اخترت أن اريك من ترابها قبضة، فغاب عنّي و جاءني بهذه القبضة، و قال: هذا من تربته، قال: خذيها و احفظيها عندك في تلك الزجاجة، و انظري إليها، فاذا رايتها قد صارت دما عبيطا، فاعلمي أنّ ولدي الحسين- (عليه السلام)- في تلك الساعة قد قتل. قالت أمّ سلمة ففعلت ما أمرني، و علقتها في جانب البيت، حتى قبض النبي- (صلى اللّه عليه و آله)- و جرى ما جرى فلمّا خرج الحسين- (عليه السلام)- من المدينة إلى العراق أتيته لأودّعه، فقال يا أمّ سلمة توصى في الزجاجة، فبقيت أترقبها و انظر فيها اليوم المرتين و الثلاث، فلمّا كان يوم العاشر من المحرم قرب الزوال أخذتني سنة من النوم، فنمت هنيئة فرأيت رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- في منامي، و إذا هو أشعث أغبر و على كريمته الغبار و التراب. فقلت: بابي و امّي مالي أراك يا رسول اللّه مغبرا أشعث ما هذا الغبار و التراب الذي أراه على كريمتك و وجهك؟ فقال لي: يا أمّ سلمة لم أزل هذه الليلة أحفر قبر ولدي الحسين- (عليه السلام)-، و قبور أصحابه و هذا أوان فراغي من تجهيز ولدي الحسين- (عليه السلام)- و أصحابه، قتلوا بكربلاء، فانتبهت فزعة مرعوبة، و قمت، فنظرت إلى القارورة، و إذا بها دما عبيطا، فعلمت أنّ الحسين- (عليه السلام)- قد قتل قالت: و اللّه ما كذبني الوحي و لا كذبني رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- قالت: فجعلت أصيح وا ابناه وا قرة عيناه وا حبيباه وا حسيناه وا ضيعتاه بعدك يا ابا عبد اللّه! قالت: حتّى اجتمع الناس عندي، فقالوا: ما الخبر، فاعلمتهم، فجعلوا ينادون وا سيداه وا مظلوماه و اللّه ما كذبت، فأرّخ ذلك اليوم، فكان يوم قتل الحسين- (عليه السلام)-. قالت فلما كان السحر سمع أهل المدينة نوح الجنّ على الحسين- (عليه السلام)- و جاءت منهم جنية تقول: ألا يا عين فانهملي بجهدي فمن يبكي على الشهداء بعدي على رهط تقودهم المنايا إلى متكبر في الملك و غد فاجابتها جنية اخرى: مسح النبيّ جبينه و له بريق في الخدود أبواه من أعلى قريش و جده خير الجدود زحفوا عليه بالقنا شرّ البرية و الوفود قتلوه ظلما ويلهم سكنوا به نار الخلود فلما سمع أهل المدينة ذلك حثوا التراب على رءوسهم، و نادوا وا حسيناه وا ابن بنت نبياه و مضوا إلى قبر رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- يعزونه بولده الحسين- (عليه السلام)- ثم إنّهم أقاموا عزاه ثلاثة أيّام. قالت أمّ سلمة فلمّا كان الليل طار رقادي و كثر سهادي، و أنا متفكرة في أمر الحسين- (عليه السلام)-، فبينما انا كذلك و اذا بقائل يقول: إنّ الرماح الواردين صدورها دون الحسين تقاتل التنزيلا فكانما بك يا ابن بنت محمد قتلوا جهارا عامدين رسولا 1219/ 272- و روي أيضا، عن أمّ سلمة قالت: كان رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- ذات يوم معي، فبينما هو راقد على الفراش، جاعلا رجله اليمنى على اليسرى، و هو على قفاه، و اذا بالحسين- (عليه السلام)-، و هو ابن ثلاث سنين و أشهر، أتى إليه، فلمّا رآه- (صلى اللّه عليه و آله)- قال: مرحبا بقرّة عيني و ثمرة فؤادي، و لم يزل يمشي حتى ركب على صدر جده فأبطأ، فخشيت أن النبي- (صلى اللّه عليه و آله)- قد تعب و أحببت أن انحيه عن صدره، فقال: دعيه يا أمّ سلمة! متى ما أراد الانحدار ينحدر، و اعلمي أن من آذى منه شعرة فقد آذاني. قالت: فتركته و مضيت، فما رجعت إلّا و رسول اللّه يبكي، فعجبت من ذلك بعد الضحك و الفرح، فقربت منه، و قلت: يا رسول اللّه! ما يبكيك لا أبكى اللّه عينيك؟ و هو ينظر شيئا بيده و يبكي. قال: ما تنظرين؟ فنظرت، و اذا بيده تربة، فقلت: ما هي؟ قال: أتاني بها جبرئيل هذه الساعة، و قال: يا رسول اللّه! هذه طينة من [أرض] كربلا، و هي طينة ولدك الحسين- (عليه السلام)- و تربته التي يدفن فيها، فصيّرتها عندك في قارورة، فاذا رايتها قد صارت دما عبيطا، فاعلمي أن ولدي الحسين- (عليه السلام)- قد قتل، و سيصير ذلك (من) بعدي و بعد أمه و أبيه و اخيه. قالت: فبكيت و أخذتها من يده، و أتمرت بما أمرني به، فاذا لها رائحة كالمسك الأذفر، فما مضت الأيام و السنون إلّا و قد سافر الحسين- (عليه السلام)- إلى أرض كربلاء، فحسّ قلبي بالشرّ فصرت كل يوم أتعاهد القارورة فبينما أنا كذلك و إذا بالقارورة [انقلبت] دما عبيطا، فعلمت أن الحسين- (عليه السلام)- قد قتل، فجعلت أنوح و أبكي يومي كله إلى الليل، و لم آتهن بطعام (و لا شراب) و لا منام إلى طائفة من الليل، فأخذني النعاس، و إذا [أنا] بالطيف برسول اللّه مقبل و على رأسه و لحيته تراب كثير، فجعلت انفضه و أبكي و أقول: نفسي لنفسك الفداء متى اهملت نفسك هكذا يا رسول اللّه! من أين لك هذا التراب؟ قال: هذه الساعة فرغت من دفن ولدي الحسين- (عليه السلام)-. قالت أمّ سلمة: فانتبهت مرعوبة لم أملك نفسي فصحت وا حسيناه وا ولداه وا مهجة قلباه حتى علا نحيبي، فاقبلت إليّ نساء المدينة الهاشميات و غيرهن، و قلن: ما الخبر يا أم المؤمنين!؟ فحكيت لهنّ القصة فعلى النحيب و الصراخ و قام النيّاح، فصار ذلك اليوم كيوم مات فيه رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- و سعين إلى قبره، مشققات الجيوب و مفجوعات لفقد المحبوب، فصحن يا رسول اللّه! قتل الحسين فو اللّه الذي لا إله إلّا هو لقد حسسنا كأن القبر، يموج بصاحبه حتى تحركت الأرض تحتنا فخشينا انها تسيخ بنا فافترقنا بين مشقوق جيبها و منشور شعرها و باكية عينها.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر — معاجز الإمام الحسين عليه السلام · الحادي و الثمانون و مائة: فيما استدل به على قتل الحسين(عليه السلام) في البلدان