عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ(عليه السلام)بَعَثَ جَبْرَئِيلَ(عليه السلام)فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقَبَضَ بِيَمِينِهِ قَبْضَةً بَلَغَتْ قَبْضَتُهُ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَ أَخَذَ مِنْ و هؤلاء إلى الأولياء، و ما خلقوا منه في الأول طينة النار و في الثاني طينة الجنة. الحديث السادس: ضعيف. و المراد فضل طينتهم. الحديث السابع: ضعيف. قوله: في أول ساعة" إلخ" قيل: لما كان خلق آدم (عليه السلام) بعد خلق السماوات و الأرض ضرورة تقدم البسيط على المركب، و كان خلق السماوات و الأرض و أقواتها في ستة أيام من الأسبوع و قد جمعت جميعا في الجمعة صار بدو خلق الإنسان فيه، و المراد بكلمته جبرئيل لأنه حامل كلمته أو لاهتداء الناس به كاهتدائهم بكلام الله أو لكونه مخلوقا بكلمة كن بلا مادة، و قيل: المراد بالسماوات درجات الجنة و بالأرضين دركات سجين ليطابق الأخبار الأخر، و يحتمل أخذها منهما معا، و قيل: كان المراد بالتربة ما له مدخل في تهيئة المادة القابلة لأن يخلق منها شيء فيشمل الطينة بمعنى الجبلة و آثار القوى السماوية المربية للنطفة، و بالجملة ما له مدخل في السبب القابلي، انتهى. و قيل: إطلاق التربة على ما أخذ من السماوات من قبيل مجاز المشارفة أي ما يصير تربة و ينقلب إليها، و القصوى مؤنث الأقصى أي الأبعد، و يدل على أن الأرض سبع طبقات كالسماوات كما قال تعالى:" اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ كُلِّ سَمَاءٍ تُرْبَةً وَ قَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى مِنَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ الْقُصْوَى فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ كَلِمَتَهُ فَأَمْسَكَ الْقَبْضَةَ الْأُولَى بِيَمِينِهِ وَ الْقَبْضَةَ الْأُخْرَى بِشِمَالِهِ فَفَلَقَ الطِّينَ فِلْقَتَيْنِ فَذَرَا مِنَ الْأَرْضِ ذَرْواً وَ مِنَ السَّمَاوَاتِ ذَرْواً فَقَالَ لِلَّذِي بِيَمِينِهِ مِنْكَ الرُّسُلُ وَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَوْصِيَاءُ وَ الصِّدِّيقُونَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ السُّعَدَاءُ وَ مَنْ أُرِيدُ كَرَامَتَهُ فَوَجَبَ لَهُمْ مَا قَالَ كَمَا قَالَ وَ قَالَ لِلَّذِي بِشِمَالِهِ مِنْكَ الْجَبَّارُونَ مِثْلَهُنَّ". قوله (عليه السلام): ففلق الطين فلقتين، ضمير فلق إما راجع إلى الله أو إلى جبرئيل، و كذا قوله: فذرأ، و في القاموس فلقه يفلقه شقه كفلقه و فالق الحب خالقه أو شاقه بإخراج الورق منه، و قال: ذرت الريح الشيء ذروا و أذرته و ذرته أطارته و أذهبته و ذرأ هو بنفسه. أقول: الكلام يحتمل وجوها" الأول" أن يكون قوله: ففلق تفريعا و تأكيدا لما مضى، أي فصار يقبض بعض الطين باليمين و بعضه بالشمال الطين صنفين، ففرق من الأرض أي ما كان في يده من طين الأرض، و كذا الثاني فقال الله أو جبرئيل للذي بيمينه قبل الذر أو للذي كان بيمينه بعده. الثاني: أن يكون المعنى ففلق كل طين من الطينين فلقة أي جعل كلا منهما حصتين ففرق من كل طين حصة ليكون طينة للمستضعفين و الأطفال و المجانين، و قال لما بقي في اليمين: منك الرسل" إلخ" و لما بقي في الشمال: منك الجبارون" إلخ" و على هذا لعل إرجاع الضمائر إلى الله تعالى أولى، فيقرأ أريد في الموضعين بصيغة المتكلم، و على الوجه الآخر يقرأ بصيغة الغائب المجهول. الثالث: ما ذكره بعض الأفاضل حيث قال: كان الفلق كناية عن إفراز ما يصلح من المادتين لخلق الإنسان، و إنما ذرأ من كل منهما ما ذرأ لأنه كان فيهما ما ليس له مدخل في خلق الإنسان و إنما كان مادة لسائر الأكوان خاصة. وَ الْمُشْرِكُونَ وَ الْكَافِرُونَ وَ الطَّوَاغِيتُ وَ مَنْ أُرِيدُ هَوَانَهُ وَ شِقْوَتَهُ فَوَجَبَ لَهُمْ مَا قَالَ كَمَا قَالَ ثُمَّ إِنَّ الطِّينَتَيْنِ خُلِطَتَا جَمِيعاً وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّ اللّٰهَ فٰالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوىٰ فَالْحَبُّ طِينَةُ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهَا مَحَبَّتَهُ وَ النَّوَى طِينَةُ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ نَأَوْا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ النَّوَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ نَأَى عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وَ تَبَاعَدَ عَنْهُ وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ قوله (عليه السلام): ثم إن الطينتين خلطتا، أي ما كان في اليدين أو جميع الطينتين المذروء منهما و غير المذروء، و قوله (عليه السلام): فالحب طينة المؤمنين، هذا بطن من بطون الآية و على هذا التأويل المراد بالفلق شق كل منهما و إخراج الآخر منه أو شق كل منهما عن صاحبه أو خلقهما" من أجل أنه نأى" كان مناسبة نأى و نوى من جهة الاشتقاق الكبير المبني على توافق بعض حروف الكلمتين فإن الأول مهموز الوسط و الثاني من المعتل، و يحتمل أن يكون أصل المهموز من المعتل أو بالعكس و يؤيد أن صاحب المصباح المنير و الراغب في المفردات ذكرا نأى في باب النون مع الواو، أو يقال ليس الغرض بيان الاشتقاق بل بيان أن النوى بمعنى البعد، و ذكر نأى لتناسب اللفظين فإن الواوي أيضا يطلق بهذا المعنى، قال في القاموس: النية الوجه الذي يذهب فيه و البعد كالنوى فيهما" انتهى". و الآية في سورة الأنعام هكذا:" إِنَّ اللّٰهَ فٰالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوىٰ" قال في مجمع البيان: أي شاق الحبة اليابسة الميتة فيخرج منه النبات و شاق النواة اليابسة فيخرج منها النخل و الشجر، و قيل: معناه خالق الحب و النوى و منشإهما و مبدئهما، و قيل: المراد به ما في الحبة و النواة من الشق، و هو من عجيب قدرة الله تعالى في استوائه. " يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ" أي يخرج النبات الغض فَالْحَيُّ الْمُؤْمِنُ الَّذِي تَخْرُجُ طِينَتُهُ مِنْ طِينَةِ الْكَافِرِ وَ الْمَيِّتُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْحَيِّ هُوَ الْكَافِرُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ طِينَةِ الْمُؤْمِنِ فَالْحَيُّ الْمُؤْمِنُ وَ الْمَيِّتُ الْكَافِرُ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ- أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ فَكَانَ مَوْتُهُ اخْتِلَاطَ طِينَتِهِ مَعَ طِينَةِ الْكَافِرِ الطري الخضر من الحب اليابس، و يخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي عن الزجاج و العرب تسمى الشجرة ما دام غضا قائما بأنه حي، فإذا يبس أو قطع أو قلع سموه ميتا. و قيل: معناه يخلق الحي من النطفة و هي موات، و يخلق النطفة و هي موات من الحي عن الحسن و غيره، و هذا أصح، و قيل: معناه يخرج الطير من البيض و البيض من الطير عن الجبائي، و قيل: يخرج المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن. ثم قال سبحانه في هذه السورة أيضا:" أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّٰاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمٰاتِ لَيْسَ بِخٰارِجٍ مِنْهٰا". قال الطبرسي: أ و من كان ميتا أي كافرا فأحييناه بأن هديناه إلى الإيمان عن ابن عباس و غيره، شبه سبحانه الكفر بالموت و الإيمان بالحياة، و قيل: معناه من كان نطفة فأحييناه و جعلنا له نورا، المراد بالنور العلم و الحكمة أو القرآن أو الإيمان، و بالظلمات ظلمات الكفر، و إنما سمي الله الكافر ميتا كأنه لا ينتفع بحياته و لا ينتفع غيره بحياته فهو أسوأ حالا من الميت إذ لا يوجد من الميت ما يعاقب عليه، و لا يتضرر غيره به، و سمي المؤمن حيا لأنه له و لغيره المصلحة و المنفعة في حياته و كذلك سمي الكافر ميتا و المؤمن حيا في عدة مواضع، مثل قوله:" إِنَّكَ لٰا تُسْمِعُ الْمَوْتىٰ" و" لِيُنْذِرَ مَنْ كٰانَ حَيًّا" و قوله:" وَ مٰا يَسْتَوِي الْأَحْيٰاءُ وَ لَا الْأَمْوٰاتُ" وَ كَانَ حَيَاتُهُ حِينَ فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَيْنَهُمَا بِكَلِمَتِهِ كَذَلِكَ يُخْرِجُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمُؤْمِنَ فِي الْمِيلَادِ مِنَ الظُّلْمَةِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهَا إِلَى النُّورِ وَ يُخْرِجُ الْكَافِرَ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلْمَةِ و سمي القرآن و العلم و الإيمان نورا لأن الناس يبصرون بذلك، و يهتدون به من ظلمات الكفر و حيرة الضلالة، كما يهتدى بسائر الأنوار، و سمي الكفر ظلمة لأن الكافر لا يهتدي بهداه و لا يبصر أمر رشده" انتهى". و أقول: على التأويل المذكور في الخبر و أكثر التفاسير المذكورة قوله تعالى: " يُخْرِجُ الْحَيَّ" بيان لقوله" فٰالِقُ الْحَبِّ". قوله: حين فرق الله بينهما بكلمته، أي بقدرته أو بأمر كن، أو بجبرئيل، و التفريق في الميلاد أو في الطينة، و الأول أظهر، فقوله: كذلك، تشبيه الإخراج من الظلمات إلى النور و بالعكس بإخراج الحي من الميت و بالعكس، في أن المراد فيهما إخراج طينة المؤمن من طينة الكافر و بالعكس، و ليس المراد تأويل تتمة تلك الآية أعني قوله سبحانه:" أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً"" إلخ" فإنه لم يذكر فيها إخراج الكافر من النور إلى الظلمة، بل فيها أنه في الظلمات ليس بخارج منها بل هو إشارة إلى قوله تعالى:" اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ" الآية، و لا ينافيه قوله (عليه السلام): و يخرج الكافر، مع أن في الآية نسب الإخراج إلى الطاغوت لأن لخذلانه سبحانه مدخلا في ذلك، مع أنه يمكن أن يقرأ على بناء المجرد المعلوم، أو على بناء المجهول، و ما قيل: من أنه يظهر من هذا الحديث أن إخراج المؤمن من الكافر و بالعكس في وقتين تفريق الطين و وقت الولادة فليس بظاهر كما عرفت. ثم استشهد (عليه السلام) لإطلاق الحياة على الإيمان أو كونه من طينة مقربة له بقوله سبحانه:" لِيُنْذِرَ مَنْ كٰانَ حَيًّا" أي كان من طينة الجنة على تأويله (عليه السلام)، قال الطبرسي: أي أنزلناه ليخوف به من معاصي الله من كان مؤمنا لأن الكافر كالميت بل أقل من الميت أو من كان عاقلا كما روي عن علي (عليه السلام) و قيل: من كان حي القلب بَعْدَ دُخُولِهِ إِلَى النُّورِ- وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ- لِيُنْذِرَ مَنْ كٰانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكٰافِرِينَ حي البصر" وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكٰافِرِينَ" أي يجب الوعيد و العذاب على الكافرين بكفرهم. و أقول: على تأويله (عليه السلام) يحتمل أن يكون المراد بالقول ما مر من قوله سبحانه: منك الجبارون و المشركون و الكافرون" إلخ". فذلكة اعلم أن ما ذكر في هذا الباب و في بعض الأبواب الآتية من متشابهات الأخبار و معضلات الآثار، و مما يوهم الجبر و نفي الاختيار و لأصحابنا (رضوان الله عليهم) فيها مسالك: الأول: ما ذهب إليه الأخباريون و هو أنا نؤمن بها مجملا و نعترف بالجهل عن حقيقة معناها و عن أنها من أي جهة صدرت و نرد علمه إليهم (عليه السلام). الثاني: أنها محمولة على التقية لموافقتها لروايات العامة و مذاهب الأشاعرة الجبرية و هم جلهم. الثالث: أنه كناية عن علمه تعالى بما هم إليه صائرون فإنه سبحانه لما خلقهم و كان عند خلقهم عالما بما يصيرون إليه فكأنه خلقهم من طينات مختلفة. الرابع: أنها كناية عن اختلاف استعداداتهم و قابلياتهم و هذا أمر بين لا يمكن إنكاره، فإنه لا يريب عاقل في أن النبي (صلى الله عليه و آله) و أبا جهل ليسا في درجة واحدة من الاستعداد و القابلية، و هذا لا يستلزم سقوط التكليف فإن الله تعالى كلف النبي (صلى الله عليه و آله) بقدر ما أعطاه من الاستعداد و القابلية لتحصيل الكمالات و كلفه ما لم يكلف أحدا مثله، و كلف أبا جهل ما في وسعه و طاقته، و لم يجبره على شيء من الشر و الفساد. الخامس: أنه لما كلف الله تعالى الأرواح أولا في الذر و أخذ ميثاقهم فاختاروا الخير و الشر باختيارهم في ذلك الوقت، و تفرع اختلاف الطينة على ما اختاروه باختيارهم كما دلت عليه بعض الأخبار فلا فساد في ذلك.
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ طِينَةِ الْمُؤْمِنِ وَ الْكَافِرِ