الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ مَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ قَالَ كُنْ مَاءً باب آخر منه و فيه زيادة وقوع التكليف الأول أقول: إنما أفرد لتلك الأخبار بابا لاشتمالها على أمر زائد لم يكن في الأخبار السابقة رعاية لضبط العنوان بحسب الإمكان. الحديث الأول: موثق كالصحيح. " لما اختلف اثنان" أي في مسألة الاستطاعة و الاختيار و الجبر، أو لما تنازع اثنان في أمر من أمور الدين لاختلاف إفهامهم و قابلياتهم و طينهم، و لما بالغوا في هداية الخلق" كن ماءا عذابا" أمر تكويني أو استعارة تمثيلية لبيان علمه تعالى باختلاف مواد الخلق و استعداداتهم و ما هم إليه صائرون و في القاموس: ماء أجاج ملح مر، و قال أديم النهار عامته أو بياضه، و من الضحى أوله و من السماء و الأرض ما ظهر و قال: عركه دلكه و حكه حتى عفاه و قال: الذر صغار النمل و مائة منها زنة حبة شعير، الواحدة ذرة، و قال: دب يدب دبا و دبيبا: مشى على هنيئة، و قال: أقلته فسخته، و استقالة: طلب إليه أن يقيله، و قال: هابه يهابه هيبا و مهابة: خافه. و قال السيد رضي الله عنه في نهج البلاغة: روى اليماني عن أحمد بن قتيبة عن عبد الله بن يزيد عن مالك بن دحية قال: كنا عند أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و قد ذكر عنده اختلاف الناس، قال: إنما فرق بينهم مبادئ طينهم، و ذلك أنهم قد كانوا فلقة من سبخ أرض و عذبها و حزن تربة و سهلها فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون، عَذْباً أَخْلُقْ مِنْكَ جَنَّتِي وَ أَهْلَ طَاعَتِي وَ كُنْ مِلْحاً أُجَاجاً أَخْلُقْ مِنْكَ نَارِي وَ أَهْلَ مَعْصِيَتِي ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَامْتَزَجَا فَمِنْ ذَلِكَ صَارَ يَلِدُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَ الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ ثُمَّ أَخَذَ طِيناً و على قدر اختلافها يتفاوتون، فتام الرواء ناقص العقل و ماد القامة قصير الهمة و زاكي العمل قبيح المنظر و قريب القعر بعيد السبر و معروف الضريبة منكر الجليبة و تائه القلب متفرق اللب و طليق اللسان حديد الجنان. و قال ابن ميثم في قوله (عليه السلام): إنما فرق بينهم" إلخ" أي تقاربهم في الصور و الأخلاق تابع لتقارب طينهم و تقارب مباديه و هي السهل و الحزن، و السبخ و العذب و تفاوتهم فيها لتفاوت طينهم و مباديه المذكورة و قال أهل التأويل: الإضافة بمعنى اللام أي المبادئ لطينهم كناية عن الأجزاء العنصرية التي هي مبادئ المركبات ذوات الأمزجة، أو السبخ كناية عن الحار اليابس و العذب عن الحار الرطب و السهل عن البارد الرطب، و الحزن عن البارد اليابس، انتهى. و أقول: لا يبعد أن يكون الماء العذب كناية عما خلق الله في الإنسان من الدواعي إلى الخير و الصلاح كالعقل و النفس الملكوتي، و الماء الأجاج عما ينافي و يعارض ذلك و يدعو إلى الشهوات الدنية و اللذات الجسمانية من البدن و ما ركب فيه من الدواعي إلى الشهوات، و يكون مزجهما كناية عن تركيبهما في الإنسان، فقوله: أخلق منك، أي من أجلك جنتي و أهل طاعتي، إذ لو لا ما في الإنسان من جهة الخير لم يكن لخلق الجنة فائدة و لم يكن يستحقها أحد، و لم يصر أحد مطيعا له تعالى، و كذا قوله: أخلق منك ناري إذا لو لا ما في الإنسان من دواعي الشرور لم يكن يعصي الله أحد، و لم يحتج إلى خلق النار للزجر عن الشرور ثم لإظهار إحاطة علمه بما سيقع من كل فرد من أفراد البشر للملائكة لطفا لهم و لبني آدم أيضا بعد إخبار الرسل بذلك جعلهم كالذر، و ميز من علم منهم الإيمان ممن علم منهم خلافه، و كلفهم بدخول النار ليعلموا قبل التكليف في عالم الأجساد أن ما علم منهم مطابق للواقع" فثم ثبتت الطاعة و المعصية" و علم الملائكة من يطيع بعد ذلك و من يعصي و أثبت ذلك في الألواح مطابقا لعلمه تعالى. مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَعَرَكَهُ عَرْكاً شَدِيداً فَإِذَا هُمْ كَالذَّرِّ يَدِبُّونَ فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ إِلَى الْجَنَّةِ بِسَلَامٍ وَ قَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ إِلَى النَّارِ وَ لَا أُبَالِي ثُمَّ أَمَرَ نَاراً فَأُسْعِرَتْ فَقَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ ادْخُلُوهَا فَهَابُوهَا فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ادْخُلُوهَا فَدَخَلُوهَا فَقَالَ كُونِي بَرْداً وَ سَلٰاماً فَكَانَتْ بَرْداً وَ سَلَاماً فَقَالَ أَصْحَابُ الشِّمَالِ يَا رَبِّ أَقِلْنَا- فَقَالَ قَدْ أَقَلْتُكُمْ فَادْخُلُوهَا فَذَهَبُوا فَهَابُوهَا فَثَمَّ ثَبَتَتِ الطَّاعَةُ وَ الْمَعْصِيَةُ- فَلَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ و قوله: فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر، أي لأجل ما قرر في الإنسان من جهتي الخير و الشر ترى الأب يصير تابعا للعقل و مقويا لدواعي الخير و زاجرا للشهوات فيصير من الأخيار، و الابن يتبع الهوى و الشهوات و يسلطها على العقل فيصير من الأشرار مع نهاية الارتباط بينهما. و قوله: و لا يستطيع هؤلاء، أي لا يتخلف ما علم الله تعالى منهم، لكن لا يختارونها إلا باختيارهم و إرادتهم و استطاعتهم. هذا ما خطر بالبال على وجه الاحتمال و الله يعلم غوامض أسرارهم (عليه السلام). و قال بعض أهل التأويل عبر عن المادة تارة بالماء و أخرى بالتربة لاشتراكهما في قبول الأشكال، و لاجتماعهما في طينة الإنسان و تركيب خلقته، و أديم الأرض وجهها و كأنه كناية عما ينبت منها مما يصلح أن يصير غذاء الإنسان و يحصل منه النطفة أو تتربى به، و العرك: الدلك و كأنه كناية عن مزجه بحيث يحصل منه المزاج و يستعد للحياة، و الذر: النمل الصغار و وجه الشبه الحس و الحركة و كونهم محل الشعور مع صغر الجثة و الخفاء، و هذا الخطاب إنما كان في عالم الأمر و لشدة ارتباط الملك بالملكوت و قوامه به جاز إسناد مادته إليه و إن كان عالم الأمر مجردا عن المادة و اجتماعهم في الوجود عند الله تعالى إنما هو لاجتماع الأجسام الزمانية عنده تعالى دفعة واحدة في عالم الأمر و إن كانت متفرقة مبسوطة متدرجة في عالم الخلق و وجودهم في عالم الأمر وجود ملكوتي ظلي ينبعث من حقيقة هذا الوجود الخلقي الجسماني و هو صورة علمه سبحانه بها و عبر عنه بالظلال في حديث آخر، و أمره تعالى إياهم أَنْ يَكُونُوا مِنْ هَؤُلَاءِ وَ لَا هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابٌ آخَرُ مِنْهُ وَ فِيهِ زِيَادَةُ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ الْأَوَّلِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.