عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ(عليه السلام)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ- وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ إلى الجنة و النار هدايته إياهم إلى سبيلهما، ثم توفيقه أو خذلانه، و لعل المراد بالنار المسعرة بعد ذلك التكاليف الشرعية و تحصيل المعرفة المحرقة للقلوب لصعوبة الخروج عن عهدتها و استقالة أصحاب الشمال كناية عن تمنيهم الإطاعة و عدم قدرتهم التامة عليها لغلبة الشقوة عليهم، و كونهم مسخرة تحت سلطان الهوى كما قالوا" رَبَّنٰا غَلَبَتْ عَلَيْنٰا شِقْوَتُنٰا وَ كُنّٰا قَوْماً ضٰالِّينَ" انتهى. و الاجتراء على تلك التأويلات في الأخبار جرأة على الله و رسوله و الأئمة الأخيار إلا أن يكون على سبيل الاحتمال، لكن بعد ثبوت ما بنوا عليه الكلام من المقدمات التي لم تثبت بالبرهان و اليقين بل بعضها مناف لما ثبت في الدين المبين. الحديث الثاني: حسن كالصحيح. و ظاهر الحديث أن السؤال عن الباقر (عليه السلام) كان في زمن أبيه و هو حاضر، و فيه أنه لم يعهد إدراك زرارة علي بن الحسين (عليه السلام) فيحتمل أن يكون روي ذلك عن الرجل السائل و لم يكن زرارة حاضرا عند السؤال، مع أنه يمكن إدراكه زمان السجاد (عليه السلام) و عدم روايته عنه و لذا لم يعد من أصحابه، و في تفسير العياشي هكذا عن زرارة أن رجلا سأل أبا عبد الله (عليه السلام) إلى آخر الخبر، و هو أصوب. " وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ" قال البيضاوي: أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن، و من ظهورهم بدل من بني آدم بدل البعض، و قرأ نافع و أبو عمرو و ابن عامر و يعقوب ذرياتهم" وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ" أي نصب لهم دلائل ربوبيته و ركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار فَقَالَ وَ أَبُوهُ يَسْمَعُ(عليه السلام)حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ التُّرْبَةِ الَّتِي خَلَقَ مِنْهَا آدَمَ(عليه السلام)فَصَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ الْعَذْبَ الْفُرَاتَ ثُمَّ تَرَكَهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ الْمَالِحَ الْأُجَاجَ فَتَرَكَهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فَلَمَّا اخْتَمَرَتِ الطِّينَةُ أَخَذَهَا فَعَرَكَهَا عَرْكاً شَدِيداً فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ مِنْ يَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ وَ أَمَرَهُمْ جَمِيعاً أَنْ يَقَعُوا فِي النَّارِ فَدَخَلَ بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: أ لست بربكم؟ قالوا بلى، فنزل تمكينهم من العلم بها و تمكنهم منه منزلة الإشهاد و الاعتراف على طريقة التمثيل، و يدل عليه قوله:" قٰالُوا بَلىٰ شَهِدْنٰا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيٰامَةِ" أي كراهة أن تقولوا" إِنّٰا كُنّٰا عَنْ هٰذٰا غٰافِلِينَ" لم ننبه عليه بدليل" أَوْ تَقُولُوا" عطف على أن تقولوا" إِنَّمٰا أَشْرَكَ آبٰاؤُنٰا مِنْ قَبْلُ وَ كُنّٰا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ" فاقتدينا بهم لأن التقليد عند قيام الدليل و التمكن مع العلم به لا يصلح عذرا" أَ فَتُهْلِكُنٰا بِمٰا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ" يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك، و قيل: لما خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية كالذر و أحياهم، و جعل لهم العقل و النطق و ألهمهم ذلك، لحديث رواه عمر، انتهى. و قال بعض المحققين لعل معنى إشهاد ذرية بني آدم على أنفسهم بالتوحيد استنطاق حقائقهم بالسنة قابليات جواهرها و ألسن استعدادات ذواتها، و أن تصديقهم به كان بلسان طباع الإمكان قبل نصب الدلائل لهم أو بعد نصب الدلائل، أو أنه نزل تمكينهم من العلم و تمكينهم منه بمنزلة الإشهاد و الاعتراف على طريقة التمثيل نظير ذلك قوله عز و جل:" إِنَّمٰا قَوْلُنٰا لِشَيْءٍ" إلخ، و قوله عز و علا:" فَقٰالَ لَهٰا وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ" و معلوم أنه لا قول ثمة و إنما هو تمثيل و تصوير للمعنى، و يحتمل أن يكون ذلك النطق باللسان الملكوتي الذي به يسبح كل شيء بحمد ربه، و ذلك لأنهم مفطورون على التوحيد. قوله (عليه السلام): من تراب، التربة هذا من قبيل إضافة الجزء إلى الكل، قوله أَصْحَابُ الْيَمِينِ فَصَارَتْ عَلَيْهِمْ بَرْداً وَ سَلَاماً وَ أَبَى أَصْحَابُ الشِّمَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابٌ آخَرُ مِنْهُ وَ فِيهِ زِيَادَةُ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ الْأَوَّلِ