أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي لَأَرَى بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَعْتَرِيهِ النَّزَقُ وَ الْحِدَّةُ وَ الطَّيْشُ فَأَغْتَمُّ لِذَلِكَ غَمّاً شَدِيداً وَ أَرَى مَنْ خَالَفَنَا فَأَرَاهُ حَسَنَ السَّمْتِ قَالَ لَا تَقُلْ حَسَنَ السَّمْتِ فَإِنَّ السَّمْتَ سَمْتُ الطَّرِيقِ وَ لَكِنْ قُلْ حَسَنَ السِّيمَاءِ- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قَالَ قُلْتُ فَأَرَاهُ حَسَنَ إلى الأعلى، و لو جيء بالأدون بعد الأفضل لا تظهر رتبتهما و فضلهما كما لا يخفى. الحديث الثاني: مرسل. و يقال: عراه و اعتراه أي غشيه و أتاه، و النزق بالفتح و التحريك الخفة عند الغضب، و الحدة و الطيش قريبان منه، و قال الجوهري: السمت الطريق و سمت يسمت بالضم أي قصد، و السمت هيئة أهل الخير، يقال: ما أحسن سمته أي هديه، و قال: السيما مقصور من الواو، قال تعالى:" سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ" و قد يجيء السيماء و السيمياء ممدودين، و قال الفيروزآبادي: السمت الطريق و هيئة أهل الخير، و السير على الطريق بالظن و حسن النحو و قصد الشيء، و قال: السيما و السيماء و السيمياء بكسرهن: العلامة، و قال الجزري: السمت: الهيئة الحسنة، و منه فينظرون إلى سمته و هديه أي حسن هيئته و منظره في الدين، و ليس من الحسن و الجمال. و قيل: هو من السمت: الطريق، يقال: ألزم هذا السمت، و فلان حسن السمت أي حسن القصد، و قال الزمخشري: السمت أخذ النهج و لزوم المحجة يقال: ما أحسن سمته أي طريقتها أي طريقتها التي ينتهجها في تحري الخير و التزيي بزي الصالحين، و في المصباح: السمت الطريق و القصد و السكينة و الوقار و الهيئة انتهى. السِّيمَاءِ وَ لَهُ وَقَارٌ فَأَغْتَمُّ لِذَلِكَ قَالَ لَا تَغْتَمَّ لِمَا رَأَيْتَ مِنْ نَزَقِ أَصْحَابِكَ وَ لِمَا رَأَيْتَ مِنْ حُسْنِ سِيمَاءِ مَنْ خَالَفَكَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ خَلَقَ تِلْكَ الطِّينَتَيْنِ ثُمَّ فَرَّقَهُمَا فِرْقَتَيْنِ فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ كُونُوا خَلْقاً بِإِذْنِي فَكَانُوا خَلْقاً بِمَنْزِلَةِ الذَّرِّ يَسْعَى وَ قَالَ لِأَهْلِ الشِّمَالِ كُونُوا خَلْقاً بِإِذْنِي فَكَانُوا خَلْقاً بِمَنْزِلَةِ الذَّرِّ يَدْرُجُ ثُمَّ رَفَعَ لَهُمْ نَاراً فَقَالَ ادْخُلُوهَا بِإِذْنِي فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَهَا- مُحَمَّدٌ(صلى الله عليه وآله وسلم)ثُمَّ اتَّبَعَهُ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ أَوْصِيَاؤُهُمْ وَ أَتْبَاعُهُمْ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ ادْخُلُوهَا بِإِذْنِي فَقَالُوا رَبَّنَا خَلَقْتَنَا لِتُحْرِقَنَا فَعَصَوْا فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ اخْرُجُوا و لعل منعه (عليه السلام) عن إطلاق السمت لأن السمت يكون بمعنى سمت الطريق فيوهم أن طريقهم و مذهبهم حسن فعبر (عليه السلام) بعبارة أخرى لا يوهم ذلك، أو لما لم يكن السمت بمعنى هيئة أهل الخير فصيحا أمر بعبارة أخرى أفصح منه، أو أنه (عليه السلام) علم أنه أراد بالسمت السيماء لا هيئة أهل الخير و الطريقة الحسنة و الأفعال المحمودة فلذا نبهه (عليه السلام) بأن السمت لم يأت بالمعنى الذي أردت و هذا قريب من الأول، و الوقار الاطمئنان و السكينة البدنية" لأصحاب اليمين" أي للذين كانوا في يمين الملك الذي أمره بتفريقها أو للذين كانوا في يمين العرش أو للذين علم أنهم سيصيرون من المؤمنين الذين يقفون في القيامة عن يمين العرش" كونوا خلقا" أي مخلوقين ذوي أرواح، و قيل: أي كونوا أرواحا بمنزلة الذر أي النمل الصغار" يسعى" و إطلاق السعي هنا و الدرج فيما سيأتي إما لمحض التفنن في العبارة، أو المراد بالسعي سرعة السير، و بالدرج المشي الضعيف كما يقال: درج الصبي إذا مشى أول مشيه فيكون إشارة إلى مسارعة الأولين إلى الخيرات و بطوء الآخرين عنها، و قيل: المراد سعي الأولين إلى العلو و الآخرين إلى السفل، و لا دلالة في اللفظ عليهما. " ثم اتبعه أولوا العزم" أي سائرهم (عليه السلام)، و الكلم: الجرح و الفعل كضرب، و قد يبني على التفعيل، و في القاموس: وهج النار تهج وهجا و وهجانا اتقدت، و الاسم الوهج محركة. بِإِذْنِي مِنَ النَّارِ لَمْ تَكْلِمِ النَّارُ مِنْهُمْ كَلْماً وَ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ أَثَراً فَلَمَّا رَآهُمْ أَصْحَابُ الشِّمَالِ قَالُوا رَبَّنَا نَرَى أَصْحَابَنَا قَدْ سَلِمُوا فَأَقِلْنَا وَ مُرْنَا بِالدُّخُولِ قَالَ قَدْ أَقَلْتُكُمْ فَادْخُلُوهَا فَلَمَّا دَنَوْا وَ أَصَابَهُمُ الْوَهَجُ رَجَعُوا فَقَالُوا يَا رَبَّنَا لَا صَبْرَ لَنَا عَلَى الِاحْتِرَاقِ فَعَصَوْا فَأَمَرَهُمْ بِالدُّخُولِ ثَلَاثاً كُلَّ ذَلِكَ يَعْصُونَ وَ يَرْجِعُونَ وَ أَمَرَ أُولَئِكَ ثَلَاثاً كُلَّ ذَلِكَ يُطِيعُونَ وَ يَخْرُجُونَ فَقَالَ لَهُمْ كُونُوا طِيناً بِإِذْنِي فَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ قَالَ و أقول: ما عرفت من التأويلات في الأخبار السابقة يمكن إجراء أكثرها في هذا الخبر كان يقال: لما كان من علم الله منهم السعادة تابعين للعقل و المقتضيات للنفس المقدس فكأنها طينتهم، و من علم الله منهم الشقاوة تابعين للشهوات البدنية و دواعي النفس الأمارة فكأنها طينتهم، و لما مزج الله بينهما في عالم الشهود جرى في غالب الناس الطاعة و المعصية، و الصفات القدسية و الملكات الرديئة، فما كان من الخيرات فهو من جهة العقل و النفس و هما طينة أصحاب اليمين و إن كان في أصحاب الشمال، و ما كان من الشرور و المعاصي فهو من الأجزاء البدنية التي هي طينة أصحاب الشمال و إن كان في أصحاب اليمين، و يمكن أيضا أن يقال: المعنى أن الله تعالى لما قرر في خلقة آدم (عليه السلام) و طينته دواعي الخير و الشر و علم أنه يكون في ذريته السعداء و الأشقياء و خلق آدم (عليه السلام) مع علمه بذلك فكأنه خلط بين الطينتين، و لما كان أولاد آدم مدنيين بالطبع لا بد لهم في نشأة الدنيا من المخالطة و المصاحبة، فالسعداء يكتسبون الصفات الذميمة من مخالطة الأشقياء و بالعكس. فلعل قوله: من لطخ أصحاب الشمال و من لطخ أصحاب اليمين إشارة إلى هذا المعنى، و لما كان السبب الأقوى في اكتساب السعداء صفات الأشقياء، استيلاء أئمة الجور و أتباعهم على أئمة الحق و أتباعهم، و علم الله أن المؤمنين إنما يرتكبون الآثام لاستيلاء أهل الباطل عليهم و عدم تولي أئمة الحق لسياستهم فيعذرهم بذلك، و يعفو عنهم و يعذب أئمة الجور و أتباعهم بتسببهم لجرائم من خالطهم مع ما يستحقون من جرائم أنفسهم. فَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يَكُونُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَ مَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يَكُونُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَ مَا رَأَيْتَ مِنْ نَزَقِ أَصْحَابِكَ وَ خُلُقِهِمْ فَمِمَّا أَصَابَهُمْ مِنْ لَطْخِ أَصْحَابِ الشِّمَالِ وَ مَا رَأَيْتَ مِنْ حُسْنِ سِيمَاءِ مَنْ خَالَفَكُمْ وَ وَقَارِهِمْ فَمِمَّا أَصَابَهُمْ مِنْ لَطْخِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَوَّلُ مَنْ أَجَابَ وَ أَقَرَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالرُّبُوبِيَّةِ