الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

الإنسان حصل له الحياة أربع مرات، أولها وقت الميثاق، و ثانيها في الدنيا، و ثالثها في القبر، و رابعها في القيامة و أنه حصل له الموت ثلاث مرات موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الأول، و موت في الدنيا و موت في القبر، و هذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى:" رَبَّنٰا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ". الثانية عشر: قوله تعالى:" وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ طِينٍ" فلو كان القول بهذا الذر صحيحا لكان ذلك الذر هو الإنسان لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب، و ذلك باطل لأن الذر غير مخلوق من النطفة و العلقة و المضغة، و نص الكتاب دليل على أن الإنسان مخلوق من النطفة و العلقة و المضغة، و هو قوله: " وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ طِينٍ" و قوله:" قُتِلَ الْإِنْسٰانُ مٰا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ". فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف. و القول الثاني في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر و أرباب المعقولات أنه أخرج الذر و هم الأولاد من أصلاب آبائهم، و ذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة، فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات و جعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشرا سويا و خلقا كاملا، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته و عجائب خلقه و غرائب صنعه، فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى، و إن لم يكن هناك قول باللسان، و لذلك نظائر منها قوله تعالى:" فَقٰالَ لَهٰا وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ" و منها قوله تعالى:" إِنَّمٰا قَوْلُنٰا لِشَيْءٍ إِذٰا أَرَدْنٰاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" و قول العرب: قال الجدار للوتد لم تشقني؟ قال: سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي و قال الشاعر:" امتلاء الحوض و قال قطني". و هذا النوع من المجاز و الاستعارة مشهورة في الكلام، فوجب حمل الكلام عليه فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين، و هذا القول الثاني لا طعن فيه البتة، و بتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافيا لصحة القول الأول، إنما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا. فإن قال قائل: فما المختار عندكم فيه؟ قلنا: هيهنا مقامان:" أحدهما" أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذر؟ و الثاني أن بتقدير أن يصح القول به فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية؟ أما المقام الأول فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها و قررناها، و يمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع: أما الوجه الأول من الوجوه العقلية المذكورة و هو أنه لو صح القول بأخذ هذه الميثاق لوجب أن نتذكره الآن؟ قلنا: خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو الله تعالى لأن هذه العلوم عقلية ضرورية، و العلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى، و إذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها، فإن قالوا: فإذا جوزتم هذا فجوزوا أن يقال أن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ و إن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الأبدان؟ قلنا: الفرق بين الأمرين ظاهر، و ذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى و بقينا فيها سنين و دهورا امتنع في مجرى العادة نسيانها أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان و أقل وقت فلم يبعد حصول النسيان و الفرق الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق لأن الإنسان إذا بقي على العمل الواحد سنين كثيرة يمتنع أن ينساها، أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساها فظهر الفرق. و أما الوجه الثاني و هو أن يقال: مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها في ظهر آدم (عليه السلام)؟ قلنا: عندنا البنية ليست شرطا لحصول الحياة و الجوهر الفرد و الجزء الذي لا يتجزى قابل للحياة و العقل، فإذا جعلنا كل واحد من تلك الذرات جوهرا فردا فلم قلتم أن ظهر آدم لا يتسع لمجموعها، إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا: الإنسان جوهر فرد و جزء لا يتجزى في البدن، على ما هو مذهب بعض القدماء، و أما إذا قلنا الإنسان هو النفس الناطقة و أنه جوهر غير متحيز و لا حال في متحيز فالسؤال زائل. و أما الوجه الثالث و هو قوله: فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك الوقت أو في الحياة الدنيا، فجوابنا أن نقول: يفعل الله ما يشاء و يحكم ما يريد، و أيضا أ ليس أن من المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال و إنطاق الجوارح قالوا: لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء لطف، فكذا هيهنا لا يبعد أن يكون لبعض الملائكة من تميز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق لطف، و قيل: أيضا إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة. و بقية الوجوه ضعيفة و الكلام عليها سهل هين. و أما المقام الثاني و هو أن بتقدير أن يصح القول بأخذ الميثاق من الذر فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية فنقول: الوجوه الثلاثة المذكورة أولا دافعة لذلك، لأن قوله: أخذ ربك من بني آدم، من ظهورهم، ذريتهم، فقد بينا أن المراد منه و إذ أخذ ربك من ظهور بني آدم، و أيضا لو كانت هذه الذرية مأخوذة من ظهر آدم يقال من ظهره، ذريته، و لم يقل من ظهورهم، ذريتهم، أجاب الناصرون لذلك القول بأنه صحت الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه فسر هذه الآية بهذا الوجه، و الطعن في تفسير رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) غير ممكن؟ فنقول: ظاهر الآية تدل على أنه تعالى أخرج ذرا من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على أنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان، و من ذلك الفلان فلان آخر، فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم و يميز بعضهم من بعض، و أما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته، و ليس في الآية أيضا ما يدل على بطلانه إلا أن الخبر قد دل عليه، فثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر، و على هذا التقدير فلا منافاة بين الأمرين و لا مدافعة فوجب

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ كَيْفَ أَجَابُوا وَ هُمْ ذَرٌّ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.