عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قَالَ أو كان غرضه من العبادة و الدعاء رضي الله سبحانه من غير رياء" بما ترى عيناه" أي من زخارف الدنيا و مشتهياتها، و الرفعة و الملك فيها" و لم ينس ذكر الله" بالقلب و اللسان" بما تسمع أذناه" من الغناء و أصوات الملاهي، و ذكر لذات الدنيا و شهواتها و الشبهات المضلة و الآراء المبتدعة، و الغيبة و البهتان، و كل ما يلهي عن الله" و لم يحزن صدره بما أعطى غيره" من أسباب العيش و حرمها، و الاتصاف بهذه الصفات العلية إنما يتيسر لمن قطع عن نفسه العلائق الدنية، و في الخبر إشعار بأن الإخلاص في العبادة لا يحصل إلا لمن قطع عروق حب الدنيا من قلبه، كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله. الحديث الرابع: ضعيف. قوله:" لِيَبْلُوَكُمْ" إشارة إلى قوله تعالى:" تَبٰارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" تبارك أي تكاثر خيره من البركة و هي كثرة الخير، أو تزايد عن كل شيء و تعالى عنه في صفاته و أفعاله، فإن البركة تتضمن معنى الزيادة" الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ" أي بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها" الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ" أي قدرهما أو أوجدهما و فيه دلالة على أن الموت أمر وجودي، و المراد بالموت الموت الطاري على الحياة أو العدم الأصلي فإنه قد يسمى موتا أيضا، كما قال تعالى:" كُنْتُمْ أَمْوٰاتاً فَأَحْيٰاكُمْ" و تقديمه على الأول لأنه ادعى إلى حسن العمل و أقوى في ترك الدنيا و لذاتها، لَيْسَ يَعْنِي أَكْثَرَ عَمَلًا وَ لَكِنْ أَصْوَبَكُمْ عَمَلًا وَ إِنَّمَا الْإِصَابَةُ خَشْيَةُ اللَّهِ وَ النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ و على الثاني ظاهر لتقدمه. " لِيَبْلُوَكُمْ" أي ليعاملكم معاملة المختبر" أَيُّكُمْ" مفعول ثان لفعل البلوى باعتبار تضمينه معنى العلم، و وجه التعليل أن الموت داع إلى حسن العمل لكمال الاحتياج إليه بعده، و موجب لعدم الوثوق بالدنيا و لذاتها الفانية، و الحياة نعمة تقتضي الشكر و يقتدر بها على الأعمال الصالحة، و إن أريد به العدم الأصلي فالمعنى أنه نقلكم منه و ألبسكم لباس الحياة لذلك الاختبار، و لما كان اتصافنا بحسن العمل يتحقق بكثرة العمل تارة و بإصابته و شدة رعاية شرائطه أخرى نفي الأول، بقوله: ليس يعني أكثركم عملا، لأن مجرد العمل من غير خلوصه و جودته ليس أمرا يعتد به، بل هو تضييع للعمر و أثبت الثاني بقوله: و لكن أصوبكم عملا، لأن صواب العمل و جودته و خلوصه من الشوائب يوجب القرب منه تعالى، و له درجات متفاوتة يتفاوت القرب بحسبها. و اسم ليس في قوله:" ليس يعني" ضمير عائد إلى الله عز و جل أو ضمير شأن، و جملة يعني خبرها، ثم بين الإصابة و حصرها في أمرين بقوله: إنما الإصابة خشية الله و النية الصادقة، و ذكر الخشية ثانيا لعله من الرواة أو النساخ، و ليست في بعض النسخ و لو سحت يكون معناه خشية أن لا يقبل كما سيأتي في الخبر، و هو غير خشية الله، أو يقال: النية الصادقة مبتدأ و الخشية معطوف عليه، و الخبر محذوف أي مقرونتان، أو الخشية منصوب ليكون مفعولا معه. فيكون الحاصل أن مدار الإصابة على الخشية و تلزمها النية الصادقة، و في بعض النسخ و الحسنة أي كونه موافقا لأمره تعالى، و لا يكون فيه بدعة، و في أسرار الصلاة للشهيد الثاني (ره): و النية الصادقة الحسنة و هو أصوب. و الحاصل أن العمدة في قبول العمل بعد رعاية أجزاء العبادة و شرائطها المختصة النية الخالصة و الاجتناب عن المعاصي كما قال تعالى:" فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ وَ الْحَسَنَةُ ثُمَّ قَالَ الْإِبْقَاءُ عَلَى الْعَمَلِ حَتَّى يَخْلُصَ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ وَ الْعَمَلُ الْخَالِصُ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً" و قال سبحانه:" إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ". قال الشيخ البهائي (قدس سره): المراد بالنية الصادقة انبعاث القلب نحو الطاعة غير ملحوظ فيه شيء سوى وجه الله سبحانه، لا كمن يعتق عبد مثلا ملاحظا مع القربة الخلاص من مؤنته أو سوء خلقه أو يتصدق بحضور الناس لغرض الصواب و الثناء معا بحيث لو كان منفردا لم يبعثه مجرد الثواب على الصدقة و إن كان يعلم من نفسه أنه لو لا الرغبة في الثواب لم يبعثه مجرد الرياء على الإعطاء، و لا كمن له ورد في الصلوات و عادة في الصدقات و اتفق أن حضر في وقتها جماعة فصار الفعل أخف عليه و حصل له نشاط ما بسبب مشاهدتهم، و إن كان يعلم من نفسه أنهم لو لم يحضروا لم يكن يترك العمل أو يفتر عنه البتة، فأمثال هذه الأمور مما يخل بصدق النية و بالجملة فكل عمل قصدت به القربة و انضاف إليه حظ من حظوظ الدنيا بحيث تركب الباعث عليه من ديني و نفسي، فنيتك فيه غير صادقة سواء كان الباعث الديني أقوى من الباعث النفسي أو أضعف أو مساويا. قال في مجمع البيان:" لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" أي ليعاملكم معاملة المختبر بالأمر و النهي فيجازى كل عامل بقدر عمله، و قيل: ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكرا و أحسن له استعدادا و أحسن صبرا على موته و موت غيره، و أيكم أكثر امتثالا للأوامر و اجتنابا عن النواهي في حال حياته قال أبو قتادة: سألت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن قوله تعالى:" أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" ما عنى به؟ فقال: يقول أيكم أحسن عقلا، ثم قال تعالى: أتمكم عقلا و أشدكم لله خوفا و أحسنكم فيما أمر الله به و نهى عنه نظرا، و إن كان أقلكم تطوعا، و عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه و آله): أنه تلا قوله: " تَبٰارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" إلى قوله:" أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" الَّذِي لَا تُرِيدُ أَنْ يَحْمَدَكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ النِّيَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ أَلَا ثم قال: أيكم أحسن عقلا و أورع عن محارم الله و أسرع في طاعة الله، و عن الحسن: أيكم ازهد في الدنيا و أترك لها، انتهى. و في القاموس: الصواب ضد الخطإ كالإصابة، و قال: الإصابة الإتيان بالصواب و إرادته، و البقاء على العمل محافظته و الإشفاق عليه و حفظه عن الفساد، قال الجوهري أبقيت على فلان إذا دعيت عليه، يقال: لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي و الاسم البقيا، انتهى. و الحاصل أن رعاية العمل و حفظه عند الشروع و بعده إلى الفراغ منه، و بعد الفراغ إلى الخروج من الدنيا حتى يخلص عن الشوائب الموجبة لنقصه أو فساده أشد من العمل نفسه كما سيأتي في باب الرياء عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: الإبقاء على العمل أشد من العمل، قال: و ما الإبقاء على العمل؟ قال: يصل الرجل بصلة و ينفق نفقة لله وحده لا شريك له، فيكتب له سرا ثم يذكرها فتمحى و تكتب له علانية ثم يذكرها فتمحى و تكتب له رياء، و من عرف معنى النية و خلوصها علم أن إخلاص النية أشد من جميع الأعمال كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله. ثم بين (عليه السلام) معنى العمل الخالص بأنه هو العمل الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز و جل، لا عند الفعل و لا بعده أي يكون خالصا عن أنواع الرياء و السمعة. و قد يقال: لو كان سروره باعتبار أن الله تعالى قبل عمله حيث أظهر جميلة كما روي في الحديث القدسي عملك الصالح عليك سره و علي إظهاره، أو باعتبار أنه استدل بإظهار جميلة في الدنيا على إظهار جميلة في الآخرة، أو باعتبار رغبتهم إلى طاعة الله و ميل قلوبهم إليها لم يقدح ذلك في الخلوص، و إنما يقدح فيه إن كان لرفع منزلته عند الناس و تعظيمهم له و استجلاب الفوائد منهم فإنه بذلك يصير مرائيا مشركا بالشرك الخفي و به يحبط عمله، و هذا الكلام له جهة صدق لكن قلما تصدق النفس في ذلك، فإن لها حيل و تسويلات لا ينجو منها إلا المقربون. و قال الشيخ البهائي (ره): الخالص في اللغة كلما صفا و تخلص و لم يمتزج بغيره سواء كان ذلك الغير أدون منه أو لا، فمن تصدق لمحض الرياء فصدقته خالصة لغة كمن تصدق لمحض الثواب و قد خص العمل الخالص في العرف بما تجرد قصد التقرب فيه عن جميع الشوائب، و هذا التجريد يسمى إخلاصا، و قد عرفه أصحاب القلوب بتعريفات أخر، فقيل: هو تنزيه العمل عن أن يكون لغير الله فيه نصيب، و قيل: إخراج الخلق عن معاملة الحق، و قيل: هو ستر العمل عن الخلائق و تصفيته عن العلائق، و قيل: أن لا يريد عامله عليه عوضا في الدارين، و هذه درجة علية عزيزة المنال، و قد أشار إليها أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنتك و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. و قال (ره): ذهب كثير من علماء الخاصة و العامة إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب، و قالوا: إن هذا القصد مناف للإخلاص الذي هو إرادة وجه الله وحده، و أن من قصد ذلك فإنه قصد جلب النفع إلى نفسه، و دفع الضرر عنها لا وجه الله سبحانه، كما أن من عظم شخصا أو أثنى عليه طمعا في ماله أو خوفا من إهانته لا يعد مخلصا في ذلك التعظيم و الثناء. و ممن بالغ في ذلك السيد الجليل صاحب المقامات و الكرامات رضي الدين علي بن طاوس قدس الله سره، و يستفاد من كلام شيخنا الشهيد في قواعده أنه مذهب أكثر أصحابنا (رضوان الله عليهم). و نقل الفخر الرازي في التفسير الكبير اتفاق المتكلمين على أن من عبد الله لأجل الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب لم تصح عبادته، أورده عند تفسير قوله تعالى" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً" و جزم في أوائل سورة الفاتحة بأنه لو قال: أصلي لثواب الله أو الهرب من عقابه فسدت صلاته، و من قال بأن ذلك القصد غير مفسد للعبادة منع خروجها به عن درجة الإخلاص، و قال: إن إرادة الفوز بثواب الله و السلامة من سخطه ليس أمرا مخالفا لإرادة وجه الله سبحانه، و قد قال تعالى في مقام مدح أصفيائه:" كٰانُوا يُسٰارِعُونَ فِي الْخَيْرٰاتِ وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً" أي للرغبة في الثواب و الرهبة من العقاب، و قال سبحانه:" وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً" و قال تعالى: " يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" أي حال كونكم راجين للفلاح، أو لكي تفلحوا، و الفلاح هو الفوز بالثواب، نص عليه الشيخ أبو علي الطبرسي. هذا ما وصل إلينا من كلام هؤلاء، و للمناقشة فيه مجال، أما قولهم أن تلك الإرادة ليست مخالفة لإرادة وجه الله تعالى فكلام ظاهري قشري إذ البون البعيد بين إطاعة المحبوب و الانقياد إليه لمحض حبه و تحصيل رضاه و بين إطاعته لأغراض أخر أظهر من الشمس في رائعة النهار، و الثانية ساقطة بالكلية عن درجة الاعتبار عند أولي الأبصار، و أما الاعتضاد بالآيتين الأوليين، ففيه: أن كثيرا من المفسرين ذكروا أن المعنى راغبين في الإجابة، راهبين من الرد و الخيبة، و أما الآية الثالثة فقد ذكر الطبرسي في مجمع البيان أن معنى لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكي تسعدوا. و لا ريب أن تحصيل رضاه سبحانه هو السعادة العظمى، و فسر (ره) الفلاح في قوله تعالى:" أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" بالنجاح و الفوز، و قال شيخ الطائفة في التبيان: المفلحون هم المنجحون الذين أدركوا ما طلبوا من عند الله بأعمالهم و إيمانهم. و في تفسير البيضاوي المفلح: الفائز بالمطلوب، و مثله في الكشاف. نعم فسر الطبرسي (ره) الفلاح في قوله:" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ" بالفوز بالثواب لكن مجيئه في هذه الآية بهذا المعنى لا يوجب حمله في غيرها أيضا عليه، و على تقدير حمله على هذا المعنى إنما يتم التقريب لو جعلت جملة الترجي حالية، و لو جعلت تعليلية كما جعله الطبرسي فلا دلالة فيها على ذلك المدعى أصلا كما لا يخفى. هذا، و الأولى أن يستدل بما رواه الكليني بطريق حسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: العباد ثلاثة قوم عبدوا الله عز و جل خوفا فتلك عبادة العبيد، و قوم عبدوا الله تبارك و تعالى طلبا للثواب فتلك عبادة الأجراء، و قوم عبدوا الله عز و جل حبا له فتلك عبادة الأحرار و هي أفضل العبادة، فإن قوله (عليه السلام) و هي أفضل العبادة يعطي أن العبادة على الوجهين السابقين لا يخلو من فضل أيضا فتكون صحيحة و هو المطلوب. ثم قال (رحمه الله): المانعون في نية العبادة من قصد تحصيل الثواب أو دفع العقاب جعلوا هذا القصد مفسدا لها و إن انضم إليه قصد وجه الله تعالى على ما يفهم من كلامهم، أما بقية الضمائم اللازمة الحصول مع العبادة نويت أو لم تنو كالخلاص من النفقة بعتق العبد في الكفارة، و الحمية في الصوم و التبرد في الوضوء و إعلام المأموم الدخول في الصلاة بالتكبير، و مماطلة الغريم بالتشاغل بالصلاة و ملازمته بالطواف و السعي، و حفظه المتاع بالقيام لصلاة الليل و أمثال ذلك فالظاهر أن قصدها عندهم مفسد أيضا بالطريق الأولى و أما الذين لا يجعلون قصد الثواب مفسدا فقد اختلفوا في الإفساد بأمثال هذه الضمائم، فأكثرهم على عدمه، و به قطع الشيخ في المبسوط، و المحقق في المعتبر، و العلامة في التحرير و المنتهى، لأنها تحصل لا محالة فلا يضر قصدها، و فيه أن لزوم حصولها لا يستلزم صحة قصد حصولها، و المتأخرون من أصحابنا حكموا بفساد العبادة بقصدها و هو مذهب العلامة في النهاية وَ إِنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْعَمَلُ ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ- قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ يَعْنِي عَلَى نِيَّتِهِ و القواعد، و ولده فخر المحققين في الشرح، و شيخنا الشهيد في البيان لفوت الإخلاص و هو الأصح، و احتمل شيخنا الشهيد في قواعده التفصيل بأن القربة إن كانت هي المقصود بالذات و الضميمة مقصودة تبعا صحت العبادة و إن انعكس الأمر أو تساويا بطلت. هذا، و اعلم أن الضميمة إن كانت راجحة و لاحظ القاصد رجحانها وجوبا أو ندبا كالحمية في الصوم لوجوب حفظ البدن، و الإعلام بالدخول في الصلاة للتعاون على البر فينبغي أن لا تكون مضرة إذ هي حينئذ مؤكدة، و إنما الكلام في الضمائم غير الملحوظة الرجحان، فصوم من ضم قصد الحمية مطلقا صحيح مستحبا كان الصوم أو واجبا، معينا كان الواجب أو غير معين، و لكن في النفس من صحة غير المعين شيء، و عدمها محتمل، و الله أعلم. قوله (عليه السلام): و النية أفضل من العمل، أي النية الخالصة أو إخلاص النية أفضل من العمل، و النية تطلق على إرادة إيقاع الفعل و على الغرض الباعث على الفعل و على العزم على الفعل و الأولتان مقارنتان للفعل دون الثالثة، و الأولى لا تنفك فعل الفاعل المختار عنها، و الثانية الإخلاص فيها من أشق الأمور و أصعبها و به تتفاضل عبادات المكلفين و هي روح العبادة و بدونها لا تصح، و كلما كانت أخلص عن الشوائب و الأغراض الفاسدة كان العمل أكمل، و لذا ورد أن نية المؤمن خير من عمله، و لا ينافي قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) أفضل الأعمال أحمزها، إذ تصحيح النية أصعب من تصحيح العمل بمراتب شتى إذ ليس المراد بالنية ما يتكلم به الإنسان عند الفعل، أو يتصوره و يخطره بباله، بل هو الباعث الأصلي و الغرض الواقعي الداعي للإنسان على الفعل و هو تابع للحالة التي عليها الإنسان، و الطريقة التي يسلكها، فمن غلب عليه حب الدنيا و شهواتها لا يمكنه قصد القربة و إخلاص النية عن دواعيها فإن نفسه متوجهة إلى الدنيا و همته مقصورة عليها، فما لم يقلع عن قلبه عروق حب الدنيا و لم يستقر فيه طلب النشأة الأخرى و حب الرب الأعلى لم يمكنه إخلاص النية واقعا عن تلك الأغراض الدنية، و ذلك متوقف على مجاهدات عظيمة و رياضات طويلة و تفكرات صحيحة، و اعتزال عن شرار الخلق، فلذا ورد أن نية المؤمن خير من عمله، و من عرف ذلك لم يحتج إلى تأويل الخبر بما ستسمع من الوجوه مع ركاكة أكثرها و بعدها عن نظم الكلام، فلذا قال (عليه السلام): النية أفضل من العمل و السعي في تصحيحها أهم. فإن قيل: العمل بلا نية باطل، و معها النية داخلة فيه فكيف يفضل النية على العمل فإنه يوجب تفضيل الجزء على الكل؟. قلنا: المراد به أن العمل المقرون بالنية نيته خير من سائر أجزائه، سواء جعلنا النية جزءا من العمل أو شرطا فيه و قوله (عليه السلام): ألا و إن النية هي العمل، مبالغة في اشتراط العمل بها، و أنه لا اعتداد بالعمل بدونها، فكأنها عينه، و لذا أكد بحرف التأكيد و حرف التنبيه و اسمية الجملة، و تعريف الخبر باللام المفيد للحصر، و ضمير الفصل المؤكد له. و قيل: إشارة إلى دفع ما يتوهم من أن المفضل عليه لا بد أن يكون من جنس المفضل و النية ليست من جنس العمل، فأجاب (عليه السلام) بأن النية أيضا عمل من أعمال القلب و لا يخفى ضعفه، و الاستشهاد بالآية الكريمة لبيان أن مدار العمل على النية صحة و فسادا و نقصا و كمالا، حيث قال:" قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ" يعني على نيته و كأنه (عليه السلام) فسر الشاكلة التي تطلق غالبا على الحالة و الطريقة بالنية إيذانا بأن النية تابعة لحالة الإنسان و طريقته كما أومأنا إليه، و إن ورد بمعنى النية أيضا، قال الفيروزآبادي: الشاكلة: الشكل و الناحية و النية و الطريقة، و قال في مجمع البيان: أي كل واحد من المؤمن و الكافر يعمل على طبيعته و خليقته التي تخلق بها عن ابن عباس، و قيل: على طريقته و سنته التي اعتادها، و قيل: ما هو أشكل بالصواب
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْإِخْلَاصِ