عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ وَ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ جَمِيعاً عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَعْطَى مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)شَرَائِعَ نُوحٍ وَ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى(عليه السلام)التَّوْحِيدَ وَ الْإِخْلَاصَ الثالث: ما قيل أيضا أن الغرض من تلاوتها هو التنبيه على أن غير المخلص مندرج فيها، و الوعيد متوجه إليه أيضا لأنك قد عرفت أن قلبه ساقط، لكونه ذا شرك أو شك و هما بدعة و افتراء على الله و رسوله، و الآية على تقدير نزولها في قوم مخصوصين لا يقتضي تخصيص الوعيد بهم. الرابع: ما خطر بالبال أيضا و هو أن الإخلاص المذكور في صدر الخبر يشمل الإخلاص عن الرياء و البدعة، و كل ما ينافي قبول العمل فاستشهد لأحد أجزائه بالآية. باب الشرائع الحديث الأول: مرسل. قوله (عليه السلام): شرائع نوح، يحتمل أن يكون المراد بالشرائع أصول الدين و يكون التوحيد و الإخلاص و خلع الأنداد بيانا لها، و الفطرة الحنيفية معطوفة على الشرائع و إنما خص (عليه السلام) ما به الاشتراك بهذه الثلاثة مع اشتراكه (عليه السلام) معهم في كثير من العبادات لاختلاف المشتركات فيها دون هذه الثلاثة، و لعله (عليه السلام) لم يرد حصر المشتركات فيما ذكر لعدم ذكر سائر أصول الدين، كالعدل و المعاد مع أنه يمكن وَ خَلْعَ الْأَنْدَادِ وَ الْفِطْرَةَ الْحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ وَ لَا رَهْبَانِيَّةَ وَ لَا سِيَاحَةَ أَحَلَّ فِيهَا الطَّيِّبَاتِ إدخالهما في بعض ما ذكر، لا سيما الإخلاص بتكلف و يمكن أن يكون المراد منها الأصول و أصول الفروع المشتركة، و إن اختلفت في الخصوصيات و الكيفيات و حينئذ يكون جميع تلك الفقرات إلى قوله (عليه السلام): و زاده، بيانا للشرائع، و يشكل حينئذ ذكر الرهبانية و السياحة إذ المشهور أن عدمهما من خصائص نبينا (صلى الله عليه و آله و سلم) إلا أن يقال: المراد عدم الوجوب و هو مشترك، أو يقال: إنهما لم يكونا في شريعة عيسى (عليه السلام) أيضا و إن استشكل بالجهاد و أنه لم يجاهد عيسى (عليه السلام)، فالجواب أنه يمكن أن يكون واجبا عليه لكن لم يتحقق شرائطه، و لذا لم يجاهد و لعل قوله (عليه السلام): زاده و فضله، بهذا الوجه أوفق. و كان المراد بالتوحيد نفي الشريك في الخلق، و بالإخلاص نفي الشريك في العبادة، و خلع الأنداد تأكيد لهما، أو المراد به ترك اتباع خلفاء الجور و أئمة الضلالة أو نفي الشرك الخفي أو المراد بالإخلاص نفي الشرك الخفي و بخلع الأنداد نفي الشريك في استحقاق العبادة، و الأنداد جمع ند و هو مثل الشيء الذي يضاده في أموره و يناده أي يخالفه، و الفطرة ملة الإسلام التي فطر الله الناس عليها كما مر و الحنيفية المائلة من الباطل إلى الحق أو الموافقة لملة إبراهيم (عليه السلام) قال في النهاية: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم (عليه السلام)، و أصل الحنيف الميل، و منه الحديث: بعثت بالحنيفية السمحة السهلة، و في القاموس: السمحة الملة التي ما فيها ضيق. و في النهاية: فيه لا رهبانية في الإسلام، هي من رهبة النصارى، و أصله من الرهبة الخوف، كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا و ترك ملاذها و الزهد فيها، و العزلة عن أهلها، و تعمد مشاقها حتى أن منهم من كان يخصي نفسه، و يضع السلسلة في عنقه و غير ذلك من أنواع التعذيب، فنفاها النبي (صلى الله عليه و آله) عن الإسلام و نهى المسلمين عنها، انتهى. و قال الطبرسي (قدس سره): في قوله تعالى:" وَ رَهْبٰانِيَّةً ابْتَدَعُوهٰا" هي الخصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما في لبسته أو انفراد عن الجماعة أو غير ذلك من الأمور التي يظهر فيها نسك صاحبه و المعنى ابتدعوا رهبانية لم نكتبها عليهم، و قيل: إن الرهبانية التي ابتدعوها هي رفض النساء و اتخاذ الصوامع عن قتادة، قال: و تقديره و رهبانية ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها، و قيل: إن الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري و الجبال في خبر مرفوع عن النبي (صلى الله عليه و آله)، فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها، و ذلك لتكذيبهم بمحمد (صلى الله عليه و آله) عن ابن عباس. و قيل: إن الرهبانية هي الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة" مٰا كَتَبْنٰاهٰا" أي ما فرضناها عليهم، و قال الزجاج: إن تقديره ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله و ابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر الله فهذا وجه، قال: و فيها وجه آخر جاء في التفسير أنهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا يصبرون عليه فاتخذوا أسرابا و صوامع و ابتدعوا ذلك، فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع و دخلوا عليه لزمهم إتمامه، كما أن الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفرض عليه لزمه أن يتمه. قال: و قوله: فما رعوها حق رعايتها، على ضربين أحدهما أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم، و الآخر و هو الأجود أن يكونوا حين بعث النبي (صلى الله عليه و آله) فلم يؤمنوا به، و كانوا تاركين لطاعة الله فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها، و دليل ذلك قوله:" فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ" يعني الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه و آله)" وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فٰاسِقُونَ" أي كافرون، انتهى كلام الزجاج. و يعضد هذا ما جاءت به الرواية عن ابن مسعود قال: كنت رديف رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) على حمار فقال: يا ابن أم عبد هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية؟ فقلت: الله و رسوله أعلم، فقال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى (عليه السلام) يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات، فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا هؤلاء أفنونا و لم يبق للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى (عليه السلام) يعنون محمدا (صلى الله عليه و آله و سلم) فتفرقوا في غيران الجبال و أحدثوا رهبانية، فمنهم من تمسك بدينه، و منهم من كفر، ثم تلا هذه الآية:" وَ رَهْبٰانِيَّةً ابْتَدَعُوهٰا مٰا كَتَبْنٰاهٰا عَلَيْهِمْ، إلى آخرها، ثم قال: يا بن أم عبد أ تدري ما رهبانية أمتي؟ قلت: الله و رسوله أعلم، قال: الهجرة و الجهاد و الصلاة و الصوم و الحج و العمرة. و في حديث آخر عن ابن مسعود أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: من آمن بي و صدقني و اتبعني فقد رعاها حق رعيتها، و من لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون، انتهى. و قال في النهاية: فيه لا سياحة في الإسلام، يقال: ساح في الأرض يسيح سياحة إذا ذهب فيها و أصله من السيح و هو الماء الجاري أي المنبسط على الأرض، أراد مفارقة الأمصار و سكنى البراري و ترك شهود الجمعة و الجماعات، و قيل: أراد الذين يسيحون في الأرض بالشر و النميمة و الإفساد بين الناس، و من الأول سياحة هذه الأمة الصيام قيل للصائم: سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا يسيح و لا زاد معه و لا ماء، فحين يجد يطعم، و الصائم يمضي نهاره لا يأكل و لا يشرب شيئا فشبه به، انتهى. قوله (عليه السلام) أحل فيها الطيبات، إشارة إلى قوله تعالى في الأعراف:" الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرٰاةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهٰاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلٰالَ الَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ" الآية، قال الطبرسي (قدس سره): و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث معناه: يبيح لهم المستلذات الحسنة، و يحرم عليهم القبائح و ما تعافه الأنفس، و قيل: يحل لهم ما اكتسبوه من وجه طيب و يحرم عليهم ما اكتسبوه من وجه خبيث، و قيل: يحل لهم ما حرمه عليهم رهابينهم و أحبارهم و ما كان يحرمه أهل الجاهلية من البحائر و السوائب و غيرها، و يحرم عليهم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما ذكر معها" وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ" أي ثقلهم، شبه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل، و ذلك أن الله سبحانه جعل توبتهم أن يقتل بعضهم بعضا، و جعل توبة هذه الأمة الندم بالقلب حرمة للنبي (صلى الله عليه و آله) عن الحسن. و قيل: الإصر هو العهد الذي كان الله سبحانه أخذه على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة عن ابن عباس و الضحاك و السدي، و يجمع المعنيين قول الزجاج: الإصر ما عقدته من عقد ثقيل. " وَ الْأَغْلٰالَ الَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ" معناه و يضع عنهم العهود التي كانت في ذمتهم، و جعل تلك العهود بمنزلة الأغلال التي تكون في الأعناق للزومها كما يقال: هذا طوق في عنقك، و قيل: يريد بالأغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة، و قرض ما يصيبه البول من أجسادهم و ما أشبه ذلك من تحريم السبت، و تحريم العروق و الشحوم و قطع الأعضاء الخاطئة، و وجوب القصاص دون الدية عن أكثر المفسرين، انتهى. و أقول: استدل أكثرهم أصحابنا على تحريم كثير من الأشياء مما تستقذره طباع أكثر الخلق بهذه الآية و هو مشكل، إذ الظاهر من سياق الآية مدح النبي (صلى الله عليه و آله) و شريعته بأن ما يحل لهم هو طيب واقعا و إن لم نفهم طيبه، و ما يحرم عليهم هو الخبيث واقعا و إن لم نعلم خبثه كالطعام المستلذ الذي يكون من مال اليتيم أو مال السرقة تستلذه الطبع و هو خبيث واقعا، و أكثر الأدوية التي يحتاج الناس إليها في وَ حَرَّمَ فِيهَا الْخَبَائِثَ وَ وَضَعَ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ افْتَرَضَ عَلَيْهِ فِيهَا الصَّلَاةَ وَ الزَّكَاةَ وَ الصِّيَامَ وَ الْحَجَّ وَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الْحَلَالَ غاية البشاعة و تستقذرها الطبع و لم أر قائلا بتحريمها، فالحمل على المعنى الذي لا يحتاج إلى تخصيص و يكون موافقا لقواعد الإمامية من الحسن و القبح العقليين أولى من الحمل على معنى لا بد فيه من تخصيصات كثيرة، بل ما يخرج منهما أكثر مما يدخل فيهما كما لا يخفى على من تتبع مواردهما، و يمكن أن يقال: هذه الآية كالصريحة في الحسن و القبح العقليين و لم يستدل بها الأصحاب رضي الله عنهم. و قيل: الإصر الثقل الذي يأصر حامله أي يحبسه في مكانه لفرط ثقله، و قال الزمخشري: هو مثل لثقل تكليفهم و صعوبته، نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم و كذلك الأغلال مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة نحو بت القضاء بالقصاص عمدا كان أو خطأ، من غير شرع الدية، و قطع الأعضاء الخاطئة و قرض موضع النجاسة من الجلد و الثوب، و إحراق الغنائم و تحريم العروق في اللحم، و تحريم السبت. و عن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوخ و غلوا أيديهم إلى أعناقهم، و ربما ثقب الرجل ترقوته و جعل فيها طرف السلسلة و أوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة، انتهى. قوله (عليه السلام): ثم افترض عليه، أي على نبينا (صلى الله عليه و آله و سلم)" فيها" أي في الفطرة التي هي ملته، و كان ثم للتفاوت في الرتبة، و قيل: المراد بالحلال ما عدا الحرام فيشمل الأحكام الأربعة، و المراد بالفرائض المواريث ذكرت تأكيدا، أو مطلق الواجبات و قيل: الفرائض ما له تقدير شرعي من المواريث و هي أعم منها و من غيرها مما ليس له تقدير، و قيل: المراد بالفرائض ما فرض من القصاص بقدر الجناية، و قوله: و زاده الوضوء، يدل على عدم شرع الوضوء في الأمم السابقة، و ينافيه ما ورد في تفسير قوله تعالى:" فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْنٰاقِ" أنهم مسحوا ساقيهم و عنقهم و كان ذلك وضوؤهم إلا أن يقال: المراد زيادة الوضوء كما في بعض النسخ، و زيادة الوضوء عطفا وَ الْحَرَامَ وَ الْمَوَارِيثَ وَ الْحُدُودَ وَ الْفَرَائِضَ وَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ زَادَهُ الْوُضُوءَ وَ فَضَّلَهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَ بِخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَ الْمُفَصَّلِ وَ أَحَلَّ لَهُ الْمَغْنَمَ وَ الْفَيْءَ وَ نَصَرَهُ بِالرُّعْبِ على الجهاد، و قوله (عليه السلام): و فضله، إشارة إلى ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: أعطيت مكان التوراة السبع الطول، و مكان الإنجيل المثاني، و مكان الزبور المئين، و فضلت بالمفصل، و في رواية واثلة بن الأصقع: و أعطيت مكان الإنجيل المئين، و مكان الزبور المثاني، و أعطيت فاتحة الكتاب و خواتيم البقرة من تحت العرش لم يعطها نبي قبلي، و أعطاني ربي المفصل نافلة. قال الطبرسي (ره) فالسبع الطويل البقرة و آل عمران و النساء و المائدة و الأنعام و الأعراف و الأنفال مع التوبة، لأنهما تدعيان القرينتين، و لذلك لم يفصل بينهما بالبسملة و قيل: إن السابعة سورة يونس، و الطول جمع الطولي تأنيث الأطول و إنما سميت هذه السور الطوال، لأنها أطول سورة القرآن و أما المثاني فهي السور التالية للسبع الطول، أولها يونس و آخرها النحل و إنما سميت المثاني لأنها ثنت الطول أي تلتها، و كان الطول هي المبادئ و المثاني لها ثواني و واحدها مثنى مثل المعنى و المعاني، و قال الفراء، واحدها مثناة، و قيل: المثاني سور القرآن كلها طوالها و قصارها، من قوله تعالى:" كِتٰاباً مُتَشٰابِهاً مَثٰانِيَ" و أما المئون فهي كل سورة تكون نحوا من مائة آية أو فوق ذلك، أو دوينه، و هي سبع سور أولها سورة بني إسرائيل و آخرها المؤمنون، و قيل، إن المئين: ما ولى السبع الطول ثم المثاني بعدها و هي التي تقصر عن المئين و تزيد على المفصل و سميت مثاني لأن المئين مباديها، و أما المفصل فما بعد الحواميم من قصار السور إلى آخر القرآن، سميت مفصلا لكثرة الفصول بين سورها ب بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، انتهى. و أقول: اختلف في أول المفصل فقيل: من سورة ق و قيل من سورة محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و قيل من سورة الفتح، و عن النووي: مفصل القرآن من محمد إلى آخر القرآن، و قصاره من الضحى إلى آخره، و مطولاته إلى عم و متوسطاته إلى الضحى، و في وَ جَعَلَ لَهُ الْأَرْضَ مَسْجِداً وَ طَهُوراً وَ أَرْسَلَهُ كَافَّةً إِلَى الْأَبْيَضِ وَ الْأَسْوَدِ وَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ الخبر: المفصل ثمان و ستون سورة و سيأتي تمام الكلام في ذلك في كتاب القرآن. " أحل له المغنم" في النهاية: الغنمية و الغنم و المغنم و الغنائم هو ما أصيب من أموال أهل الحرب و أوجف عليه المسلمون بالخيل و الركاب، و قال: الفيء ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب و لا جهاد، و أصل الفيء الرجوع، يقال: فاء يفيء فئة و فيوءا كأنه في الأصل لهم ثم رجع إليهم، انتهى. أقول: و يحتمل أن يكون المراد بالمغنم المنقولات و بالفيء الأراضي سواء أخذت بحرب أم لا، و على التقديرين في قوله توسع أي له و لأهل بيته و أمته، و يحتمل أن يكون اللام سببية لا صلة للإحلال، فيكون من أحل له غير مذكور، فيشمل الجميع، و الاختصاص لما مر أن الأمم السابقة كانوا لا تحل لهم الغنيمة بل كانوا يجمعونها فتنزل نار من السماء فتحرقها، و كان ذلك بلية عظيمة عليهم حتى كان قد يقع فيها السرقة، فيقع الطاعون بينهم فمن الله على هذه الأمة بإحلالها" و نصره بالرعب" مع قلة العدد و العدة و كثرة الأعداء و شدة بأسهم، و الرعب الفزع و الخوف فكان الله تعالى يلقي رعبه في قلوب الأعداء حتى إذا كان بينه و بينهم مسيرة شهر هابوه و فزعوا منه. " و جعل له الأرض مسجدا" أي مصلى يجوز لهم الصلاة في أي موضع شاءوا بخلاف الأمم السابقة فإن صلاتهم كانت في بيعهم و كنائسهم إلا من ضرورة" و طهورا" أي مطهرا و ما يتطهر به تطهر أسفل القدم و النعل و محل الاستنجاء و تقوم مقام الماء عند تعذره في التيمم، و المراد بكونها طهورا أنها بمنزلة الطهور في استباحة الصلاة بها، و حمله السيد (ره) على ظاهره فاستدل بها على ما ذهب إليه أن التيمم يرفع الحدث إلى وجود الماء. " و أرسله كافة" إشارة إلى قوله تعالى:" وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلّٰا كَافَّةً لِلنّٰاسِ" و كافة في الآية إما حال عما بعدها، أي إلى الناس جميعا، و من لم يجوز تقديم الحال على وَ أَعْطَاهُ الْجِزْيَةَ وَ أَسْرَ الْمُشْرِكِينَ وَ فِدَاهُمْ ثُمَّ كُلِّفَ مَا لَمْ يُكَلَّفْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ذي الحال المجرور قال: هي حال عن الضمير المنصوب في أرسلناك، و التاء للمبالغة أو صفة لمصدر محذوف، أي إرساله كافة، أو مصدر كالكاذبة و العاقبة، و لعل الأخيرين في الخبر أنسب، و ظاهره أن غيره (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يبعث إلى الكافة و هو خلاف المشهور، و يحتمل أن يكون الحصر إضافيا أو يكون المراد به بعثه على جميع من بعده إذ لا نبي بعده بخلاف سائر أولي العزم فإنهم لم يكونوا كذلك، بل نسخت شريعتهم. " الأبيض و الأسود" العجم و العرب أو كل من اتصف باللونين ليشمل جميع الناس قال في النهاية: فيه بعثت إلى الأحمر و الأسود، أي العجم و العرب، لأن الغالب على ألوان العجم الحمرة و البياض، و على ألوان العرب الأدمة و السمرة، و قيل: الجن و الإنس، و قيل: أراد بالأحمر الأبيض مطلقا فإن العرب تقول: امرأة حمراء أي بيضاء و منه الحديث أعطيت الكنزين الأحمر و الأبيض، هي ما أفاء الله على أمته من كنوز الملوك، فالأحمر الذهب و الأبيض الفضة، و الذهب كنوز الروم لأنه الغالب على نقودهم، و الفضة كنوز الأكاسرة لأنها الغالبة علي نقودهم، و قيل: أراد العرب و العجم جمعهم الله على دينه و ملته، انتهى. و الكلام في اختصاص البعث على الجن و الإنس به (صلى الله عليه و آله و سلم) كالكلام فيما سبق و يدل الخبر أيضا على اختصاص الجزية و الأسر و الفداء، و الجزية: المال الذي يقرره الحاكم على الكتابي إذا أقره على دينه، و هي فعلة من الجزاء كأنها جزت عن قتله و أسره، و الفداء بالكسر و المد، و بالفتح و القصر، فكان الأسير بالمال الذي قرره الحاكم عليه يقال: فداه يفديه فداءا، ثم كلف على بناء المفعول و ثم هنا أيضا مثل ما سبق لأن هذا التكليف أعظم التكاليف و أشقها فقد ثبت (صلى الله عليه و آله و سلم) في حرب أحد و حنين بعد انهزام أصحابه مصرحا باسمه لا يبالي شيئا، و أنزل عليه سيف من السماء أي ذو الفقار أو غيره، و كونه بلا غمد تحريص على الجهاد و إشارة إلى أن سيفه ينبغي أن لا يغمد، و قيل السيف عبارة عن آية سورة براءة:" فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ وَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ سَيْفٌ مِنَ السَّمَاءِ فِي غَيْرِ غِمْدٍ وَ قِيلَ لَهُ- فَقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ لٰا تُكَلَّفُ إِلّٰا نَفْسَكَ
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الشَّرَائِعِ