أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَكَمِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ قَاسِمٍ شَرِيكِ الْمُفَضَّلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)يَقُولُ الْإِسْلَامُ يُحْقَنُ بِهِ الدَّمُ وَ تُؤَدَّى بِهِ الْأَمَانَةُ وَ تُسْتَحَلُّ بِهِ الْفُرُوجُ وَ الثَّوَابُ عَلَى الْإِيمَانِ بها كما عرفت، و يرشد إليه قوله: فإن أقر بها، أو الغرض بيان العقائد و جل الأعمال المشتركة بين أهل الإسلام و الإيمان، و الوصف بالضلال و عدم إطلاق الكفر عليهم إما للتقية في الجملة، أو لعدم توهم كونهم في الأحكام الدنيوية في حكم الكفار. الحديث الخامس: موثق كالصحيح. قوله: فمن زعم، تنبيه على مغايرة المفهومين و تحقق مادة الافتراق بينهما، و عموم الإسلام بالنسبة إلى الإيمان. الحديث السادس: حسن على الأصح و قد مر شرحه. تحقيق و تبيين اعلم أن الذي ظهر لنا من مجموع الآيات المتضافرة و الأخبار المتكاثرة الواردة في الإيمان و الإسلام و حقائقهما و شرائطهما أن لكل منهما إطلاقات كثيرة في الكتاب و السنة و لكل منهما فوائد و ثمرات تترتب عليه. فالأول من معاني الإيمان مجموع العقائد الحقة و الأصول الخمسة، و الثمرة المترتبة عليه في الدنيا الأمان من القتل و نهب الأموال و الإهانة إلا أن يأتي بقتل أو فاحشة يوجب القتل أو الحد أو التعزير، و في الآخرة صحة أعماله و استحقاق الثواب عليها في الجملة، و عدم الخلود في النار، و استحقاق العفو و الشفاعة، و يدخل في الكفر المقابل لهذا الإيمان من سوى الفرقة الناجية الإمامية من فرق الإسلام و غيرهم، فإنهم مخلدون في النار سوى المستضعفين منهم كما سيأتي. الثاني: الاعتقادات المذكورة مع الإتيان بالفرائض التي ظهر وجوبها من القرآن و ترك الكبائر التي أو عد الله عليها النار، و على هذا المعنى أطلق الكافر على تارك الصلاة و تارك الزكاة و أشباههم، و ورد: لا يزني الزاني و هو مؤمن، و لا يسرق السارق و هو مؤمن، و ثمرة الإيمان عدم استحقاق الإذلال و الإهانة و العذاب في الدنيا و الآخرة. الثالث: العقائد المذكورة مع فعل جميع الواجبات و ترك جميع المحرمات، و ثمرته اللحوق بالمقربين و الحشر مع الصديقين و تضاعف المثوبات و رفع الدرجات الرابع: ما ذكر مع ضم فعل المندوبات و ترك المكروهات بل المباحات كما ورد في أخبار صفات المؤمن، و بهذا المعنى يختص بالأنبياء و الأوصياء كما ورد في الأخبار الكثيرة تفسير المؤمنين في الآيات بالأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم)، و قد ورد في تفسير قوله سبحانه:" وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلّٰا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ" أن جميع معاصي الله بل التوسل بغيره سبحانه داخلة في الشرك المذكور في هذه الآية، و ثمرة هذا الإيمان أنه يؤمن على الله فيجيز أمانه، و أنه لا يرد الله دعوته و سائر ما ورد في درجاتهم (عليهم السلام) و منازلهم عند الله تعالى. و أما الإسلام فيطلق غالبا على التكلم بالشهادتين و الإقرار الظاهري و إن لم يقترن بالإذعان القلبي و لا بالإقرار بالولاية كما عرفت سابقا، و ثمرته إنما تظهر في الدنيا من حقن دمه و ماله، و جواز نكاحه و استحقاقه الميراث و سائر الأحكام الظاهرة للمسلمين، و ليس له في الآخرة من خلاق، و قد يطلق على كل من معاني الإيمان حتى المعنى الأخير، فيكون بمعنى الاستسلام و الانقياد التام. ثم إن الآيات و الأخبار الدالة على دخول الأعمال في الإيمان يحتمل وجوها: الأول أن يحمل على ظواهرها و يقال: إن العمل داخل في حقيقة الإيمان على بعض المعاني. الثاني: أن يكون الأيمان أصل العقائد لكن تسميتها إيمانا مشروطة بالأعمال. الثالث: أن يقال بزيادة الإيمان و تفاوته شدة و ضعفا، و تكون الأعمال كثرة و قلة كاشفة عن حصول كل مرتبة من تلك المراتب فإنه لا شك أن لشدة اليقين مدخلا في كثرة الأعمال الصالحة و ترك المناهي، و قد بسطنا الكلام في ذلك قليلا في كتاب عين الحياة، و سيتضح لك بعض ما ذكرنا في تضاعيف الأخبار الآتية، و لنذكر هنا بعض ما ذكره أصحابنا في حقيقة الإيمان و الإسلام و معانيهما و شرائطهما: قال المحقق الطوسي (قدس سره) القدوسي في قواعد العقائد: المسألة الخامسة: فيما به يحصل استحقاق الثواب و العقاب، قالوا: الإسلام أعم في الحكم من الإيمان، و هما في الحقيقة شيء واحد أما كونه أعم فلأن من أقر بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين" قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا" و أما كون الإسلام في الحقيقة هو الإيمان فلقوله تعالى:" إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ" و اختلفوا في معناه فقال بعض السلف: الإيمان إقرار باللسان و تصديق بالقلب و عمل صالح بالجوارح، و قالت المعتزلة: أصول الإيمان خمسة: التوحيد و العدل و الإقرار بالنبوة و بالوعد و الوعيد و القيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و قال الشيعة: أصول الإيمان ثلاثة التصديق بوحدانية الله عز و جل في ذاته، و العدل في أفعاله، و التصديق بنبوة الأنبياء و التصديق بإمامة الأئمة المعصومين، و التصديق بالأحكام التي يعلم يقينا أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) حكم بها دون ما فيه الخلاف و الاستتار، و الكفر يقابل الإيمان، و الذنب يقابل العمل الصالح و ينقسم إلى كبائر و صغائر، و يستحق المؤمن بالإجماع الخلود في الجنة و يستحق الكافر الخلود في العذاب و صاحب الكبيرة عند الخوارج كافر، لأنهم جعلوا العمل الصالح جزءا من الإيمان، و عند غيرهم فاسق، و المؤمن عند المعتزلة و الوعيدية لا يكون فاسقا و جعلوا الفاسق الذي لا يكون كافرا منزلة بين المنزلتين الإيمان و الكفر، و هو عندهم يكون في النار خالدا و عند غيرهم المؤمن قد يكون فاسقا و قد لا يكون، و تكون عاقبة الأمر على التقديرين الخلود في الجنة. و قال (ره) في التجريد: الإيمان التصديق بالقلب و اللسان و لا يكفي الأول لقوله تعالى:" وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ" و نحوه، و لا الثاني لقوله تعالى:" قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا" و الكفر عدم الإيمان إما مع الضد أو بدونه، و الفسق الخروج عن طاعة الله تعالى مع الإيمان به، و النفاق إظهار الإيمان به و إخفاء الكفر، و الفاسق مؤمن لوجود حده فيه. و قال العلامة نور الله ضريحه في الشرح: الناس في الإيمان على وجوه كثيرة و ليس هنا موضع ذكرها، و الذي اختاره المصنف (ره) أنه عبارة عن التصديق بالقلب و اللسان معا و لا يكفي أحدهما فيه، أما التصديق القلبي فإنه غير كاف لقوله تعالى: " وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ" و قوله تعالى:" فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ" فأثبت لهم المعرفة و الكفر، أما التصديق اللساني فإنه غير كاف أيضا لقوله تعالى: " قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا" الآية، و لا شك في أن أولئك الأعراب صدقوا بألسنتهم و قال (ره): الكفر في اللغة هو التغطية، و في العرف الشرعي هو عدم الإيمان أما مع الضد بأن يعتقد فساد ما هو شرط الإيمان، أو بدون الضد كالشاك الخالي من الاعتقاد الصحيح و الباطل و الفسق لغة الخروج مطلقا، و في الشرع عبارة عن الخروج عن طاعة الله تعالى فيما دون الكفر، و النفاق في اللغة هو إظهار خلاف الباطن، و في الشرع إظهار الإيمان و إبطان الكفر، و اختلف الناس في الفاسق فقالت المعتزلة: أن الفاسق لا مؤمن و لا كافر، و أثبتوا له منزلة بين المنزلتين، و قال الحسن البصري: أنه منافق و قالت الزيدية: أنه كافر نعمة، و قالت الخوارج: أنه كافر و الحق ما ذهب إليه المصنف و هو مذهب الإمامية و المرجئة و أصحاب الحديث و جماعة الأشعرية أنه مؤمن، و الدليل عليه أن حد المؤمن و هو المصدق بقلبه و لسانه في جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) موجود فيه، فيكون مؤمنا، انتهى. و قال الشيخ المفيد (قدس سره) في كتاب المسائل: اتفقت الإمامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة و الإقرار لا يخرج بذلك عن الإسلام، و أنه مسلم و إن كان فاسقا بما معه من الكبائر و الآثام و وافقهم على هذا القول المرجئة كافة و أصحاب الحديث قاطبة، و نفر من الزيدية، و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعموا أن مرتكب الكبائر ممن ذكرناه فاسق ليس بمؤمن و لا مسلم. و قال (قدس سره): اتفقت الإمامية على أن الإسلام غير الإيمان، و أن كل مؤمن فهو مسلم و ليس كل مسلم مؤمنا، و أن الفرق بين هذين المعنيين في الدين كما كان في اللسان، و وافقهم على هذا القول المرجئة و أصحاب الحديث، و أجمعت المعتزلة على عدم الفرق بينهما. و قال الشهيد الثاني (قدس سره) في رسالة الإيمان: اعلم أن الإيمان لغة التصديق كما نص عليه أهلها، و هو أفعال من الأمن بمعنى سكون النفس و اطمئنانها لعدم ما يوجب الخوف لها و حينئذ فكان حقيقة آمن به سكنت نفسه و اطمأنت بسبب قبول قوله، و امتثال أمره، فتكون الباء للسببية و يحتمل أن يكون بمعنى أمنه التكذيب و المخالفة كما ذكره بعضهم، فتكون الباء فيه زائدة، و الأول أولى كما لا يخفى و أوفق لمعنى التصديق، و هو يتعدى باللام كقوله تعالى:" وَ مٰا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنٰا"" فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ" و بالباء كقوله تعالى:" آمَنّٰا بِمٰا أَنْزَلْتَ" و أما التصديق فقد قيل: أنه القبول و الإذعان بالقلب كما ذكره أهل الميزان و يمكن أن يقال: معناه قبول الخير أعم من أن يكون بالجنان أو باللسان، و يدل عليه قوله تعالى: " قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا" فأخبروا عن أنفسهم بالإيمان و هم من أهل اللسان، مع أن الواقع منهم هو الاعتراف باللسان دون الجنان لنفيه عنهم بقوله تعالى:" قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا" و إثبات الاعتراف بقوله تعالى:" وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا" الدال على كونه إقرارا بالشهادتين، و قد سموه إيمانا بحسب عرفهم، و الذي نفاه الله عنهم إنما هو الإيمان في عرف الشرع، و أما الإيمان الشرعي فقد اختلف في بيان حقيقة العبارات بسبب اختلاف الاعتبارات، و بيان ذلك أن الإيمان شرعا إما أن يكون من أفعال القلوب فقط أو من أفعال الجوارح فقط أو منهما معا، فإن كان الأول فهو التصديق بالقلب فقط و هو مذهب الأشاعرة و جمع من متقدمي الإمامية و متأخريهم و منهم المحقق الطوسي (ره) في فصوله لكن اختلفوا في معنى التصديق فقال أصحابنا: هو العلم و قال الأشعرية: هو التصديق النفساني و عنوا به أنه عبارة عن ربط القلب على ما علم من أخبار المخبر فهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق و لذا يثاب عليه بخلاف العلم و المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب كما في الضروريات و قد ذكر حاصل ذلك بعض المحققين فقال: التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار لم يكن تصديقا و إن كان معرفة و سنبين إنشاء الله تعالى قصور ذلك، و إن كان الثاني فإما أن يكون عبارة عن التلفظ بالشهادتين فقط و هو مذهب الكرامية أو عن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها فرضا و نفلا و هو مذهب الخوارج و قدماء المعتزلة و العلاف و القاضي عبد الجبار أو عن جميعها من الواجبات و ترك المحظورات دون النوافل و هو مذهب أبي علي الجبائي و ابنه أبي هاشم و أكثر معتزلة البصرة، و إن كان الثالث فهو إما أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات و هو قول المحدثين و جمع من السلف كابن مجاهد و غيره فإنهم قالوا أن الإيمان تصديق بالجنان و إقرار باللسان و عمل بالأركان، أو يكون عبارة عن التصديق مع كلمتي الشهادة، و نسب إلى طائفة منهم أبو حنيفة، أو يكون عبارة عن التصديق بالقلب مع الإقرار باللسان و هو مذهب المحقق نصير الدين الطوسي (ره) في تجريده، فهذه سبعة مذاهب، ذكرت في الشرح الجديد و غيره، و اعلم أن مفهوم الإيمان على المذهب الأول يكون تخصيصا للمعنى اللغوي، و أما على المذاهب الباقية فهو منقول و التخصيص خير من النقل. و هنا بحث و هو أن القائلين بأن الإيمان عبارة عن فعل الطاعات كقدماء المعتزلة و العلاف و الخوارج لا ريب أنهم يوجبون اعتقاد مسائل الأصول و حينئذ فما الفرق بينهم و بين القائلين بأنه عبارة عن أفعال القلوب و الجوارح؟ و يمكن الجواب بأن اعتقاد المعارف شرط عند الأولين و شطر عند الآخرين. ثم قال: اعلم أن المحقق الطوسي (قدس سره) ذكر في قواعد العقائد أن أصول الإيمان عند الشيعة ثلاثة ثم ذكر ما نقلنا عنه سابقا ثم قال: و ذكر في شرح الجديد للتجريد أن الإيمان في الشرع عند الأشاعرة هو التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة فتفصيلا فيما علم تفصيلا، و إجمالا فيما علم إجمالا، فهو في الشرع تصديق خاص، انتهى. فهؤلاء اتفقوا على أن حقيقة الإيمان هي التصديق فقط، و إن اختلفوا في مقدار المصدق به، و الكلام هيهنا في مقامين: الأول: في أن التصديق الذي هو الإيمان المراد به اليقيني الجازم الثابت كما يظهر من كلام من حكينا عنه، و الثاني: في أن الأعمال ليست جزءا من حقيقة الإيمان الحقيقي، بل هي جزء من الإيمان الكمالي، أما الدليل على الأول فآيات بينات منها قوله تعالى:" إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً" و الإيمان حق بالنص و الإجماع، فلا يكفي في حصوله و تحققه الظن، و منها" إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ"" إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ" و" إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" فهذه قد اشتركت في التوبيخ على اتباع الظن، و الإيمان لا يوبخ من حصل له بالإجماع فلا يكون ظنا و منها قوله تعالى:" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتٰابُوا" فنفى عنهم الريب فيكون الثابت هو اليقين، و في العرف يطلق عدم الريب على اليقين. و من السنة المطهرة قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): يا مقلب القلوب و الأبصار ثبت قلبي على دينك، و الثبات هو الجزم و المطابقة، و فيه منع لم لا يجوز أن يكون طلبه (عليه السلام) لأنه الفرد الأكمل. و من الدلائل أيضا الإجماع حيث ادعى بعضهم أنه يجب معرفة الله تعالى التي لا يتحقق الإيمان إلا بها بالدليل إجماعا من العلماء كافة، و الدليل ما أفاد العلم، و الظن لا يفيده، و في صحة دعوى الإجماع بحث لوقوع الخلاف في جواز التقليد في المعارف الأصولية كما سنذكره إنشاء الله تعالى. و اعلم أن جميع ما ذكرنا من الأدلة لا يفيد شيء منه العلم بأن الجزم و الثبات معتبر في التصديق الذي هو الإيمان، إنما يفيد الظن باعتبارهما لأن الآيات قابلة للتأويل، و غيرها كذلك مع كونها من الآحاد. ثم قال رفع الله درجته: اعلم أن العلماء أطبقوا على وجوب معرفة الله بالنظر و أنها لا تحصل بالتقليد إلا من شذ منهم كعبد الله بن الحسن العنبري و الحشوية و التعليمية حيث ذهبوا إلى جواز التقليد في العقائد الأصولية كوجود الصانع و ما يجب له و يمتنع و النبوة و العدل و غيرها، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه، لكن اختلف القائلون بوجوب المعرفة أنه عقلي أو سمعي فالإمامية و المعتزلة على الأول و الأشعرية على الثاني، و لا غرض لنا هنا ببيان ذلك بل ببيان أصل الوجوب المتفق عليه. ثم استدل بوجوب شكر المنعم عقلا و شكره على وجه يليق بكمال ذاته، يتوقف على معرفته، و هي لا تحصل بالظنيات كالتقليد و غيره، لاحتمال كذب المخبر و خطأ الأمارة، فلا بد من النظر المفيد للعلم ثم قال: هذا الدليل إنما يستقيم على قاعدة الحسن و القبح، و الأشاعرة ينكرون ذلك لكن كما يدل على وجوب المعرفة بالدليل يدل أيضا على كون الوجوب عقليا و اعترض أيضا بأنه مبني على وجوب ما لا يتم الواجب المطلق إلا به، و فيه أيضا منوع الأشاعرة، و من ذلك أن الأمة أجمعت على وجوب المعرفة، و التقليد و ما في حكمه لا يوجب العلم إذ لو أوجبه لزم اجتماع الضدين في مثل تقليد من يعتقد حدوث العالم و يعتقد قدمه، و قد اعترض على هذا بمنع الإجماع كيف و المخالف معروف، بل عورض بوقوع الإجماع على خلافه، و ذلك لتقرير النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أصحابه العوام على إيمانهم، و هم الأكثرون في كل عصر مع عدم الاستفسار عن الدلائل الدالة على الصانع و صفاته، مع أنهم كانوا لا يعلمونها و إنما كانوا مقرين باللسان و مقلدين في المعارف، و لو كانت المعرفة واجبة لما جاز تقريرهم على ذلك، مع الحكم بإيمانهم، و أجيب عن هذا بأنهم كانوا يعلمون الأدلة إجمالا كدليل الأعرابي حيث قال: البعرة تدل على البعير، و أثر الإقدام على المسير، أ فسماء ذات أبراج و أرض ذات فجاج لا تدلان على اللطيف الخبير، فلذا أقروا و لم يسألوا عن اعتقاداتهم أو أنهم كان يقبل منهم ذلك للتمرين ثم يبين لهم ما يجب عليهم من المعارف بعد حين. و من ذلك الإجماع على أنه لا يجوز تقليد غير المحق و إنما يعلم المحق من غيره بالنظر في أن ما يقوله حق أم لا و حينئذ فلا يجوز له التقليد إلا بعد النظر و الاستدلال، و إذا صار مستدلا امتنع كونه مقلدا فامتنع التقليد في المعارف الإلهية و نقض ذلك بلزوم مثله في الشرعيات فإنه لا يجوز تقليد المفتي إلا إذا كانت فتياه عن دليل شرعي، فإن اكتفي في الاطلاع على ذلك بالظن و إن كان مخطئا في نفس الأمر لحط ذلك عنه فليجر مثله في مسائل الأصول. و أجيب بالفرق بأن الخطأ في مسائل الأصول يقتضي الكفر، بخلافه في الفروع فساغ في الثانية ما لم يسغ في الأولى. احتج من أوجب التقليد في مسائل الأصول بأن العلم بالله تعالى غير ممكن لأن المكلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره و حال امتناع كونه عالما بأمره يمتنع كونه مأمورا من قبله و إلا لزم تكليف ما لا يطاق و إن كان عالما به استحال أيضا أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الحاصل؟ و الجواب عن ذلك على قواعد الإمامية و المعتزلة ظاهر، فإن وجوب النظر و المعرفة عندهم عقلي لا سمعي، نعم يلزم ذلك على قواعد الأشاعرة إذ الوجوب عندهم سمعي. أقول: و يجاب أيضا معارضة بأن هذا الدليل كما يدل على امتناع العلم بالمعارف الأصولية يدل على امتناع التقليد فيها أيضا فينسد باب المعرفة بالله تعالى و كل من يرجع إليه في التقليد لا بد و أن يكون عالما بالمسائل الأصولية ليصح تقليده، ثم يجري الدليل فيه فيقال: علم هذا الشخص بالله تعالى غير ممكن لأنه حين كلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره بالمقدمات، و كلما أجابوا به فهو جوابنا، و لا مخلص لهم إلا أن يعترفوا بأن وجوب المعرفة عقلي فيبطل ما ادعوه من أن العلم بالله تعالى غير ممكن، أو سمعي فكذلك. فإن قيل: ربما يحصل العلم لبعض الناس بتصفية النفس أو إلهامه إلى غير ذلك فيقلده الباقون؟ قلنا: هذا أيضا يبطل قولكم إن العلم بالله تعالى غير ممكن، نعم ما ذكروه يصلح أن يكون دليلا على امتناع المعرفة بالسمع فيكون حجة على الأشاعرة لا دليلا على وجوب التقليد. و احتجوا أيضا بأن النهي عن النظر قد ورد في قوله تعالى:" مٰا يُجٰادِلُ فِي آيٰاتِ اللّٰهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا" و النظر يفتح باب الجدال فيحرم، و لأنه (عليه السلام) رأى الصحابة يتكلمون في مسألة القدر فنهاهم عن الكلام فيها، و قال: إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا، و لقوله (عليه السلام): عليكم بدين العجائز، و المراد ترك النظر، فلو كان واجبا لم يكن منهيا عنه. و أجيب عن الأول بأن المراد الجدال بالباطل كما في قوله تعالى:" وَ جٰادَلُوا بِالْبٰاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ" لا الجدال بالحق لقوله تعالى:" وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" و الأمر بذلك يدل على أن الجدال مطلقا ليس منهيا عنه، و عن الثاني بأن نهيهم عن الكلام في مسألة القدر على تقدير تسليمه لا يدل على النهي عن مطلق النظر، بل عنه في مسألة القدر، كيف و قد ورد الإنكار على تارك النظر في قوله تعالى:" أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ" و قد أثنى على فاعله في قوله " وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ" على أن نهيهم عن الخوض في القدر لعله لكونه أمرا غيبيا و بحرا عميقا كما أشار إليه علي (عليه السلام) بقوله: بحر عميق فلا تلجه، بل كان مراد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) التفويض في مثل ذلك إلى الله تعالى، لأن ذلك ليس من الأصول التي يجب اعتقادها، و البحث عنها مفصلة. و هيهنا جواب آخر عنهما معا، و هو أن النهي في الآية و الحديث مع قطع النظر عما ذكرناه إنما يدل على النهي عن الجدال الذي لا يكون إلا من متعدد بخلاف النظر فإنه يكون من واحد، فهو نصب الدليل على غير المدعى. و عن الثالث بالمنع من صحة نسبته إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فإن بعضهم ذكر أنه من مصنوعات سفيان الثوري فإنه روى أن عمر بن عبد الله المعتزلي قال: إن بين الكفر و الإيمان منزلة بين المنزلتين فقالت عجوز: قال الله تعالى:" هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ" فلم يجعل من عباده إلا الكافر و المؤمن، فسمع سفيان كلامها فقال: عليكم بدين العجائز. على أنه لو سلم فالمراد به التفويض إلى الله تعالى في قضائه و حكمه و الانقياد له في أمره و نهيه. و احتج من جوز التقليد بأنه لو وجب النظر في المعارف الإلهية لوجد من الصحابة، إذ هم أولى به من غيرهم لكنه لم يوجد و إلا لنقل عنهم كما نقل عنهم النظر و المناظرة في المسائل الفقهية فحيث لم ينقل لم يقع فلم يجب. و أجيب بالتزام كونهم أولى به لكنهم نظروا و إلا لزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة الله تعالى و كون الواحد منا أفضل منهم و هو باطل إجماعا إذ كانوا عالمين و ليس بالضرورة فهو بالنظر و الاستدلال، و أما إنه لم ينقل النظر و المناظرة فلاتفاقهم على العقائد الحقة لوضوح الأمر عندهم حيث كانوا ينقلون عقائدهم عمن لا ينطق عن الهوى، فلم يحتاجوا إلى كثرة البحث و النظر بخلاف الأخلاف بعدهم فإنهم لما كثرت شبه الضالين و اختلف أنظار طالبي اليقين لتفاوت أذهانهم في إصابة الحق احتاجوا إلى النظر و المناظرة ليدفعوا بذلك شبه المضلين، و يقفوا على اليقين إما مسائل الفروع لما كانت أمورا ظنية اجتهادية خفية لكثرة تعارض الأمارات فيها وقع بينهم الخلاف فيها و المناظرة و التخطئة لبعضهم من بعض فلذا نقل. و احتجوا أيضا بأن النظر مظنة الوقوع في الشبهات و التورط في الضلالات بخلاف التقليد فإنه أبعد عن ذلك و أقرب إلى السلامة فيكون أولى و لأن الأصول أغمض أدلة من الفروع و أخفى، فإذا جاز التقليد في الأسهل جار في الأصعب بطريق أولى، و لأنهما سواء في التكليف بهما فإذا جاز في الفروع فليجز في الأصول. و أجيب عن الأول بأن اعتقاد المعتقد إن كان عن تقليد لزم إما التسلسل أو الانتهاء إلى من يعتقد عن نظر لانتفاء الضرورة، فيلزم ما ذكرتم من المحذور مع زيادة و هي احتمال كذب المخبر بخلاف الناظر مع نفسه، فإنه لا يكابر نفسه فيما أدى إليه نظره. على أنه لو اتفق الانتهاء إلى من اتفق له العلم بغير النظر كتصفية الباطن كما ذهب إليه بعضهم أو بالإلهام أو بخلق العلم فيه ضرورة فهو إنما يكون لأفراد نادرة لأنه على خلاف العادة فلا يتيسر لكل أحد الوصول إليه مشافهة بل بالوسائط فيكثر احتمال الكذب بخلاف الناظر فإنه لا يكابر نفسه، و لأنه أقرب إلى الوقوف على الصواب. و أما الجواب عن العلاوة فلأنه لما كان الطريق إلى العمل بالفروع إنما هو النقل ساغ لنا التقليد فيها و لم يقدح احتمال كذب المخبر و إلا لانسد باب العمل بها، بخلاف الاعتقاديات فإن الطريق إليها بالنظر ميسر. ثم قال (رحمه الله) بعد إطالة الكلام في الجواب عن حجة الخصام: و أما المقام الثاني و هو أن الأعمال ليست جزءا من الإيمان و لا نفسه، فالدليل عليه من الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الإجماع، أما الكتاب فمنه قوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ" فإن العطف يقتضي المغايرة و عدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، فلو كان عمل الصالحات جزءا من الإيمان أو نفسه لزم خلو العطف عن الفائدة لكونه تكرارا، و رد بأن الصالحات جمع معرف يشمل الفرض و النفل، و القائل بكون الطاعات جزءا من الإيمان يريد بها فعل الواجبات و اجتناب المحرمات و حينئذ فيصح العطف لحصول المغايرة المفيدة لعموم المعطوف، فلم يدخل كله في المعطوف عليه، نعم يصلح دليلا على إبطال مذهب القائلين بكون المندوب داخلا في حقيقة الإيمان كالخوارج. و منه قوله تعالى:" وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّٰالِحٰاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ" أي حالة إيمانه و هذا يقتضي المغايرة. و منه قوله تعالى:" وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا" فإنه أثبت الإيمان لمن ارتكب بعض المعاصي فلا يكون ترك المنهيات جزءا من الإيمان. و منه قوله تعالى:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّٰادِقِينَ" فإن أمرهم بالتقوى التي لا تحصل إلا بفعل الطاعات و الانزجار عن المنهيات مع وصفهم بالإيمان يدل على عدم حصول التقوى لهم، و إلا لكان أمرا بتحصيل الحاصل. و منه الآيات الدالة على كون القلب محلا للإيمان من دون ضميمة شيء آخر كقوله تعالى:" أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ" و لو كان الإقرار أو غيره من الأعمال نفس الإيمان أو جزءه لما كان القلب محل جميعه، و قوله تعالى:" وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ" و قوله تعالى:" وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ" و كذا آيات الطبع و الختم تشعر بأن محل الإيمان القلب كقوله تعالى:" أُولٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ" و" خَتَمَ عَلىٰ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلىٰ بَصَرِهِ غِشٰاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللّٰهِ". و أما السنة فكقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) يا مقلب القلوب و الأبصار ثبت قلبي على دينك و روي أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) سأل جبرئيل عن الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله و رسله و اليوم الآخر. و أما الإجماع فهو أن الأمة أجمعت على أن الإيمان شرط لسائر العبادات و الشيء لا يكون شرطا لنفسه فلا يكون الإيمان هو العبادات. و أما أهل الثاني و هم الكرامية فقد استدلوا على مذهبهم بأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الصحابة كانوا يكتفون في الخروج عن الكفر بكلمتي الشهادتين فتكون هي الإيمان إذ لا واسطة بين الكفر و الإيمان، لأن الكفر عدم الإيمان، و لقوله تعالى:" فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ" و بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، و بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) لأسامة حين قتل من تكلم بالشهادتين: هلا شققت قلبه، أو هل شققت قلبه؟ على بعض النسخ، يريد بذلك الإنكار عليه، حيث لم يكتف بالشهادتين منه. و الجواب عن الأول أن الخروج عن الكفر بكلمة الشهادة إن أرادوا به الخروج في نفس الأمر بحيث يصير مؤمنا عند الله سبحانه بمجرد ذلك من دون تصديق فهو ممنوع، لم لا يجوز أن يكون اكتفاؤهم بذلك للترغيب في الإسلام، لا الحكم بالإيمان و إن أرادوا به الخروج بحسب الظاهر فهو مسلم لكن لا ينفعهم إذا الكلام فيما يتحقق به الإيمان عند الله تعالى، بحيث يصير المتصف به مؤمنا في نفس الأمر لا فيما يتحقق به الإسلام في ظاهر الشرع حيث لا يمكن الاطلاع على الباطن، أ لا ترى أنهم كانوا يحكمون بكفر من ظهر منه النفاق بعد الحكم بإسلامه، و لو كان مؤمنا في نفس الأمر لما جاز ذلك، و أما نفي الواسطة فهو مستقيم على أخذ الحكم في نفس الأمر، فإن حال المكلف في نفس الأمر لا يخلو عن أحدهما، و أما جعل لا إله إلا الله غاية للقتال، فلا يدل على أكثر من …
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · أن الإسلام يحقن به الدم و أن الثواب على الإيمان يقال: حقن دم فلان أي أنقذه من القتل.