الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ٦

كونه للترغيب في الإسلام أيضا بسبب حقن الدماء، على أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ربما لا يطلع على بواطن الناس، فكيف يؤمر بالقتال على ما لا يطلع عليه. و أما أهل الثالث و هم قدماء المعتزلة القائلون بأنه جميع الطاعات فرضا و نفلا، فمن أمتن دلائلهم على ذلك قوله تعالى:" وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ" و المشار إليه بذلك هو جميع ما حصر بإلا و ما عطف عليه، و الدين هو الإسلام لقوله تعالى: " إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ" و الإسلام هو الإيمان لقوله تعالى:" وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ" و لا ريب أن الإيمان مقبول من مبتغيه للنص و الإجماع، فيكون إسلاما، فيكون دينا فيعتبر فيه الطاعات كما دلت عليه الآيات. و الجواب المنع من اتحاد الدينين في الآيتين فلا يتكرر الوسط، و لو سلم اتحادهما فلا نسلم أن الإيمان هو الإسلام ليكون هو الدين، فتعتبر فيه الطاعات لم لا يجوز أن يكون الإيمان شرطا للإسلام أو جزءا منه أو بالعكس، و شرط الشيء و جزؤه يقبل مع كونه غيره، و لا يلزم من ذلك أن يكون الإيمان هو الدين بل شرطه أو جزؤه. على أنا لو قطعنا النظر عن جميع ذلك فالآية الكريمة إنما تدل على من ابتغى و طلب غير دين الإسلام دينا له فلن يقبل منه ذلك المطلوب، و لم تدل على أن من صدق بما أوجبه الشارع عليه لكنه ترك فعل بعض الطاعات غير مستحل أنه طالب لغير دين الإسلام، إذ ترك الفعل يجتمع مع طلبه لعدم المنافاة بينهما، فإن الشخص قد يكون طالبا للطاعة مريدا لها لكنه تركها إهمالا و تقصيرا، و لا يخرج بذلك عن ابتغائها. و استدلوا أيضا بقوله تعالى:" وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ" أي صلاتكم إلى بيت المقدس، و اعترض عليه بأنه لم لا يجوز أن يكون المراد به تصديقكم بتلك الصلاة. سلمنا ذلك لكن لا دلالة لهم في الآية و ذلك لأنهم زعموا أن الإيمان جميع الطاعات، و الصلاة إنما هي جزء من الطاعات و جزء الشيء لا يكون ذلك الشيء. و أما أهل الرابع و هم القائلون بكونه عبارة عن جميع الواجبات و ترك المحظورات و دون النوافل فقد يستدل لهم بقوله تعالى:" إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ" و التقوى لا يتحقق إلا بفعل المأمور به و ترك المنهي عنه، فلا يكون التصديق مقبولا ما لم يحصل التقوى، و بما روي أن الزاني لا يزني و هو مؤمن، و بقوله (عليه السلام): لا إيمان لمن لا أمانة له، و بقوله تعالى:" وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ" و قد لا يحكم بما أنزل الله أو يحكم بما لم ينزل الله مصدقا فلو تحقق الإيمان بالتصديق لزم اجتماع الكفر و الإيمان في محل واحد و هو محال لتقابلهما بالعدم و الملكة. و الجواب عن الأول أنه يجوز أن يكون المراد و الله أعلم الأعمال الندبية، على أنا نقول أن ظاهر الآية الكريمة متروك فإنها تدل ظاهرا على أن من أخلص في جميع أفعاله و كان قد سبق منه معصية واحدة لم يثبت عليها و يكون جميع الطاعات اللاحقة غير مقبولة، و القول بذلك مع بعده عن حكمة الله تعالى من أفظع الفظائع فلا يكون مرادا، بل المراد و الله أعلم أن من عمل عملا إنما يكون مقبولا إذا كان متقيا فيه بأن يكون مخلصا فيه لله تعالى و حينئذ فلا دلالة لهم في الآية الكريمة. مع أنا لو تنزلنا عن ذلك و قلنا بدلالتها على عدم قبول التصديق من دون التقوى فلا يحصل بذلك مدعاهم الذي هو كون الإيمان عبارة عن جميع الواجبات" إلخ" و لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الإيمان عبارة عما ذكرتهم مع التصديق بالمعارف الأصولية و عدم قبول الجزء إنما هو لعدم قبول الكل، و أما الحديث الأول على تقدير تسليمه فيمكن حمله على المبالغة في الزجر أو تخصيصه بمن استحل و دليل التخصيص في أحاديث أخر، أو على نفي الكمال في الإيمان، و كذا الحديث الثاني. و أما الاستدلال بالآية فقد تعارض بقوله تعالى:" وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ" و الفاسق مؤمن على المذهب الحق أو بين المنزلتين على غيره و يمكن أن يقال: الفسق لا ينافي الكفر إذ الكافر فاسق لغة و إن كان في العرف يباينه لكنه لم يتحقق كونه عرف الشارع، بل المعلوم كونه لأهل الشرع و الأصول فلا تعارض حينئذ. أقول: و الحق في الجواب أن المراد و الله أعلم: و من لم يحكم بما أنزل الله، أي بما علم قطعا أن الله سبحانه أنزله فإن العدول عنه إلى غيره مستحلا أو الوقوف عنه كذلك لا ريب في كونه كفرا لأنه إنكار لما علم ثبوته ضرورة فلا يكون التصديق حاصلا و حينئذ فلا دلالة فيها على أن من ارتكب معصية غير مستحل أو مستحلا مع كون تحريمها لم يعلم من الدين ضرورة يكون كافرا، و إنما ارتكبنا هذا الإضمار في الآية لما دل عليه النص و الإجماع من أن الحاكم لو أخطأ في حكمه لم يكفر مع أنه يصدق عليه أنه لم يحكم بما أنزل الله. و اعلم أنه قد ظهر من هذا الجواب وجه آخر للجمع بين الآيتين و وقع التعارض بين ظاهر هما بأن يراد من إحداهما ما ذكرناه في الجواب و من الأخرى و من لم يحكم غير مستحل مع علمه بالتحريم فهو فاسق، و الحاصل أنه يقال لهم: إن أردتم بالطاعات و التروك ما علم ثبوته من الدين ضرورة فنحن نقول بموجب ذلك، لكن لا يلزم منه مدعا كم لجواز كون الحكم بكفره إما لجحده ما علم من الدين ضرورة فيكون قد أخل بما هو شرط الإيمان و هو عدم الجحد على ما قدمناه، أو لكون المذكورات جزء الإيمان على ما ذهب إليه بعضهم، و إن أردتم الأعم فلا دلالة لكم فيها أيضا و هو ظاهر. و أما أهل الخامس القائلون بأنه تصديق بالجنان و إقرار باللسان و عمل بالأركان فيستدل لهم بما استدل به أهل التصديق مع ما استدل به أهل الأعمال و من أضاف الإقرار باللسان إلى الجنان، و قد علمت تزييف ما سوى الأول و سيجيء إنشاء الله تعالى تزييف أدلة من أضاف الإقرار فلم يبق لمذهبهم قرار. نعم في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ما يشهد لهم و قد ذكر في الكافي و غيره منها جملة فمنها ما رواه علي بن إبراهيم عن العباس بن معروف عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن حماد بن عثمان عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله (عليهم السلام) أسأله عن الإيمان ما هو إلى آخر الخبر، و منها ما رواه علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن عن عجلان أبي صالح قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أوقفني على حدود الإيمان، الخبر. و منها: أبو علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان أو غيره عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الإيمان، الخبر. ثم قال (قدس سره): و اعلم أن هذه الأحاديث منها ما سنده غير نقي كالأول، فإن في سنده عبد الرحيم و هو مجهول مع كونه مكاتبة، و أما الثاني فإن سنده و إن كان جيدا إلا أن دلالته غير صريحة فإن كون المذكورات حدود الإيمان لا يقتضي كونها نفس حقيقته إذ حد الشيء نهايته و ما لا يجوز تجاوزه، فإن تجاوزه خرج عنه، و نحن نقول بموجب ذلك فإن من تجاوز هذه المذكورات بأن تركها جاحدا لا ريب في خروجه عن الإيمان، لكن لعل ذلك لكونها شروطا للإيمان، لا لكونها نفسه، و أما الثالث فإن دلالته و إن كانت جيدة إلا أن في سنده إرسالا مع كون العلاء مشتركا بين المقبول و المجهول، و بالجملة فهذه الرواية معارضة بما هو أمتن منها دلالة، و قد تقدم ذلك فليراجع، نعم لا ريب في كونها مؤيدة لما قالوه. و أما أهل السادس القائلون بأنه التصديق مع كلمتي الشهادة ففيما مر من الأحاديث ما يصلح شاهدا لهم، و كذا ما ذكره الكرامية مع ما ذكره أهل التصديق يصلح شاهدا لهم، و قد عرفت ما في الأولين فلا نعيده، و أما السابع فإنه مذهب جماعة من المتأخرين منهم المحقق الطوسي (ره) في تجريده فإنه اعتبر في حقيقة الإيمان مع التصديق الإقرار باللسان، قال: و لا يكفي الأول لقوله تعالى:" وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ" أثبت للكفار الاستيقان النفسي و هو التصديق القلبي، فلو كان الإيمان هو التصديق القلبي فقط لزم اجتماع الكفر و الإيمان و هو باطل لتقابلهما تقابل العدم و الملكة، و لا الثاني يعني الإقرار باللسان لقوله تعالى:" قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا" الآية و لقوله تعالى:" وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ مٰا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ" فأثبت لهم تعالى في الآيتين التصديق باللسان، و نفي عنهم الإيمان. أقول: الاستدلال على عدم الاكتفاء بالثاني مسلم موجه و كذا عدم الاكتفاء بالأول، أما على اعتبار الإقرار ففيه بحث فإن الدليل أخص من المدعى، إذ المدعي أن الإيمان لا يحقق إلا بالتصديق مع الإقرار، و بدون ذلك يتحقق الكفر، و الآية الكريمة إنما دلت على ثبوت الكفر لمن جحد أي أنكر الآيات مع علمه بحقيقتها و بينهما واسطة، فإن من حصل له التصديق اليقيني في أول الأمر، و لم يكن تلفظ بكلمات الإيمان لا يقال أنه منكر و لا جاحد، و حينئذ فلا يلزم اجتماع الكفر و الإيمان في مثل هذه الصورة مع أنه غير مقر و لا تارك للإقرار جحدا كما هو المفروض، هذا إن قصد بالآية الدلالة على اعتبار الإقرار أيضا، و إلا لكان اعتبار الإقرار دعوى مجردة، و قد علت ما عليه، و أما دلالة الآية الكريمة على كفره في صورة جحده و استيقانه فنقول بموجبه لكن ليس لعدم إقراره فقط بل لأنه ضم إنكارا إلى استيقان. و بالجملة فهو من جملة العلامات على الحكم بالكفر كما جعل الاستخفاف بالشارع أو الشرع، و وطي المصحف علامة على الحكم بالكفر، مع أنه قد يكون مصدقا كما سبقت الإشارة إليه، نعم غاية ما يلزم أن يكون إقرار المصدق شرطا لحكمنا بإيمانه ظاهرا، و أما قبل ذلك و بعد التصديق فهو مؤمن عند الله تعالى إذا لم يكن تركه للإقرار عن جحد. على أنه يلزمه (قدس سره) أن من حصل له التصديق بالمعارف الإلهية ثم عرض له الموت فجأة قبل الإقرار يموت كافرا و يستحق العذاب الدائم مع اعتقاده وحدة الصانع و حقية ما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله)، و لا أظن أن مثل هذا المحقق يلتزم ذلك، و الحاصل أنه إن أراد (رحمه الله) أن كون الإنسان مؤمنا عند الله سبحانه كما هو ظاهر كلامه لا يتحقق إلا بمجموع الأمرين فالواسطة و الالتزام لا زمان عليه، و إن أراد أن كونه مؤمنا في ظاهر الشرع لا يتحقق إلا بالأمرين معا فالنزاع لفظي فإن من اكتفى فيه بالتصديق يريد به كونه مؤمنا عند الله تعالى فقط، و أما عند الناس فلا بد في العلم بذلك من الإقرار و نحوه. و اعلم أنه استدل بعضهم على هذا المذهب أيضا بأنا نعلم بالضرورة أن الإيمان في اللغة هو التصديق، و الدلائل عليه كثيرة، فإما أن يكون في الشرع كذلك أو يكون منقولا عن معناه في اللغة، و الثاني باطل لأن أكثر الألفاظ تكرار في القرآن و كلام الرسول (عليه السلام) لفظ الإيمان، فلو كان منقولا عن معناه اللغوي لوجب أن يكون حاله كحال سائر العبادات الظاهرة في وجوب العلم به فلما لم يكن كذلك علمنا أنه باق على وضع اللغة. إذا ثبت هذه فنقول: ذلك التصديق إما أن يكون هو التصديق القلبي أو اللساني أو مجموعهما، و الأول باطل لقوله تعالى:" فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ" فأثبت لهم المعرفة مع أنه حكم بكفرهم و لو كان مجرد المعرفة إيمانا لما صح ذلك و أيضا قوله تعالى:" فَلَمّٰا جٰاءَتْهُمْ آيٰاتُنٰا مُبْصِرَةً قٰالُوا هٰذٰا سِحْرٌ مُبِينٌ وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا" و لا يصح أن يكون جحدهم لها بقلوبهم حيث أثبت لهم الاستيقان بها، فلا بد أن يكون بألسنتهم حيث لم يقروا بها و إذا كان الجحد باللسان موجبا للكفر كان الإقرار به مع التصديق القلبي موجبا للإيمان فيكون الإقرار من محققات الإيمان، و أيضا قوله تعالى حكاية عن موسى (عليه السلام) إذا يقول لفرعون:" لَقَدْ عَلِمْتَ مٰا أَنْزَلَ هٰؤُلٰاءِ إِلّٰا رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ" فأثبت كونه عالما بأن الله تعالى هو الذي أنزل الآيات التي جاء بها موسى (عليه السلام)، فلو كان مجرد العلم هو الإيمان لكان فرعون مؤمنا و هو باطل بنص القرآن العزيز و إجماع الأنبياء (عليهم السلام) من لدن موسى إلى محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أيضا قوله تعالى:" فَإِنَّهُمْ لٰا يُكَذِّبُونَكَ وَ لٰكِنَّ الظّٰالِمِينَ بِآيٰاتِ اللّٰهِ يَجْحَدُونَ" و معنى ذلك و الله أعلم: أنهم يجحدون ذلك بألسنتهم و لا يكذبونك بقلوبهم أي يعلمون نبوتك، و لا يستقيم أن يكون المعنى لا يكذبونك بألسنتهم لمنافاة يجحدون بألسنتهم له، فيلزم أن يكونوا كذبوا بألسنتهم و لم يكذبوا بها و بطلانه ظاهر فيجب تنزيه القرآن العزيز عنه. و لك أن تقول: لم لا يجوز أن يكون المعنى لا يكذبونك بألسنتهم و لكن يجحدون نبوتك بقلوبهم كما أخبر الله تعالى عن المنافقين في سورتهم حيث قالوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّٰهِ، و كذبهم الله تعالى حيث شهد سبحانه و تعالى بكذبهم فقال:" وَ اللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ لَكٰاذِبُونَ" و المراد في شهادتهم أي فيما تضمنته من أنها عن صميم القلب و خلوص الاعتقاد كما ذكره جماعة من المفسرين حيث لم توافق عقيدتهم فقد علم من ذلك أنهم لم يكذبوه بألسنتهم بل شهدوا له بها، و لكنهم جحدوا ذلك بقلوبهم حيث كذبهم الله تعالى في شهادتهم. و الجواب التكذيب لهم و رد على نفس شهادتهم التي هي باللسان لا على نفس عقيدتهم، و بالجملة فهذا لا يصلح نظيرا لما نحن فيه، على أن معنى الجحد كما قرروه هو الإنكار باللسان مع تصديق القلب، و ما ذكر من الاحتمال عكس هذا المعنى. ثم قال: و الثاني باطل أما أولا فبالاتفاق من الإمامية، و أما ثانيا فلقوله تعالى:" قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا" و لا شك أنهم كانوا صدقوا بألسنتهم و حيث لم يكن كافيا نفى الله تعالى عنهم الإيمان مع تحققه، و قوله تعالى:" وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ مٰا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ" فأثبت لهم الإقرار و التصديق باللسان، و نفي إيمانهم فثبت بذلك أن الإيمان هو التصديق مع الإقرار. ثم قال: لا يقال: لو كان الإقرار باللسان جزء الإيمان للزم كفر الساكت؟ لأنا نقول: لو كان الإيمان هو العلم أي التصديق لكان النائم غير مؤمن لكن لما كان النوم لا يخرجه عن كونه مؤمنا بالإجماع مع كونه أولى بأن يخرج النائم عن الإيمان لأنه لا يبقى معه معنى من الإيمان بخلاف الساكت، فإنه قد بقي معه معنى منه و هو العلم لم يكن السكوت مخرجا بطريق أولى، نعم لو كان الخروج عن التصديق و الإقرار أو عن أحدهما على جهة الإنكار و الجحد لخرج بذلك عن الإيمان، و لذلك قلنا أن الإيمان هو التصديق بالقلب و الإقرار باللسان أو ما في حكمهما، انتهى محصل ما ذكره. أقول: قوله: إن النائم ينتفي عنه العلم أي التصديق غير مسلم، و إنما المنتفي شعوره بذلك العلم و هو غير العلم، فالتصديق حينئذ باق لكونه من الكيفيات النفسية، فلا يزيله النوم و حينئذ فلا يلزم من عدم الحكم بانتفاء الإيمان عن النائم عدم الحكم بانتفائه عن الساكت بطريق أولى، نعم الحكم بعدم انتفائه عن الساكت على مذهب من جعل الإقرار جزءا إما للزوم الحرج العظيم بدوام الإقرار في كل وقت أو أن يكون المراد من كون الإقرار جزءا للإيمان الإقرار في الجملة أي في وقت ما مع البقاء عليه، فلا ينافيه السكوت المجرد، و إنما ينافيه مع الجحد لعدم بقاء الإقرار حينئذ. و أقول: الذي ذكره من الدليل على عدم النقل لا يدل وحده على كون الإقرار جزءا و هو ظاهر، بل قصد به الدلالة على بطلان ما عدا مذهب أهل التصديق، ثم استدل على بطلان مذهب التصديق بما ذكره من الآيات الدالة على اعتبار الإقرار في الإيمان الشرعي تخصيصا للغوي كما هو عند أهل التصديق و هذا جيد، لكن دلالة الآيات على اعتبار الإقرار ممنوعة، و قد بينا ذلك سابقا أن تكفيرهم إنما كان لجحدهم الإقرار و هو أخص من عدم الإقرار فتكفيرهم بالجحد لا يستلزم تكفيرهم بمطلق عدم الإقرار ليكون الإقرار معتبرا. نعم اللازم من الآيات اعتبار عدم الجحد مع التصديق و هو أعم من الإقرار و اعتبار الأعم لا يستلزم اعتبار الأخص و هو ظاهر. و هذا جواب عن استدلاله بجميع الآيات، و يزيد في الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى، في الحكاية عن موسى عليه و على نبينا الصلاة و السلام:" لَقَدْ عَلِمْتَ مٰا أَنْزَلَ هٰؤُلٰاءِ" الآية أنه يجوز أن يكون نسب إلى فرعون العلم على طريق الملاطفة و الملائمة حيث كان مأمورا بذلك بقوله:" فَقُولٰا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً، لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشىٰ" و هذا شائع في الاستعمال كما يقال في المحاورات كثيرا، و أنت خبير بأنه كذا و كذا، مع أن المخاطب بذلك قد لا يكون عارفا بذلك المعنى أصلا، بل قد لا يكون هناك مخاطب أصلا كما يقع في المؤلفات كثيرا. و على هذا فلا تدل الآية على ثبوت العلم لفرعون، و لو سلم ثبوته كان الحكم بكفره للجحد لا لعدم الإقرار مطلقا كما سبق بيانه. و اعلم أن المحقق الطوسي (قدس سره) اختار في فصوله الاكتفاء بالتصديق القلبي في تحقق الإيمان فكأنه (رحمه الله) لحظ ما ذكرناه، و قد استدل بعض الشارحين بقوله تعالى:" أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ" و بقوله تعالى:" وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ" فيكون حقيقة فيه، فلو أطلق على غيره لزم الاشتراك أو المجاز

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · أن الإسلام يحقن به الدم و أن الثواب على الإيمان يقال: حقن دم فلان أي أنقذه من القتل.

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.