عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ قَالَ كَتَبْتُ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)أَسْأَلُهُ عَنِ الْإِيمَانِ مَا هُوَ فَكَتَبَ إِلَيَّ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ الْإِيمَانِ وَ الْإِيمَانُ هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَ عَقْدٌ فِي الْقَلْبِ وَ عَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ ثم اعلم أنه استدل بهذه الأخبار على كون الكعبة جزءا من المسجد الحرام، و يرد عليه أنه لا دلالة في أكثرها على ذلك، بل بعضها يومئ إلى خلافه كهذا الخبر، حيث قال: أ كنت شاهدا أنه قد دخل المسجد، و لم يقل أ كنت شاهدا أنه في المسجد، و كذا قوله: لا يصل إلى دخول الكعبة حتى يدخل المسجد، نعم بعض الأخبار تشعر بالجزئية. باب آخر منه و فيه أن الإسلام قبل الإيمان الحديث الأول: مجهول. قوله (عليه السلام): و الإيمان هو الإقرار" إلخ" هذا تفسير للإيمان الكامل و الأخبار في ذلك كثيرة، و عليه انعقد اصطلاح المحدثين منا، قال الصدوق (رحمه الله) في الهداية: الإسلام هو الإقرار بالشهادتين و هو الذي يحقن به الدماء، و الأموال، و من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد حقن ماله و دمه إلا بحقيهما و على الله حسابه، و الإيمان هو الإقرار باللسان و عقد بالقلب و عمل بالجوارح، و أنه يزيد بالأعمال و ينقص بتركها، و كل مؤمن مسلم و ليس كل مسلم بمؤمن و مثل ذلك مثل الكعبة و المسجد فمن دخل الكعبة فقد دخل المسجد، و ليس كل من دخل المسجد دخل الكعبة، و قد فرق الله عز اسمه في كتابه بين الإسلام و الإيمان، فقال:" قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا" و قد بين الله عز و جل أن الإيمان قول و عمل، لقوله:" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ" إلى قوله تعالى:" أُولٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا" و أما قوله عز و جل:" فَأَخْرَجْنٰا مَنْ كٰانَ فِيهٰا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمٰا وَجَدْنٰا فِيهٰا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" فليس ذلك بخلاف ما ذكرنا لأن المؤمن يسمى مسلما و المسلم لا يسمى مؤمنا حتى يأتي مع إقراره بعمل، و أما قوله عز و جل:" وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ" الآية فقد سئل الصادق (عليه السلام) عن ذلك فقال: هو الإسلام الذي فيه الإيمان، انتهى. و قال الشيخ المفيد (قدس سره) في كتاب المسائل: أقول: إن مرتكبي الكبائر من أهل المعرفة و الإقرار مؤمنون بإيمانهم بالله و برسله و بما جاء من عنده و فاسقون بما معهم من كبائر الآثام و لا أطلق لهم اسم الفسوق و لا اسم الإيمان، بل أقيدهما جميعا في تسميتهم بكل واحد منهما و امتنع من الوصف لهم بهما على الإطلاق و أطلق لهم اسم الإسلام بغير تقييد، و على كل حال و هذا مذهب الإمامية إلا بني نوبخت رحمهم الله، فإنهم خالفوا فيه و أطلقوا للفساق اسم الإيمان، انتهى. " و الإيمان بعضه من بعض" أي تترتب أجزاء الإيمان بعضها على بعض فإن الإقرار بالعقائد يصير سببا للعقائد القلبية و العقائد تصير سببا للأعمال البدنية أو المعنى أن أفراد الإيمان و درجاته يترتب بعضها على بعض، فإن الأدنى منها تصير سببا لحصول الأعلى و هكذا إلى حصول أعلى درجاته فإن حصول قدر من اليقين يصير سببا للإتيان بقدر من الأعمال بحسبه فإذا أتى بتلك الأعمال زاد الإيمان القلبي فيزيد أيضا العمل و هكذا، فيترتب كمال كل جزء من الإيمان على كمال الجزء الآخر. و يحتمل أن يكون إشارة إلى اشتراط بعض أجزاء الإيمان ببعض، فإن العمل لا ينفع بدون الاعتقاد و الاعتقاد أيضا مشروط في كماله و ترتب الآثار عليه بالعمل وَ الْإِيمَانُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ وَ هُوَ دَارٌ وَ كَذَلِكَ الْإِسْلَامُ دَارٌ وَ الْكُفْرُ دَارٌ فَقَدْ يَكُونُ الْعَبْدُ مُسْلِماً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِناً وَ لَا يَكُونُ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ مُسْلِماً- فَالْإِسْلَامُ قَبْلَ الْإِيمَانِ وَ هُوَ يُشَارِكُ الْإِيمَانَ فَإِذَا أَتَى الْعَبْدُ كَبِيرَةً مِنْ كَبَائِرِ الْمَعَاصِي أَوْ صَغِيرَةً مِنْ صَغَائِرِ الْمَعَاصِي الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْهَا كَانَ خَارِجاً مِنَ الْإِيمَانِ سَاقِطاً عَنْهُ اسْمُ " و هو دار" أي الإيمان دار، قيل: إنما شبه الإيمان و الإسلام و الكفر بالدار لأن كلا منها بمنزلة حصن لصاحبه يدخل فيها و يخرج منها كما أن الدار حصن لصاحبه و قوله: و هو يشارك الإيمان قيل: معناه أنه كلما يتحقق الإيمان فهو يشاركه في التحقق، و أما ما مضى في الأخبار أنه لا يشارك الإيمان فمعناه أنه ليس كلما تحقق تحقق الإيمان، فلا منافاة، و يحتمل أن يكون سقط من الكلام شيء، و كان هكذا: و هو يشارك الإسلام و الإسلام لا يشارك الإيمان فيكون على وتيرة ما سبق، انتهى. و أقول: الظاهر هنا المشاركة في الأحكام الظاهرة و فيما سبق نفي المشاركة في جميع الأحكام، و قيل و سر ذلك أن الإقرار بالتوحيد و الرسالة مقدم على الإقرار بالولاية و العمل، و المؤمن و المسلم بسبب الأول يخرجان من دار الكفر و يدخلان في دار الإسلام ثم المسلم بسبب الاكتفاء يستقر في هذه الدار و المؤمن بسبب الثاني يترقى و ينزل في دار الإيمان، و منه لاح أن الإسلام قبل الإيمان و أنه يشارك الإيمان فيما هو سبب للخروج من دار الكفر لا فيما هو سبب للدخول في دار الإيمان، و بهذا التقرير تندفع المنافاة بين قوله (عليه السلام) هيهنا: و هو يشارك الإيمان، و قوله سابقا: و الإسلام لا يشارك الإيمان. قوله: فإذا أتى العبد كبيرة" إلخ" يدل على أن الصغيرة أيضا مخرجة من الإيمان مع أنها مكفرة مع اجتناب الكبائر، و يمكن حمله على الإصرار كما يومئ إليه ما بعده، أو على أن المراد بهما الكبيرة لكن بعضها صغيرة بالإضافة إلى بعضها التي هي أكبر الكبائر، فالمراد بقوله (عليه السلام): نهى الله عنها نهيه عنها في القرآن و إيعاده عليها النار، و يدل على أن جحود المعاصي و استحلالها موجبان للارتداد، و ينبغي حمله على الْإِيمَانِ وَ ثَابِتاً عَلَيْهِ اسْمُ الْإِسْلَامِ فَإِنْ تَابَ وَ اسْتَغْفَرَ عَادَ إِلَى دَارِ الْإِيمَانِ وَ لَا يُخْرِجُهُ إِلَى الْكُفْرِ إِلَّا الْجُحُودُ وَ الِاسْتِحْلَالُ أَنْ يَقُولَ لِلْحَلَالِ هَذَا حَرَامٌ وَ لِلْحَرَامِ هَذَا حَلَالٌ وَ دَانَ بِذَلِكَ فَعِنْدَهَا يَكُونُ خَارِجاً مِنَ الْإِسْلَامِ وَ الْإِيمَانِ دَاخِلًا فِي الْكُفْرِ وَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ ما إذا كان من ضروريات الدين، فيؤيد التأويل الثاني فإن أكثر ما نهى عنه في القرآن كذلك، أو على ما إذا جحد و استحل بعد العلم بالتحريم، و يدل على أن المرتد مستحق للقتل و إن كان يفعل ما يؤذن بالاستخفاف بالدين، و يومئ إلى عدم قبول توبته للمقابلة، فيحمل على الفطري، و على أنه مستحق للنار و إن تاب. و جملة القول فيه أن المرتد على ما ذكره الشهيد (قدس سره) في الدروس هو من قطع الإسلام بالإقرار على نفسه بالخروج منه أو ببعض أنواع الكفر سواء كان مما يقر أهله عليه أم لا، أو بإنكار ما علم ثبوته من الدين ضرورة أو بإثبات ما علم نفيه كذلك، أو بفعل دال عليه صريحا كالسجود للشمس و الصنم، و إلقاء المصحف في القذر قصدا و إلقاء النجاسة على الكعبة أو هدمها أو إظهار الاستخفاف بها. و أما حكمه فالمشهور بين الأصحاب أن الارتداد على قسمين فطري و ملي، فالأول ارتداد من ولد على الإسلام بأن انعقد حال إسلام أحد أبويه و هذا لا يقبل إسلامه لو رجع إليه و يتحتم قتله، و تبين عنه امرأته و تعتد منه عدة الوفاة، و تقسم أمواله بين ورثته و هذا الحكم بحسب الظاهر لا إشكال فيه بمعنى تعين قتله، و أما فيما بينه و بين الله فاختلفوا في قبول توبته فأكثر المحققين ذهبوا إلى القبول حذرا من تكليف ما لا يطاق لو كان مكلفا بالإسلام أو خروجه عن التكليف ما دام حيا كامل العقل و هو باطل بالإجماع و حينئذ فلو لم يطلع عليه أحد أو لم يقدر على قتله فتاب قبلت توبته فيما بينه و بين الله تعالى و صحت عباداته و معاملاته، و لكن لا تعود ماله و زوجته إليه بذلك، و يجوز له تجديد العقد عليها بعد العدة أو فيها على احتمال كما يجوز للزوج العقد على المعتدة بائنا حيث لا تكون محرمة مؤبدا كالمطلقة بائنا و لا تقتل المرأة بالردة بل تحبس دائما و إن كانت مولودة على الفطرة و تضرب أوقات الصلوات. مَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ ثُمَّ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَ أَحْدَثَ فِي الْكَعْبَةِ حَدَثاً فَأُخْرِجَ عَنِ الْكَعْبَةِ وَ عَنِ الْحَرَمِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَ صَارَ إِلَى النَّارِ
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ آخَرُ مِنْهُ وَ فِيهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ قَبْلَ الْإِيمَانِ