الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ آدَمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ إِنَّ أُنَاساً تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ- هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ باب إنما لم يعنون الباب لأنه قريب من البابين السابقين في أنه مشتمل على معاني الإسلام و الإيمان، لكن لما كان فيه زيادة تفصيل و توضيح و فوائد كبيرة جعله بابا آخر. الحديث الأول: مجهول. قوله: و ذلك أن، تعليل لتكلمهم فيه بغير علم لأنهم تكلموا في متشابهه أيضا مع أنه لا يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم، و المحكم في اللغة المتقن، و في العرف يطلق على ما له معنى لا يحتمل غيره، و على ما اتضحت دلالته و على ما كان محفوظا من النسخ و التخصيص أو منهما جميعا، و على ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا و المتشابه يقابله بكل من هذه المعاني. و قال الراغب: المحكم ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ و لا من حيث المعنى، و المتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهة غيره، إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى. و قال الفقهاء: المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده و حقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب محكم على الإطلاق، و متشابه على الإطلاق، و محكم من وجه متشابه من وجه، فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب، متشابه من جهة اللفظ فقط و متشابه من جهة المعنى فقط و متشابه من جهتهما، فالمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، و ذلك إما من جهة غرابته نحو الأب و يزفون، و إما من مشاركة في اللفظ كاليد و العين، و الثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب، و ذلك ثلاثة أضرب ضرب لاختصار الكلام نحو" وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تُقْسِطُوا فِي الْيَتٰامىٰ فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ" و ضرب لبسط الكلام نحو" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" لأنه لو قيل ليس مثل مثله شيء كان أظهر للسامع، و ضرب لنظم الكلام نحو" أَنْزَلَ عَلىٰ عَبْدِهِ الْكِتٰابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً" تقديره الكتاب قيما و لم يجعل له عوجا، و المتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى و أوصاف القيامة فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذا كان لا تحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما نحسه. و المتشابه من جهة المعنى و اللفظ جميعا خمسة أضرب. الأول من جهة الكمية كالعموم و الخصوص نحو:" فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ". و الثاني من جهة الكيفية كالوجوب و الندب نحو" فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ". و الثالث من جهة الزمان كالناسخ و المنسوخ نحو" اتَّقُوا اللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ". و الرابع من جهة المكان و الأمور التي نزلت فيها" وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهٰا" و قوله عز و جل:" إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيٰادَةٌ فِي الْكُفْرِ" فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية. الخامس من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة و النكاح. و هذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرين في تفسير المتشابه لا يخرج عن التقاسيم نحو قول من قال: المتشابه" الم" و قول قتادة المحكم الناسخ و المتشابه و المنسوخ، و قول الأصم: المحكم ما أجمع على تأويله و المتشابه ما اختلف فيه، ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة و خروج دابة الأرض و كيفية الدابة و نحو ذلك، و ضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة و الأحكام المغلقة، و ضرب متردد بين الأمرين يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم و يخفى على من دونهم و هو الضرب المشار إليه بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) في علي (عليه السلام): اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل. و إذا عرفت هذه الجملة علم أن الوقوف على قوله: إلا الله، و وصله بقوله: و الراسخون في العلم جائزان، و أن لكل واحد منهما وجها حسب ما يدل عليه التفصيل المتقدم، انتهى. قوله تعالى:" مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ" قيل: أي أحكمت عباراتها بأن حفظت عن الإجمال" هُنَّ أُمُّ الْكِتٰابِ" أي أصله يرد إليها غيرها" وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ" قيل: أي محتملات لا يتضح مقصودها إلا بالفحص و النظر ليظهر فيها فضل العلماء الربانيين في استنباط معانيها و ردها إلى المحكمات و ليتوصلوا بها إلى معرفة الله و توحيده. و أقول: بل ليعلموا عدم استقلالهم في علم القرآن و احتياجهم في تفسيره إلى الإمام المنصوب من قبل الله و هم الراسخون في العلم. و روى العياشي عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن المحكم و المتشابه؟ فقال: المحكم ما يعمل به، و المتشابه ما اشتبه على جاهله، و في رواية أخرى: و المتشابه الذي يشبه بعضه بعضا، و في رواية أخرى فأما المحكم فتؤمن به و تعمل به و تدين به، و أما المتشابه فتؤمن به و لا تعمل به" فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ" أي ميل عن الحق كالمبتدعة فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ ابْتِغٰاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغٰاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا " فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ" فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل" ابْتِغٰاءَ الْفِتْنَةِ" أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك و التلبيس و مناقضة المحكم بالمتشابه. و في مجمع البيان عن الصادق (عليه السلام) أن الفتنة هنا الكفر" وَ ابْتِغٰاءَ تَأْوِيلِهِ" أي و طلب أن يأولوه على ما يشتهونه" وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ" الذي يجب أن يحمل عليه" إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ" الذين تثبتوا و تمكثوا فيه. و أقول: قد مر الكلام منا في تأويل هذه الآية في كتاب الحجة في باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة (عليهم السلام) قوله (عليه السلام): فالمنسوخات من المتشابهات كان هذا الكلام تمهيد لما سيأتي من اختلاف الإيمان المأمور به في مكة قبل الهجرة و في المدينة بعدها و اختلاف التكاليف فيهما كما و كيفا، ردا على من استدل ببعض الآيات على أن الإيمان نفس الاعتقاد بالتوحيد و النبوة فقط بلا مدخلية للأعمال أو الولاية فيه، بأن تلك الآيات أكثرها نزلت في مكة و كان الإيمان فيها نفس الاعتقاد بالشهادتين أو التكلم بهما ثم نسخ ذلك في المدينة بعد وجوب الواجبات و تحريم المحرمات و نصب الوالي و الأمر بولايته. و يحتمل أن لا يكون ذلك من قبيل النسخ و يكون ذكر النسخ لبيان عجزهم عن فهم معاني الآيات و خطائهم في الاستدلال بها كما أنهم لا يعرفون الناسخ من المنسوخ و يستدلون بالآيات المنسوخة على الأحكام مع عدم علمهم بنسخها و عد المنسوخات التي لا يعلم بنسخها من المتشابهات فالمنسوخة أخص مطلقا من المتشابه. و لما كان المحكم غير المتشابه و الناسخ غير المنسوخ و نقيض الأخص أعم من نقيض الأعم غير الأسلوب في الفقرة الثانية فقال: و المحكمات من الناسخات للإشارة إلى ذلك و تسميته غير المنسوخ مطلقا ناسخا إما على التوسع و إطلاق لفظ الجزء على الكل أو لكونها ناسخة للشرائع السالفة أو للإباحة الأصلية التي كانوا متمسكين بها قبلها. و يمكن حمل الناسخ على معناه و حمل الكلام على الغالب بأن يكون الناسخ اللّٰهُ- الْآيَةَ فَالْمَنْسُوخَاتُ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ وَ الْمُحْكَمَاتُ مِنَ النَّاسِخَاتِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أيضا أخص من المحكم و لا فساد فيه لعدم انحصار الآيات حينئذ في الناسخة و المنسوخة و قيل: لما كان بعض المحكمات مقصور الحكم على الأزمنة السابقة منسوخا بآيات أخر و نسخها خافيا على أكثر الناس فيزعمون بقاء حكمها صارت متشابهة من هذه الجهة و لهذا قال (عليه السلام): فالمنسوخات من المتشابهات. و في بعض النسخ من المتشابهات، و إنما غير الأسلوب في أختها لأن المحكم أخص من الناسخ من وجه، بخلاف المتشابه فإنه أعم من المنسوخ مطلقا، انتهى. و فيه أن كون المتشابه أعم من مطلق المنسوخ مطلقا لا وجه له إلا أن يخص بمنسوخ لم يعلم نسخه كما أومأنا إليه، و قيل: الظاهر أن الفاء للتفسير لزيادة تفظيع حالهم بأنهم يتبعون المنسوخات و المتشابهات دون المحكمات و الناسخات، لأن المنسوخات من باب المتشابهات في التشابه إذ يشتبه عليهم ثباتها و بقاءها و المحكمات من قبيل الناسخات في الثبات و البقاء، فإذا اتبعوا المتشابهات اتبعوا المنسوخات لأنهما من باب واحد، و إذا اتبعوا المنسوخات لم يتبعوا الناسخات، و إذا لم يتبعوا الناسخات لم يتبعوا المحكمات لأنهما أيضا من باب واحد. قوله: إن الله عز و جل بعث نوحا، هذا شروع في المقصود، و حاصله أن الإيمان في بداية بعثه كل رسول كان مجرد التصديق بالتوحيد و الرسالة و من مات عليه حينئذ كان مؤمنا و وجبت له الجنة، فلما استجابوا لهم ذلك و كثرت أتباعهم و ضعوا أعمالا و شرائع و أوجبوا عليهم و أوعدوا على تركها النار فصارت تلك الأعمال أجزاء للإيمان فأول أولي العزم من الأنبياء كان نوحا (عليه السلام) فحين بعثه أمرهم أولا بالتوحيد و الإقرار بنبوته فقط، و كان ذلك الإيمان حيث قال في سورة نوح إِنّٰا أَرْسَلْنٰا نُوحاً إِلىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ، قٰالَ يٰا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللّٰهَ" أي مخلصا من غير شرك" وَ اتَّقُوهُ" أي اتقوا عذابه الذي بَعَثَ نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ- أَنِ اعْبُدُوا اللّٰهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ثُمَّ بَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ(عليهم السلام)عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ بَلَغُوا مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)فَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ قَالَ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى قرره على الشرك" وَ أَطِيعُونِ" فيما أمركم به و أذعنوا لنبوتي فلم يذكر فيما أنذرهم به إلا هذين الأمرين. " ثم دعاهم" أي ثم بعد ذلك استمر على هذه الدعوة زمانا طويلا فكانت دعوته منحصرة في التوحيد و نفي الشريك، و كان قبولهم ذلك منه مستلزما للإذعان بنبوته" ثم بعث الأنبياء" أي ثم بعث سائر أولي العزم في أول بعثتهم على هذا الأمر فقط، إلى أن انتهت سلسلة أولي العزم و سائر الأنبياء إلى محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) فكان (صلى الله عليه و آله و سلم) في أول بعثته بمكة يدعوهم إلى التوحيد و ما يتبعه من الإقرار بالنبوة بل المعاد أيضا فإنه أيضا من الأمور التي نزلت الآيات المشتملة على التهديدات العظيمة فيها قبل الهجرة، فالمراد جميع أصول الدين سوى الإمامة، و ذكر التوحيد على المثال، أو على أن الإقرار به مستلزم للإقرار بسائر الأصول، و يؤيده قوله (عليه السلام) بعد ذلك: و الإقرار بما جاء به من عند الله. قوله (عليه السلام): و قال، أي في سورة الشورى و هي مكية، على ما ذكره المفسرون إلى قوله:" وَ الَّذِينَ اسْتَجٰابُوا"" وَ الَّذِينَ إِذٰا أَصٰابَهُمُ" إلى قوله:" لٰا يُحِبُّ الظّٰالِمِينَ" عن الحسن، و على قول ابن عباس و قتادة إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة" قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً" إلى قوله:" لَهُمْ عَذٰابٌ شَدِيدٌ" و على التقادير الآيات المذكورة مكية. و الاستشهاد بالآية لأن الدين المشترك بين جميع الأنبياء هي الأصول الدينية التي لا تختلف باختلاف الشرائع، مع أن قوله سبحانه:" كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مٰا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ" يشعر بأن عمدة الدين في ذلك الوقت كانت التوحيد و نفي الشرك مع بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ وَ مٰا وَصَّيْنٰا بِهِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لٰا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مٰا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللّٰهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ- فَبَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ إِلَى قَوْمِهِمْ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ الْإِقْرَارِ بِمَا جَاءِ [بِهِ] مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَنْ آمَنَ مُخْلِصاً وَ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِذَلِكَ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللّٰهَ الإقرار بالنبوة لقوله تعالى:" اللّٰهُ يَجْتَبِي". قال الطبرسي (رحمه الله):" شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً، أي بين لكم و نهج و أوضح من الدين و التوحيد و البراءة من الشرك ما وصى به نوحا" وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ" أي و هو الذي أوحينا إليك يا محمد و هو ما وصينا به إبراهيم و موسى و عيسى، ثم بين ذلك بقوله:" أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ" و إقامة الدين التمسك به و العمل بموجبه و الدوام عليه و الدعاء إليه" وَ لٰا تَتَفَرَّقُوا" أي لا تختلفوا فِيهِ و ائتلفوا فيه و اتفقوا و كونوا عباد الله إخوانا" كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مٰا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ" من توحيد الله و الإخلاص له، و رفض الأوثان و ترك دين الآباء لأنهم قالوا أ جعل الآلهة إلها واحدا، و قيل: معناه ثقل عليهم و عظم اختيارنا لك بما تدعوهم إليه و تخصيصك بالوحي و النبوة دونهم" اللّٰهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشٰاءُ" أي ليس لهم الاختيار لأن الله يصطفي لرسالته من يشاء على حسب ما يعلم من قيامه باعتبار الرسالة و قيل: معناه: الله يصطفي من عباده لدينه من يشاء" وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ" أي و يرشد إلى دينه من يقبل إلى طاعته أو يهدي إلى جنته و ثوابه من يرجع إليه بالنية و الإخلاص. قوله (عليه السلام): فمن آمن مخلصا، أي بقلبه و لسانه دون لسانه فقط و لم يخلطه بشرك" و ذلك أن الله" كأنه إشارة إلى إدخاله الجنة بمجرد الشهادة و الإقرار و إن لم يعمل من الطاعات شيئا و لم يترك سائر المحرمات لأنه كان بذلك مؤمنا في ذلك الزمان، و إدخال المؤمن النار ظلم" و ذلك أن الله" المشار إليه بذلك إما عدم تعذيب لَيْسَ بِظَلّٰامٍ لِلْعَبِيدِ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ يُعَذِّبُ عَبْداً حَتَّى يُغَلِّظَ عَلَيْهِ فِي الْقَتْلِ وَ الْمَعَاصِي الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا النَّارَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا فَلَمَّا اسْتَجَابَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مَنِ اسْتَجَابَ لَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْهُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً وَ الشِّرْعَةُ وَ الْمِنْهَاجُ سَبِيلٌ من ترك العمل بالنار، أو أنه إن لم يدخل الجنة و أدخل النار كان ظالما، و هذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما أن تكون المعاصي التي نهى عنها في مكة من المكروهات و يكون النهي عنها نهي تنزيه، و الطاعات التي أمر بها فيها من المستحبات فالتعليل حينئذ ظاهر لأن التعذيب على ترك المستحبات أو فعل المكروهات في الآخرة ظلم، و ثانيهما أن يكون النهي عن المعاصي نهي تحريم و الأمر بالطاعات أمر وجوب لكن لم يوعد على فعل المعاصي و ترك الطاعات النار و لم يغلظ فيهما، و إنما أوعد النار على المشرك و الإخلال بالعقائد و إنكار النبوة و المعاد فهي كانت بمنزلة الفرائض لسعة كرمه و رحمته أن لا يؤاخذ مجتنب الكبائر بفعل الصغائر، و الكبائر و غيرها بمنزلة الصغائر و سائر الواجبات، و قد أوجب الله تعالى على نفسه فلو عذبهم بها كان ظلما من حيث الإخلال بما أوجب على نفسه من العفو عنهم أو يقال: التعذيب بالنار مع ترك الإيعاد بها ظلم أو يقال التعذيب بالنار العظيم الأليم أبدا أو مدة طويلة بمحض النهي من غير تهديد و وعيد و تغليظ لا سيما ممن كملت قدرته و وسعت رحمته ظلم، أو يقال: اللطف على الله تعالى واجب و أعظم الألطاف التهديد و الوعيد بالنار فتركه ظلم، أو يقال: أطلق الظلم على خلاف الأولى مجازا و الكل مبني على أن الأعمال و التروك التي هي أجزاء الإيمان إنما هي ما يستحق بتركه الدخول في النار، و في مكة سوى العقائد لم تكن كذلك و لما شرع في المدينة شرائع و جعل فيها فرائض و كبائر يستحق بترك الأولى، و فعل الثانية دخول النار جعلتاه من أجزاء الإيمان. " جعل لكل نبي" إشارة إلى قوله تعالى في المائدة و هي مدنية:" لِكُلٍّ وَ سُنَّةٌ وَ قَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ص- إِنّٰا أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ كَمٰا أَوْحَيْنٰا إِلىٰ نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ- وَ أَمَرَ كُلَّ نَبِيٍّ بِالْأَخْذِ بِالسَّبِيلِ وَ السُّنَّةِ وَ كَانَ مِنَ السُّنَّةِ وَ السَّبِيلِ الَّتِي أَمَرَ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً" قال البيضاوي: شرعة شريعة و هي الطريقة إلى الماء، شبه بها الدين لأنه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية و قرأ بفتح الشين" وَ مِنْهٰاجاً" و طريقا واضحا في الدين من نهج الأمر إذا وضح، و استدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة، انتهى. و قال الراغب: الشرع نهج الطريق الواضح، يقال: شرعت له طريقا و الشرع مصدر، ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له شرع و شرعة و شريعة و أستعير ذلك للطريقة الإلهية من الدين قال تعالى:" لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً" فذلك إشارة إلى أمرين أحدهما: ما سخر تعالى عليه كل إنسان من طريق يتحراه مما يعود إلى مصالح عباده و عمارة بلاده و ذلك المشار إليه بقوله:" وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا". الثاني: ما قيض له من الدين و أمره به ليتحراه اختيارا مما يختلف فيه الشرائع و يعترضه النسخ، و دل عليه قوله:" ثُمَّ جَعَلْنٰاكَ عَلىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهٰا" قال ابن عباس: الشرعة ما ورد به القرآن و المنهاج ما ورد به السنة و قوله: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، الآية، فإشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل و لا يصح عليها النسخ كمعرفة الله و نحو ذلك من نحو ما دل عليه قوله: و من يكفر بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر. قال بعضهم: سميت الشريعة تشبيها بشريعة الماء من حيث أن من شرع فيها على الحقيقة روي و تطهر قال: و أعني بالري ما قال بعض الحكماء: كنت أشرب فلا أروى، فلما عرفت الله رويت بلا شرب، و بالتطهير ما قال تعالى:" إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا مُوسَى(عليه السلام)أَنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّبْتَ وَ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ السَّبْتِ وَ لَمْ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً" انتهى. و الشرعة و المنهاج متقاربان في المعنى كما أن اللفظين الذين فسرهما (عليه السلام) بهما أيضا متقاربان، فيحتمل أن يكونا تفسيرين لكل منهما أو يكون على اللف و النشر. فعلى الأول أطلق على أعمال الدين و أحكامه الشرعة لإيصالها العامل بها إلى الحياة الأبدية و التطهر من الأدناس الرديئة، و المنهاج لأنها كالطريق الواضح الموصل إلى المقصود من الجنة الباقية و الدرجات العالية. و على الثاني المراد بالأول الواجبات و بالثاني المستحبات، و لذا عبر (عليه السلام) عن الثاني بالسنة، أو بالأول العبادات و بالثاني سائر الأحكام، و الوجه الأول أوفق بقوله: و كان من السبيل، و إن أمكن أن يكون المراد من مجموعهما و إن كان من أحدهما. قال الطبرسي (ره) الشرعة و الشريعة واحدة و هي الطريقة الظاهرة، و الشريعة هي الطريقة التي يوصل منه إلى الماء الذي فيه الحياة فقيل: الشريعة في الدين الطريق الذي يوصل منه إلى الحياة في النعيم و هي الأمور التي يعبد الله بها من جهة السمع، و الأصل فيه الظهور، و المنهاج الطريق المستمر يقال: طريق نهج و منهج أي بين، و قال المبرد: الشرعة: ابتداء الطريق و المنهاج الطريق المستقيم قال: و هذه الألفاظ إذا تكررت فلزيادة فائدة فيه و قد جاء أيضا بمعنى واحد كقول الشاعر: أقوى و أقفر، و هما بمعنى، انتهى. قوله: أن جعل عليهم السبت، قال الراغب: أصل السبت قطع العمل و منه سبت السير أي قطعه، و سبت شعره حلقه، و قيل: سمي يوم السبت لأن الله تعالى ابتدأ بخلق السماوات و الأرض يوم الأحد فخلقها في ستة أيام كما ذكره فقطع عمله تعالى يوم السبت فسمي بذلك، و سبت فلان صار في السبت. يَسْتَحِلَّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَ مَنِ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ وَ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّارَ وَ ذَلِكَ حَيْثُ اسْتَحَلُّوا الْحِيتَانَ وَ احْتَبَسُوهَا وَ أَكَلُوهَا يَوْمَ السَّبْتِ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا و قوله عز و جل:" يَوْمَ سَبْتِهِمْ" قيل: يوم قطعهم للعمل" وَ يَوْمَ لٰا يَسْبِتُونَ" قيل: معناه لا يقطعون العمل، و قيل: يوم لا يكونون في السبت و كلاهما إشارة إلى حالة واحدة و قوله: إنما جعل السبت أي ترك العمل فيه، انتهى. قوله (عليه السلام): و لم يستحل، الظاهر أن المراد بالاستحلال هنا الجرأة على الله و انتهاك ما حرم الله فكأنه عده حلالا لقوله بعد ذلك و لا شكوا في شيء مما جاء به موسى. و ما قيل: دل على أن مخالفة الأحكام كفر يوجب دخول النار مع الاستحلال و الظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأمة، و ما ذلك إلا لأن الإقرار بها و العمل بها داخلان في الإيمان، و إذا كان كذلك كان تاركها و إن لم يستحل كافرا يعذب بالنار أيضا. فلا يخفى وهنه" حيث استحلوا الحيتان" أي استحلوا صيدها أو أكلها أو حبسها أيضا، و قوله: يوم السبت ظرف لكل من احتبسوها و أكلوها أو لاستحلوا أيضا أي استحلوا أو لأحبسها يوم السبت ثم استحلوا صيدها و أكلها فيه. و قيل: يوم السبت ظرف لاحتبسوها لا لأكلوها أي احتبسوها يوم السبت في مضيق بسد الطريق عليها ثم اصطادوها يوم الأحد و أكلوها، فعلوا ذلك حيلة و لم تنفعهم لأن احتباسها فيه هتك لحرمته، فخرجوا بذلك من الإيمان إلى الكفر، و لذلك غضب الله عليهم من غير أن يشركوا بالرحمن و أن يشكوا في رسالة موسى (عليه السلام) و ما جاء به، و لذلك لم يصطادوا يوم السبت، فعلم أن الإيمان ليس مجرد التصديق بل هو مع العمل لأن المؤمن لا يغضب و لا يدخل النار. و فيه شيء لأن استحلالهم الحيتان ينافي ظاهرا عدم شكهم بما جاء به موسى. أَشْرَكُوا بِالرَّحْمَنِ وَ لَا شَكُّوا فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُوسَى(عليه السلام)قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ ثُمَّ بَعَثَ و يمكن دفعه بأن ما جاء به موسى تحريم الحيتان يوم السبت و هم استحلوها يوم الأحد و لحق بهم ما لحق بسبب احتباسهم يوم السبت، انتهى. و أقول: قد عرفت معنى الاستحلال و هو معنى شائع في المحاورات، فلا يرد ما أورده، و أما الجواب الذي ذكره فهو أيضا لا يسمن و لا يغني من جوع، لأن الاحتباس إذا لم يكن منهيا عنه فكيف عذبوا عليه، و إن كان داخلا فيما نهوا عنه عاد الإشكال مع أن ظاهر أكثر الروايات المعتبرة أنهم بعد تلك الحيلة تعدى أكثرهم إلى الصيد و الأكل يوم السبت فاعتزلت طائفة منهم فلم يمسخوا، و بقيت طائفة بينهم فمسخوا أيضا لتركهم النهي عن المنكر، و إن اختلف المفسرون في ذلك. قال في مجمع البيان: اختلفت في أنهم كيف اصطادوا فقيل: إنهم ألقوا الشبكة في الماء يوم السبت حتى كان يقع فيها السمك ثم كانوا لا يخرجون الشبكة من الماء إلى يوم الأحد، و هذا تسبب محظور، و في رواية ابن عباس: اتخذوا الحياض فكانوا يسوقون الحيتان إليها و لا يمكنها الخروج منها فيأخذونها يوم الأحد. و قيل: إنهم اصطادوها و تناولوها باليد يوم السبت عن الحسن. " وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ" قال البيضاوي: السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت و أصله القطع، أمروا أن يجردوه للعبادة فاعتدى فيه ناس منهم في زمن داود (عليه السلام) و اشتغلوا بالصيد و ذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها أبلة، و إذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك و أخرج خرطومه و إذا مضى تفرقت فحضروا حياضا و شرعوا إليها الجداول، و كانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد" فَقُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ" اللَّهُ عِيسَى(عليه السلام)بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ الْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ جَعَلَ لَهُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً فَهَدَمَتِ السَّبْتَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ أَنْ يُعَظِّمُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَ عَامَّةَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ السَّبِيلِ وَ السُّنَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى فَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْ سَبِيلَ عِيسَى أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ وَ إِنْ كَانَ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ جَمِيعاً أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)وَ هُوَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ فَلَمْ يَمُتْ بِمَكَّةَ فِي تِلْكَ الْعَشْرِ سِنِينَ أَحَدٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ جامعين بين صورة القردة، و الخسوء و هو الصغار و الطرد، قال مجاهد: ما مسخت صورهم و لكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله:" كَمَثَلِ الْحِمٰارِ يَحْمِلُ أَسْفٰاراً" و قوله: كونوا، ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه و إنما المراد به سرعة التكوين و أنهم صاروا كذلك كما أراد بهم، انتهى. قوله: فهدمت، أي الشرعة و المنهاج أيضا لكونه بمعنى الطريق يجوز فيه التأنيث، و يمكن أن يقرأ على بناء المجهول بإضمار السنة في السبت، و قوله: أن يعظموه بدل اشتمال للضمير، و عامة عطف على السبت" سبيل عيسى" أي شرائعه المختصة به. قوله (عليه السلام): و إن كان الذي جاء به النبيون أي هدمت شريعة عيسى عامة ما كانوا عليه و إن كان الذي جاء به النبيون من التوحيد و سائر الأصول باقيا لم يتغير، أو المعنى أدخله الله النار و إن كان منه الإقرار بما جاء به النبيون و هو التوحيد، و نفي الشرك، و قوله: أن لا يشركوا، عطف بيان أو بدل للموصول، و على الوجهين يحتمل كون كان تامة و ناقصة، و قيل: الموصول اسم كان و أن لا يشركوا خبره و له أيضا وجه و إن كان بعيدا. قوله (عليه السلام): عشر سنين، أقول: هذا مخالف لما مر في تاريخ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و لما هو المشهور من أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) أقام بعد البعثة بمكة ثلاث عشرة سنة، فقيل: هو مبني على إسقاط الكسور بين العددين و هو بعيد في مثل هذا الكسر، و الذي سنح لي أنه مبني على ما يظهر من الأخبار أنه لما نزل:" وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" و كان أول مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِإِقْرَارِهِ وَ هُوَ إِيمَانُ التَّصْدِيقِ وَ لَمْ يُعَذِّبِ اللَّهُ أَحَداً مِمَّنْ مَاتَ وَ هُوَ مُتَّبِعٌ لِمُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَنْ أَشْرَكَ بِالرَّحْمَنِ وَ تَصْدِيقُ بعثه دعا بني عبد المطلب و أظهر لهم رسالته و دعاهم إلى بيعته و الإيمان به، فلم يؤمن به إلا علي (عليه السلام) ثم خديجة رضي …

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابٌ [أن الإسلام قبل الإيمان

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.