الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

الله عنها، ثم جعفر رضي الله عنه، و كان على ذلك ثلاث سنين حتى نزل:" فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ" فدعا الناس إلى الإسلام فلذا لم يعد (عليه السلام) تلك الثلاث سنين من أيام البعثة، و أنها لم تكن بعثة عامة مؤكدة. قال علي بن إبراهيم في قوله تعالى" فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ" إلخ، أنها نزلت بمكة بعد أن نبي رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بثلاث سنين و ذلك أن النبوة نزلت على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يوم الاثنين و أسلم علي عليه يوم الثلاثاء ثم أسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ثم دخل أبو طالب على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو يصلي و علي بجنبه و كان مع أبي طالب جعفر فقال له أبو طالب: صل جناح ابن عمك فوقف جعفر على يسار رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فبدر رسول الله من بينهما فكان يصلي رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و على و جعفر و زيد بن حارثة و خديجة، فلما أتى لذلك ثلاث سنين أنزل الله عليه" فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنّٰا كَفَيْنٰاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ". و في إعلام الورى بعد ذلك فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و قام على الحجر و قال: يا معشر قريش و يا معشر العرب أدعوكم إلى عبادة الله و خلع الأنداد و الأصنام و أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله و أني رسول الله فأجيبوني تملكوا بها العرب، و تدين لكم بها العجم، و تكون ملوكا في الجنة، إلى آخر ما ذكر. و يحتمل أن يكون مبنيا على إسقاط سني الهجرة إلى شعب أبي طالب، أو إسقاط الثلاث سنين بعد وفاة أبي طالب رضي الله عنه، لعدم تمكنه في هاتين المدتين ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَكَّةَ- وَ قَضىٰ رَبُّكَ من التبليغ كما ينبغي لكنهما بعيدان، و الأظهر ما ذكرنا أولا. قوله (عليه السلام): يشهد أن لا إله إلا الله، الظاهر أن المراد به الشهادة القلبية بالتوحيد و الرسالة و ما يلزمهما فقط أو مع الإقرار باللسان أو عدم الإنكار الظاهري لا مجرد الإقرار باللسان بقرينة قوله: و هو إيمان التصديق، و قد عرفت أن الإيمان الظاهري فقط لا ينفع في الآخرة و إن احتمل التعميم، و يكون قوله: إلا من أشرك بالرحمن، أي قلبا استثناء منه فيرجع إلى ما ذكرنا أولا و على الأول يكون استثناء منقطعا. و على التقديرين يكون المراد بقوله: و هو إيمان التصديق أنه الإيمان بمعنى التصديق فقط، و لا يدخل فيه الأعمال لا شرطا و لا شطرا و إن كانت سببا لكماله بخلاف الإيمان بعد الهجرة فإن الأعمال قد دخلت فيه على أحد الوجهين و ذلك لأنهم لم يكلفوا بعد إلا بالشهادتين فحسب، و إنما نهوا عن أشياء نهي أدب و عظة و تخفيف، ثم نسخ ذلك بالتغليظ في الكبائر و التواعد عليها، و لم يكن التغليظ و التواعد يومئذ إلا في الشرك خاصة، فلما جاء التغليظ و الإيعاد بالنار في الكبائر ثبت الكفر و العذاب بالمخالفة فيها. " و تصديق ذلك" أي دليل ما ذكرنا من التفاوت في التكاليف و معنى الإيمان قبل الهجرة و بعدها. و قال الفاضل الأسترآبادي: بيان لأول الواجبات على المكلفين و أن تكاليف الله تعالى ينزل على التدريج، و في كتاب الأطعمة من تهذيب الأحكام أحاديث صريحة في التدريج في التكاليف، انتهى. و لنذكر تفسير الآيات التي أسقطت اختصارا إما من الإمام (عليه السلام) أو من الراوي قال تعالى قبل تلك الآيات:" لٰا تَجْعَلْ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا" ثم قال:" وَ قَضىٰ رَبُّكَ" قيل: أي أمر أمرا مقطوعا به:" أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ" لأن أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّهُ كٰانَ بِعِبٰادِهِ خَبِيراً بَصِيراً أَدَبٌ وَ عِظَةٌ وَ تَعْلِيمٌ وَ نَهْيٌ خَفِيفٌ وَ لَمْ يَعِدْ عَلَيْهِ وَ لَمْ يَتَوَاعَدْ عَلَى اجْتِرَاحِ شَيْءٍ مِمَّا نَهَى غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة و نهاية الإنعام" وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً" بأن تحسنوا أو أحسنوا بالوالدين إحسانا لأنهما السبب الظاهر للوجود و التعيش" إِمّٰا يَبْلُغَنَّ" إما إن الشرطية زيدت عليها ما للتأكيد" عِنْدَكَ الْكِبَرَ" في كنفك و كفالتك" أَحَدُهُمٰا أَوْ كِلٰاهُمٰا فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ" إن أضجراك" وَ لٰا تَنْهَرْهُمٰا" أي فلا تزجرهما إن ضرباك" وَ قُلْ لَهُمٰا قَوْلًا كَرِيماً" أي حسنا جميلا" وَ اخْفِضْ لَهُمٰا جَنٰاحَ الذُّلِّ" أي تذلل لهما و تواضع" مِنَ الرَّحْمَةِ" أي من فرط رحمتك عليهما" وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمٰا كَمٰا رَبَّيٰانِي صَغِيراً" جزاء لرحمتهما على و تربيتهما و إرشادهما لي في صغري" رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمٰا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صٰالِحِينَ فَإِنَّهُ كٰانَ لِلْأَوّٰابِينَ غَفُوراً". عن الصادق (عليه السلام) الأوابون التوابون المتعبدون" وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ لٰا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً" و هو صرف المال فيما لا ينبغي و إنفاقه على وجه الإسراف" إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كٰانُوا إِخْوٰانَ الشَّيٰاطِينِ" أي أمثالهم" وَ كٰانَ الشَّيْطٰانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً" أي مبالغا في الكفر. " وَ إِمّٰا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغٰاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهٰا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً، وَ لٰا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَ لٰا تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً" أي فتصير ملوما عند الله و عند الناس بالإسراف و سوء التدبير" مَحْسُوراً" أي نادما أو منقطعا بك لا شيء عندك" إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يَقْدِرُ" أي يوسعه و يضيقه بمشيته التابعة للحكمة" إِنَّهُ كٰانَ بِعِبٰادِهِ خَبِيراً بَصِيراً" يعلم سرهم و علانيتهم. قوله (عليه السلام): أدب و عظة، أي كلما ذكر في تلك الآيات سوى صدر الأولى و هو قوله:" وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ" تأديب و موعظة، و هذا مبني على أن قوله و بالوالدين بتقدير و أحسنوا عطفا على جملة: قضى ربك، لأن فيها تأكيدا و تهديدا في الجملة. عَنْهُ وَ أَنْزَلَ نَهْياً عَنْ أَشْيَاءَ حَذَّرَ عَلَيْهَا وَ لَمْ يُغَلِّظْ فِيهَا وَ لَمْ يَتَوَاعَدْ عَلَيْهَا وَ قَالَ وَ لٰا تَقْتُلُوا أَوْلٰادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلٰاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيّٰاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كٰانَ خِطْأً كَبِيراً وَ لٰا تَقْرَبُوا الزِّنىٰ إِنَّهُ كٰانَ فٰاحِشَةً وَ سٰاءَ سَبِيلًا وَ لٰا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ وَ مَنْ و يحتمل أن يكون المراد جميعها لكن وقع التهديد على الشرك فيما مر و فيما سيأتي من الآيات كقوله وَ لٰا تَجْعَلْ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ. فإن قيل: قوله وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ، إلى قوله:" كَفُوراً" فيه وعيد و تهديد؟ قلنا: ليس محض كونهم إخوان الشياطين تهديدا و وعيدا صريحا بالنار، بل قيل قوله كانوا، يدل على أن في أواخر شرائع سائر أولي العزم كانت كذلك، فلا يدل صريحا على أن في تلك الشريعة أيضا كذلك، و الاجتراح الاكتساب. " وَ لٰا تَقْتُلُوا أَوْلٰادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلٰاقٍ" قيل: أي مخافة الفاقة و قتلهم أولادهم و أدهم بناتهم مخافة الفقر فنهاهم الله عنه، و ضمن لهم أرزاقهم فقال:" نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيّٰاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كٰانَ خِطْأً كَبِيراً" أي ذنبا كبيرا مما فيه من قطع التناسل و انقطاع النوع. و الخطأ الإثم، يقال: خطىء خطأ كأثم إثما، و قرأ ابن عامر خطأ بالتحريك و هو اسم من أخطأ يضاد الصواب، و قيل: لغة فيه كمثل و مثل و حذر و حذر، و قرأ ابن كثير خطاءا بالمد و الكسر، و هو إما لغة أو مصدر خاطئا، و قرى خطاءا بالفتح و المد، و خطأ بحذف الهمزة مفتوحا و مكسورا و على التقادير ليس فيه تصريح بكونه ذنبا، و لا ترتب العقوبة عليه. " وَ لٰا تَقْرَبُوا الزِّنىٰ" بالقصد و إتيان المقدمات فضلا أن تباشروه" إِنَّهُ كٰانَ فٰاحِشَةً" فعلة ظاهرة القبح زايدته" وَ سٰاءَ سَبِيلًا" أي و بئس طريقا طريقه، و هو الغصب على الإبضاع المؤدي إلى قطع الأنساب و هيج الفتن. " وَ لٰا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ" قيل: أي إلا بإحدى ثلاث خصال: كفر بعد إيمان، و زنى بعد إحصان، و قتل مؤمن معصوم عمدا" وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً" غير قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً فَلٰا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كٰانَ مَنْصُوراً وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّٰى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلًا وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذٰا كِلْتُمْ وَ زِنُوا بِالْقِسْطٰاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ مستوجب للقتل" فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ" للذي يلي أمره بعد وفاته و هو الوارث" سُلْطٰاناً" أي تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل" فَلٰا يُسْرِفْ" أي القاتل" فِي الْقَتْلِ" بأن يقتل من لا يحق قتله فإن العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك أو الولي بالمثلة أو قتل غير القاتل" إِنَّهُ كٰانَ مَنْصُوراً" علة النهي على الاستئناف، و الضمير إما للمقتول فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله و في الآخرة بالثواب، و إما لوليه فإن الله نصره حيث أوجب القصاص له و أمر الولاة بمعونته و إما للذي يقتله الولي إسرافا بإيجاب القصاص و التعزير و الوزر على المسرف. " وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ" فضلا أن تتصرفوا فيه" إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" أي إلا بالطريقة التي هي أحسن" حَتّٰى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ" غاية لجواز التصرف الذي دل عليه الاستثناء" وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ" بما عاهدكم الله من تكاليفه أو ما عاهدتموه و غيره" إِنَّ الْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلًا" مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه و يفي به، أو مسئولا عنه يسأل الناكث و يعاتب عليه أو يسأل العهد لم نكثت تبكيتا للناكث كما يقال للموؤدة بأي ذنب قتلت، و يجوز أن يراد أن صاحب العهد كان مسئولا. " وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذٰا كِلْتُمْ" و لا تبخسوا فيه" وَ زِنُوا بِالْقِسْطٰاسِ الْمُسْتَقِيمِ" بالميزان السوي و هو رومي عرب، و قرأ حمزة و الكسائي و حفص بكسر القاف" ذٰلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا" أي و أحسن عاقبة تفعيل من آل إذا رجع. " وَ لٰا تَقْفُ" و لا تتبع" مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ" ما لم يتعلق به علمك تقليدا أو رجما بالغيب قيل: و احتج به من منع من اتباع الظن، و جوابه: أن المراد بالعلم هو الاعتقاد عَنْهُ مَسْؤُلًا وَ لٰا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبٰالَ طُولًا كُلُّ ذٰلِكَ كٰانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ذٰلِكَ مِمّٰا أَوْحىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الراجح المستفاد من سند، سواء كان قطعيا أو ظنيا و استعماله بهذا المعنى شائع، و قيل: إنه مخصوص بالعقائد، و قيل: بالرمي و شهادة الزور" إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ" أي كل الأعضاء فأجراها مجرى العقلاء بما كانت مسئولة عن أحوالها، شاهدة عن صاحبها، هذا. و إن" أولاء" و إن غلب على العقلاء لكنه من حيث أنه اسم جمع لذا و هو يعم القبيلين جاء لغيرهم كقوله:" و العيش بعد أولئك الأيام". " كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا" في ثلاثتها ضمير كل، أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه، يعني عما فعل به صاحبه، و يجوز أن يكون الضمير في عنه لمصدر و لا تقف، أو لصاحب السمع و البصر، و قيل: مسئولا مسند إلى عنه كقولك: غير المغضوب عليهم، و المعنى يسأل صاحبه عنه و هو خطأ لأن الفاعل و ما يقوم مقامه لا يتقدم، و قيل: المراد بسؤال الجوارح إما سؤال نفسها أو سؤال أصحابها كما يظهر من أولئك أو جعلت بمنزلة ذوي العقول أو هم ذوو العقول مع الله تعالى" وَ لٰا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً" أي ذا مرح و هو الاختيال، و في القاموس: المرح شدة الفرح و النشاط" إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ" لن تجعل فيها خرقا بشدة وطأتك" وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبٰالَ طُولًا" بنظارتك و مد عنقك و هو تهكم بالمختال و تعليل للنهي بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى ليس في التذلل" كُلُّ ذٰلِكَ كٰانَ سَيِّئُهُ" قيل: يعني المنهي عنه فإن المذكورات مأمورات و مناهي، و قرأ الحجازيان و البصريان" سيئة" على أنها خبر كان و الاسم ضمير كل و" ذلك" إشارة إلى ما نهى عنه خاصة و على هذا قوله" عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً" بدل من سيئة أو صفة لها محمولة على المعنى. " ذٰلِكَ" إشارة إلى الأحكام المتقدمة" مِمّٰا أَوْحىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ" الْحِكْمَةِ وَ لٰا تَجْعَلْ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ فَتُلْقىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً وَ أَنْزَلَ فِي وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَغْشىٰ... فَأَنْذَرْتُكُمْ نٰاراً تَلَظّٰى لٰا يَصْلٰاهٰا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى فَهَذَا التي هي معرفة الحق لذاته و الخير للعمل به" وَ لٰا تَجْعَلْ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ" كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدء الأمر و منتهاه و رأس الحكمة و ملاكها" مَلُوماً" تلوم نفسك" مَدْحُوراً" مطرودا مبعدا من رحمة الله. و أقول: هذا شروع في ذكر الآيات التي نزلت بمكة مشتملة على الوعيد و التهديد في الشرك و نحوه بخلاف ما ورد في غيره مما مضى فإن كونه خطأ كبيرا أو فاحشة و مسئولا و مسئولا عنه و مكروها ليس في شيء منها تصريح بالعذاب و النكال الأخروي و لا يحتاج إلى ما يتكلف بأن كان خطأ و كان فاحشة، و مسئولا، و كان عنه مسئولا، و كان سيئة عند ربك مكروها، محمولة على أنها كانت في أواخر الأمم السابقة كذلك، و ستصير في هذه الأمة أيضا بعد ذلك كذلك فإنه في غاية البعد و زيادة" كان" في هذه المقامات كثيرة في الذكر الحميد كقوله" كٰانَ رَبُّكَ قَدِيراً" و كٰانَ غَفُوراً رَحِيماً" بل الوجه ما ذكرنا فتفطن. " نٰاراً تَلَظّٰى" أي تتلهب" لٰا يَصْلٰاهٰا" أي لا يلزمها مقاسيا شدتها" إِلَّا الْأَشْقَى" قيل أي إلا الكافر فإن الفاسق و إن دخلها لم يلزمها و لكن سماه أشقى و وصفه بقوله:" الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى" أي كذب الحق و أعرض عن الطاعة كذا ذكره البيضاوي، و قال في قوله تعالى بعد ذلك:" وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى" أي الذي اتقى الشرك و المعاصي فإنه لا يدخلها فضلا أن يدخلها و يصليها، و مفهوم ذلك أن من اتقى الشرك دون المعصية لا يجنبها، و لا يلزم ذلك صليها، فلا يخالف الحصر السابق انتهى. و قال الطبرسي (ره): لا يصليها، أي لا يدخل تلك النار و لا يلزمها إلا الأشقى و هو الكافر بالله، الذي كذب بآيات الله و رسله و تولى، أي أعرض عن الإيمان، و سيجنبها، أي سيجنب النار و يجعل منها على جانب" الأتقى" المبالغ في التقوى" الَّذِي يُؤْتِي مٰالَهُ" أي ينفقه في سبيل الله" يَتَزَكّٰى" أي يكون عند الله زكيا لا يطلب بذلك رياء و لا سمعة. قال القاضي: قوله: لا يصليها الآية، لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر على ما تقوله الخوارج و بعض المرجئة، و ذلك لأنه نكر النار المذكورة و لم يعرفها، فالمراد بذلك أن نارا من جملة النيران لا يصليها إلا من هذه حاله، و النيران دركات على ما بينه سبحانه في سورة النساء في شأن المنافقين، فمن أين عرف أن هذه النار لا يصليها قوم آخرون، و بعد فإن الظاهر من الآية يوجب أن لا يدخل النار إلا من كذب و تولى و جمع بين الأمرين، فلا بد للقوم من القول بخلافه لأنهم يوجبون النار لمن يتولى عن كثير من الواجبات و إن لم يكذب، و قيل: إن الأتقى و الأشقى المراد بهما التقي و الشقي، انتهى. ثم اعلم أنه استدل بالآيات الأول على أن وعيد النار في مكة إنما كان على الكفار لأنه سبحانه حصر الصلي بالنار على الأشقى الذي كذب الرسول و تولى عن قبول قوله في التوحيد أو الأعم، و من كذب الرسول و أعرض عما جاء به كافر مشرك، فظهر أنه لم يكن يومئذ يستحق النار غير المشركين و الكفار من الفساق و إليه أشار (عليه السلام) بقوله فهذا مشرك و هذا وجه حسن، و استدلال متين لكن كيف يستقيم على هذا الآيات التالية و هي قوله:" وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى" إلخ، فإنها تدل على أن غير الأتقى لا يجنب النار. و يمكن الجواب عنه بوجوه: الأول: أن المضارع في قوله تعالى لٰا يَصْلٰاهٰا، للحال و استعمل الصلي في سببه مجازا أي الحكم في الحال قبل الهجرة أنه لا يدخلها إلا المشرك، و في قوله مُشْرِكٌ وَ أَنْزَلَ فِي إِذَا السَّمٰاءُ انْشَقَّتْ وَ أَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ وَرٰاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً وَ يَصْلىٰ سَعِيراً إِنَّهُ كٰانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلىٰ- فَهَذَا مُشْرِكٌ وَ أَنْزَلَ فِي [سُورَةِ] تَبَارَكَ- كُلَّمٰا أُلْقِيَ فِيهٰا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهٰا أَ لَمْ يَأْتِكُمْ سيجنبها للاستقبال القريب إخبارا عن التكاليف المدينة بعد دخول الأعمال في الإيمان فلا تنافي بينهما و تكون الآيات جمع دالة على الحكمين صريحا. الثاني: أن يقال أن الآيات التالية نزلت بالمدينة كما روي في تفسير علي بن إبراهيم أنها نزلت في أبي الدحداح بالمدينة لكن ظاهر الرواية أن الآيات الأول أيضا نزلت بالمدينة. الثالث: أن يقال أن الآيات الأخيرة و إن كانت دالة على عدم تجنب الفساق النار لكنها دلالة ضعيفة بالمفهوم، فما يدل صريحا على دخول النار إنما هو في الكفار، و ما يدل على حكم الفجار فليس فيه وعيد صريح و تهديد عظيم بل يدل دلالة ضعيفة على عدم الحكم بأنهم لا يدخلونها لا سيما مع الحصر المتقدم و لعل السر في هذا الإجمال عدم اجترائهم على المعاصي. " وَ أَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ وَرٰاءَ ظَهْرِهِ" أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره، قيل: يغل يمناه إلى عنقه و يجعل يسراه وراء ظهره" فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً" أي يتمنى الثبور و يقول وا ثبوراه و هو الهلاك" وَ يَصْلىٰ سَعِيراً" أي نارا مسعرة" إِنَّهُ كٰانَ فِي أَهْلِهِ" أي في الدنيا" مَسْرُوراً" بطرا بالمال و الجاه فارغا عن ذكر الآخرة" إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ" أي لن يرجع بعد أن يموت" بَلىٰ" يرجع" إِنَّ رَبَّهُ كٰانَ بِهِ بَصِيراً" أي عالما بأعماله فلا يهمله بل يرجعه و يجازيه" فهذا مشرك" لأنه أنكر البعث و إنكاره كفر أو كان لا ينكره حينئذ إلا المشركون" كُلَّمٰا أُلْقِيَ فِيهٰا فَوْجٌ" أي جماعة من الكفرة" سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهٰا" أي خزنة جهنم" أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ" يخوفكم هذا العذاب نَذِيرٌ قٰالُوا بَلىٰ قَدْ جٰاءَنٰا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنٰا وَ قُلْنٰا مٰا نَزَّلَ اللّٰهُ مِنْ شَيْءٍ فَهَؤُلَاءِ مُشْرِكُونَ وَ أَنْزَلَ فِي الْوَاقِعَةِ- وَ أَمّٰا إِنْ كٰانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّٰالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ فَهَؤُلَاءِ مُشْرِكُونَ وَ أَنْزَلَ فِي الْحَاقَّةِ وَ أَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِشِمٰالِهِ فَيَقُولُ يٰا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتٰابِيَهْ وَ لَمْ أَدْرِ مٰا حِسٰابِيَهْ يٰا لَيْتَهٰا كٰانَتِ الْقٰاضِيَةَ مٰا أَغْنىٰ عَنِّي مٰالِيَهْ إِلَى قَوْلِهِ و هو توبيخ و تبكيت. " قٰالُوا بَلىٰ قَدْ جٰاءَنٰا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنٰا" أي الرسل و أفرطنا في التكذيب حتى نفينا الإنزال رأسا و بالغنا في نسبتهم إلى الضلال حيث قالوا بعد ذلك" إِنْ أَنْتُمْ إِلّٰا فِي ضَلٰالٍ كَبِيرٍ". فهؤلاء مشركون لتكذيبهم بكتب الله و رسله" وَ أَمّٰا إِنْ كٰانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ" بالبعث و الرسل و آيات الله" الضّٰالِّينَ" عن الهدى الذاهبين عن الصواب و الحق" فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ" أي فنزلهم الذي أعد لهم من الطعام و الشراب من حميم جهنم" وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ" أي إدخال نار عظيمة فهؤلاء مشركون للتصريح بأنهم كانوا من المكذبين الضالين. " وَ أَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِشِمٰالِهِ فَيَقُولُ" لما رأى من قبح العمل و سوء العاقبة" يٰا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتٰابِيَهْ وَ لَمْ أَدْرِ مٰا حِسٰابِيَهْ" الهاء فيهما و فيما بعدها للسكت، تثبت في الوقف و تسقط في الوصل، و قالوا: استحب الوقف لثباتها في الإمام و لذلك قرأ بإثباتها في الوصل" يٰا لَيْتَهٰا" أي يا ليت الموتة التي متها" كٰانَتِ الْقٰاضِيَةَ" أي القاطعة لأمري فلم أبعث بعدها أو يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي أو يا ليت حياة الدنيا كانت الموتة و لم أخلق حيا" مٰا أَغْنىٰ عَنِّي مٰالِيَهْ" أي مالي من المال و التبع أو ما نفي و المفعول محذوف أو استفهام إنكار مفعول لأغنى و بعد ذلك. " هَلَكَ عَنِّي سُلْطٰانِيَهْ" أي ملكي و تسلطي أو حجتي التي كنت أحتج في إِنَّهُ كٰانَ لٰا يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ الْعَظِيمِ فَهَذَا مُشْرِكٌ وَ أَنْزَلَ فِي طسم- وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغٰاوِينَ وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيهٰا هُمْ وَ الْغٰاوُونَ وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ جُنُودُ إِبْلِيسَ ذُرِّيَّتُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَ قَوْلُهُ الدنيا" خُذُوهُ" يقوله الله لخزنة جهنم" فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ" أي ثم لا تصلوه إلا الجحيم و هي النار العظمى لأنه كان يتعظم على الناس" ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ" أي فأدخلوه فيها بأن تلقوه على جسده، إِنَّهُ كٰانَ لٰا يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ الْعَظِيمِ" فدل على أن هذا الوعيد بالنار لمن لا يؤمن بالله من الكفار فهذا مشرك. قوله" في طسم" أي في الشعراء" وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغٰاوِينَ" فيرونها مكشوفة و يتحسرون على أنهم المسوقون إليها" وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ" أي أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شفعاؤكم" هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ" بدفع العذاب عنكم" أَوْ يَنْتَصِرُونَ" بدفعه عن أنفسهم لأنهم و آلهتهم يدخلون النار كما قال" فَكُبْكِبُوا فِيهٰا هُمْ وَ الْغٰاوُونَ" أي الآلهة و عبدتهم و الكبكبة تكرير الكتب لتكرير معناه، كان من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها" وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ" قيل: متبعوه من عتاة الثقلين أو شياطينه" أَجْمَعُونَ" تأكيد للجنود إن جعل مبتدأ خبره ما بعده، أو للضمير و ما عطف عليه و كذا الضمير المنفصل و ما يعود إليه في قوله:" قٰالُوا وَ هُمْ فِيهٰا يَخْتَصِمُونَ، تَاللّٰهِ إِنْ كُنّٰا لَفِي ضَلٰالٍ مُبِينٍ" على أن الله ينطق الأصنام فتخاصم العبدة، و يؤيده الخطاب في قوله:" إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعٰالَمِينَ" أي في استحقاق العبادة، و يجوز أن يكون الضمائر للعبدة كما في قالوا و الخطاب للمبالغة في التحسر و الندامة، و المعنى أنهم مع تخاصمهم في مبدء ضلالهم معترفون بانهماكهم في الضلالة يتحسرون عليها، كذا ذكره البيضاوي في تفسير تلك الآيات. وَ مٰا أَضَلَّنٰا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ- يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ هَؤُلَاءِ فَاتَّبَعُوهُمْ عَلَى شِرْكِهِمْ وَ هُمْ قَوْمُ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى أَحَدٌ وَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ كَذَّبَ أَصْحٰابُ الْأَيْكَةِ كَذَّبَتْ قَوْمُ قوله (عليه السلام): يعني المشركين، هو خبر لقوله" بحذف العائد، أي يعني به، و المعنى أن المراد بالمجرمين المشركون الذين اتبعهم هؤلاء القائلون على شركهم و كلاهما من أمة محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)" و تصديق ذلك" أي تصديق أن المراد بهم المشركون من هذه الأمة أن الله تعالى ذكر بعد تلك الآيات أحوال المشركين و عبدة الأوثان من كل أمة، و لم يدخل فيهم اليهود و النصارى. فالظاهر أن يكون المراد هنا أيضا طائفة مخصوصة، و ليس هم اليهود و النصارى لقوله تعالى سابقا فَكُبْكِبُوا فِيهٰا هُمْ وَ الْغٰاوُونَ، لدلالته على أن معبودهم في النار فلم يبق إلا أن يكونوا من هذه الأمة أو يكتفي بالوجه الأول، و يقال: لما كان الظاهر من الآيات اللاحقة اختصاص الكلام بعبدة الأوثان فالظاهر هنا أيضا أن يكون المراد به من هو من جنسهم و لم يبق من الأمم المشهورة الذين تعرض الله لذكرهم في القرآن إلا هذه الأمة فهم المرادون به و قوله:" كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ" كأنه نقل بالمعنى لأن تلك الآيات في سورة الشعراء و ليس فيها" قبلهم" و إنما هو في(صلى الله عليه وآله وسلم)و المؤمن، و يحتمل أن يكون في مصحفهم (عليهم السلام) هكذا. هذا ما خطر بالبال، و قيل: لعل المراد أن القائلين بهذا القول أعني قولهم:" وَ مٰا أَضَلَّنٰا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ" هم مشركو قوم نبينا الذين اتبعوا آباءهم المكذبين للأنبياء بدليل أن الله سبحانه ذكر عقيب ذلك في مقام التفصيل المكذبين للأنبياء طائفة بعد طائفة، و ليس المراد بهم أحدا من اليهود و النصارى الذين صدقوا نبيهم و إنما لُوطٍ لَيْسَ فِيهِمُ الْيَهُودُ الَّذِينَ قَالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ لَا النَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ سَيُدْخِلُ اللَّهُ الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى النَّارَ وَ يُدْخِلُ كُلَّ قَوْمٍ بِأَعْمَالِهِمْ وَ قَوْلُهُمْ وَ مٰا أَضَلَّنٰا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ- إِذْ دَعَوْنَا إِلَى سَبِيلِهِمْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِمْ حِينَ جَمَعَهُمْ إِلَى أشركوا من جهة أخرى و إن كان الفريقان يدخلان النار أيضا فقوله: سيدخل الله، استدراك لدفع توهم عدم دخولهما النار و عدم دخول غيرهما ممن أساء العمل، انتهى. قوله (عليه السلام): ليس هم اليهود، تأكيد لقوله: ليس فيهم، أو المراد بالأول أنه ليس في القائلين و المجرمين، و بالثاني أنه ليس في هؤلاء المكذبين من الأمم السابقة، و قيل: الأول نفي للتشريك، و الثاني نفي للاختصاص، و الأوسط أظهر. و" قولهم" مبتدأ" إذ دعونا إلى سبيلهم" ذلك من كلامه (عليه السلام) ذكره تفسيرا للآية، و قول الله خبر للمبتدإ، و يحتمل أن يكون ذلك مبتدأ ثانيا إشارة إلى قولهم، و قول الله خبره، و المجموع خبر للمبتدإ الأول، و حاصله أن القولين حكايتان عن قصة واحدة، و قيل: حين ظرف لقول الله مجازا من قبيل وضع الدال موضوع المدلول. ثم اعلم أن الآيات في سورة الأعراف هكذا:" حَتّٰى إِذٰا جٰاءَتْهُمْ رُسُلُنٰا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قٰالُوا أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ قٰالُوا ضَلُّوا عَنّٰا وَ شَهِدُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كٰانُوا كٰافِرِينَ، قٰالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ فِي النّٰارِ كُلَّمٰا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهٰا حَتّٰى إِذَا ادّٰارَكُوا فِيهٰا جَمِيعاً، قٰالَتْ أُخْرٰاهُمْ …

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابٌ [أن الإسلام قبل الإيمان

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.