لِأُولٰاهُمْ رَبَّنٰا هٰؤُلٰاءِ أَضَلُّونٰا فَآتِهِمْ عَذٰاباً ضِعْفاً مِنَ النّٰارِ قٰالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لٰكِنْ لٰا- تَعْلَمُونَ، وَ قٰالَتْ أُولٰاهُمْ لِأُخْرٰاهُمْ فَمٰا كٰانَ لَكُمْ عَلَيْنٰا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذٰابَ بِمٰا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ" فظهر أن قوله: قالت أوليهم لأخريهم، من سهو النساخ أو الرواة النَّارِ- قٰالَتْ أُخْرٰاهُمْ لِأُولٰاهُمْ رَبَّنٰا هٰؤُلٰاءِ أَضَلُّونٰا- فَآتِهِمْ عَذٰاباً ضِعْفاً مِنَ النّٰارِ وَ قَوْلُهُ كُلَّمٰا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهٰا حَتّٰى إِذَا ادّٰارَكُوا فِيهٰا جَمِيعاً بَرِئَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَ لَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً يُرِيدُ بَعْضُهُمْ أَنْ يَحُجَّ بَعْضاً رَجَاءَ الْفَلْجِ فَيُفْلِتُوا مِنْ عَظِيمِ مَا نَزَلَ بِهِمْ و أن" كُلَّمٰا دَخَلَتْ" مقدم على السابق في الترتيب. قالوا" و" في قوله: و قوله، بمعنى مع، مع أنه لا يدل على الترتيب. " كُلَّمٰا دَخَلَتْ أُمَّةٌ" أي في النار" لَعَنَتْ أُخْتَهٰا" التي ضلت بالاقتداء بها" حَتّٰى إِذَا ادّٰارَكُوا فِيهٰا" أصل اداركوا تداركوا، فأدغم و معناه تلاحقوا، أي لحق آخرهم أولهم في النار" قٰالَتْ أُخْرٰاهُمْ" دخولا و منزلة و هم الأتباع" لِأُولٰاهُمْ" إذ الخطاب مع الله لا معهم" رَبَّنٰا هٰؤُلٰاءِ أَضَلُّونٰا" أي سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم" فَآتِهِمْ عَذٰاباً ضِعْفاً مِنَ النّٰارِ" أي مضاعفا لأنهم ضلوا و أضلوا. " قٰالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ" أما القادة فبكفرهم و تضليلهم، و أما الأتباع فبكفرهم و تقليدهم" وَ لٰكِنْ لٰا تَعْلَمُونَ" ما لكم أو ما لكل فريق" وَ قٰالَتْ أُولٰاهُمْ لِأُخْرٰاهُمْ فَمٰا كٰانَ لَكُمْ عَلَيْنٰا مِنْ فَضْلٍ" عطفوا كلامهم على جواب الله لأخريهم، و بنوه عليه، أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا، و إنا إياكم متساوون في الضلال و استحقاق العذاب" فَذُوقُوا الْعَذٰابَ" من قول القادة أو من قول الفريقين. " أن يحج بعضا" بضم الحاء أي يغلبه بالحجة، في القاموس الحج الغلبة بالحجة و في المصباح حاجة محاجة فحجة بحجة من باب قتل إذا غلبه في الحجة، و قال: فلج فلوجا من باب قعد ظفر بما طلب، و فلج بحجته أثبتها، و أفلج الله حجته أظهرها، و قال: أفلت الطائر و غيره إفلاتا تخلص، و أفلته أنا إذا أطلقته و خلصته، يستعمل لازما و متعديا و فلت فلتا من باب ضرب لغة و فلتة، يستعمل وَ لَيْسَ بِأَوَانِ بَلْوَى وَ لَا اخْتِبَارٍ وَ لَا قَبُولِ مَعْذِرَةٍ وَ لَاتَ حِينَ نَجَاةٍ وَ الْآيَاتُ وَ أَشْبَاهُهُنَّ مِمَّا نَزَلَ بِهِ بِمَكَّةَ وَ لَا يُدْخِلُ اللَّهُ النَّارَ إِلَّا مُشْرِكاً فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم)فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَنَى الْإِسْلَامَ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ إِقَامِ الصَّلَاةِ وَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَ حِجِّ الْبَيْتِ وَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ أيضا لازما و متعديا، و انفلت خرج بسرعة. " و ليس بأوان بلوى و لا اختبار" يعني أنهم يطمعون في غير مطمع، فإن الاحتجاج و طلب الدليل إنما ينفع في دار التكليف و الاختبار لا في دار الجزاء بعد ظهور الأمر و دخول النار. " و لا حين نجاة" أي ليس هذا الزمان حين نجاة يمكن التخلص من العذاب بالتوبة و غيرها، و في بعض النسخ و لا حين نجاة، مقتبسا من قوله تعالى:" وَ لٰاتَ حِينَ مَنٰاصٍ" قال البيضاوي: أي ليس الحين حين مناص، و" لا" هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب و ثم، و خصت بلزوم الأحيان و حذف أحد المعمولين، و قيل: هي النافية للجنس، أي و لا حين مناص لهم، و قيل: للفعل و النصب بإضماره أي و لا أرى حين مناص، و قيل: أن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الإمام، انتهى. " و الآيات" أي تلك الآيات المتقدمة" و لا يدخل الله" الجملة حالية أي نزلت تلك الآيات في حال كان الحكم فيها أن لا يدخل الله النار إلا مشركا. قوله (عليه السلام): فلما أذن الله، قال المحدث الأسترآبادي: تصريح بأن مصداق الإسلام في مكة أقل من مصداقه في المدينة، انتهى. و عد الشهادتين واحدة لتلازمهما و كان الولاية أيضا داخلة فيهما كما عرفت و عدم التصريح للتقية، أو أنه (عليه السلام) استدل بهذا الخبر المشهور بين العامة إلزاما الْحُدُودَ وَ قِسْمَةَ الْفَرَائِضِ وَ أَخْبَرَهُ بِالْمَعَاصِي الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا وَ بِهَا النَّارَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا وَ أَنْزَلَ فِي بَيَانِ الْقَاتِلِ وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا وَ غَضِبَ اللّٰهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذٰاباً عَظِيماً- وَ لَا يَلْعَنُ اللَّهُ مُؤْمِناً قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنَّ اللّٰهَ لَعَنَ الْكٰافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً لٰا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لٰا نَصِيراً- وَ كَيْفَ يَكُونُ فِي الْمَشِيئَةِ وَ قَدْ أَلْحَقَ بِهِ حِينَ جَزَاهُ جَهَنَّمَ الْغَضَبَ وَ اللَّعْنَةَ وَ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مَنِ عليهم، و كان ذكر العبادات الأربع و تخصيصها لكونها أهم الفرائض أو لأنها صرحت بها في القرآن و أكدت عليها دون غيرها، أو أنه بني عليها أولا ثم زيدت سائر الفرائض. " وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً" استدل به من قال بخلود أصحاب الكبائر في النار و أول بوجوه: الأول أن المراد بالمتعمد من قتله لإيمانه كما ورد في أخبار كثيرة فيكون كافرا. الثاني: أن المراد بالخلود المكث الطويل. الثالث: أن المراد أن هذا جزاؤه إن جازاه لكنه سبحانه لا يجازيه كما ورد في بعض أخبارنا. الرابع: أن المراد بالتعمد المستحل. الخامس: أنه يفعل فعلا يستحق به دخول النار، و استدل (عليه السلام) على عدم إيمانه بأن الله لعنه و لا يلعن مؤمنا لقوله تعالى:" إِنَّ اللّٰهَ لَعَنَ الْكٰافِرِينَ" و كأنه (عليه السلام) استدل بمفهوم الوصف فيدل على حجيته، و يمكن أن يكون لخصوص سياق الآية أيضا مدخل فيه. " و كيف يكون في المشيئة" أي كيف يكون أمر القاتل في مشيئة الله إن شاء عذبه و إن شاء غفر له، و الحال أنه قد ألحق به بعد أن جزاه جهنم الغضب و اللعنة المختصين بالكفار. أقول: كونه في المشيئة إما مبني على ما ذكره أكثر المتكلمين من أن خلف الوعد قبيح و على الله محال، و أما خلف الوعيد فهو حسن و يجوز على الله تعالى و ليس بكذب، قال الطبرسي (ره): و روى عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس في قوله:" فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ" قال: هي جزاؤه فإن شاء عذبه و إن شاء غفر له، و روي عن أبي صالح و بكر بن عبد الله و غيره أنه كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر: إن فعلت فجزاؤك القتل و الضرب، ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا، انتهى. أو إشارة إلى قوله تعالى:" إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ" فيدل على أن ما دون الشرك مما يغفره الله لمن يشاء و القتل داخل في ذلك فيكون داخلا في المشيئة كما قال في مجمع البيان قال جماعة من التابعين: الآية اللينة و هي" إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ" الآية، نزلت بعد الشديدة، و هي" وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً" الآية، و على الأول فكان جوابه (عليه السلام) مبني على أن آية القتال ليست مشتملة على الوعيد فقط بل على أنه ممن غضب الله عليه و لعنه، فإذا دخل الجنة من غير توبة أو غيرها مما يكفره يكون كذبا، و لم يكن مغضوبا و لا ملعونا مبعدا من رحمة الله. و على الثاني مبني على وجهين:" الأول" أن القتل المذكور داخل في الشرك و الكفر حيث لعنه الله، و لا يلعن إلا الكافر" و الثاني" أنه لا يكون داخلا فيمن يشاء مغفرته حيث أخبر بأنه مغضوب و ملعون، و هذا صريح في عدم المغفرة و الوجوه كأنها متقاربة. الْمَلْعُونُونَ فِي كِتَابِهِ وَ أَنْزَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مَنْ أَكَلَهُ ظُلْماً- إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً- وَ ذَلِكَ أَنَّ آكِلَ مَالِ الْيَتِيمِ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ النَّارُ تَلْتَهِبُ فِي بَطْنِهِ حَتَّى يَخْرُجَ لَهَبُ النَّارِ مِنْ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ كُلُّ أَهْلِ الْجَمْعِ أَنَّهُ آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَ أَنْزَلَ فِي الْكَيْلِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ- " و قد بين ذلك" المشار إليه آية الأحزاب أي أن الله لعن الكافرين. " و أنزل" أي في سورة النساء أيضا" من أكله" بدل اشتمال لمال اليتيم" إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً" قال في المجمع: أي ينتفعون بأموال اليتامى و يأخذونها ظلما بغير حق، و لم يرد به قصر الحكم على الأكل، و إنما خص لأنه معظم منافع المال المقصودة. " إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً" قيل فيه وجهان: أحدهما: أن النار تلتهب من أفواههم و إسماعهم و آنافهم يوم القيامة ليعلم أهل الموقف أنهم أكلة أموال اليتامى عن السدي، و روي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): يبعث ناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواههم نارا فقيل له: يا رسول الله من هؤلاء؟ فقرأ هذه الآية. و الآخر: أنه ذكر ذلك على وجه المثل من حيث أن من فعل ذلك يصير إلى جهنم فيمتلي بالنار أجوافهم عقابا على أكلهم مال اليتيم" وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً" أي يلزمون النار المسعرة للإحراق، و إنما ذكر البطون تأكيدا كما يقال: نظرت بعيني، و قلت بلساني، و أخذت بيدي و مشيت برجلي، انتهى. " و أنزل في الكيل" فإن قيل: سورة المطففين من السور المكية و الغرض هنا بيان التكاليف المتجددة بالمدينة؟ قلنا: لا عبرة بما ذكره المفسرون في ذلك مع أنهم اختلفوا في هذه السورة قال في مجمع البيان: مكية، و قال المعدل مدنية عن الحسن و الضحاك و عكرمة، و قال ابن عباس و قتادة: إلا ثماني آيات منها، و هي وَ لَمْ يَجْعَلِ الْوَيْلَ لِأَحَدٍ حَتَّى يُسَمِّيَهُ كَافِراً قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ- وَ أَنْزَلَ فِي الْعَهْدِ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ أَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا " إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا" إلى آخر السورة، انتهى. فالخبر يؤيد قول هؤلاء الجماعة و يؤيده ما رواه في مجمع البيان في سبب نزول صدر السورة عن عكرمة عن ابن عباس أنه لما قدم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عز و جل:" وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ" فأحسنوا الكيل بعد ذلك، و روي عن السدي أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قدم المدينة و بها رجل يقال له أبو جهينة و معه صاعان يكيل بأحدهما و يكتال بالآخر فنزلت الآيات، و يؤنسه أن الطبرسي (ره) ذكرها في ترتيب نزول السور آخر السور المكية. فيمكن أن يكون نزولها بعد الهجرة و قبل نزول المدينة. و في القاموس: الويل حلول الشر، و ويل كلمة عذاب، و واد في جهنم أو بئر أو باب لها، انتهى. و استدل (عليه السلام) بأن الويل لم يطلق في القرآن إلا للكافرين كقوله:" فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا يَكْسِبُونَ"" وَ وَيْلٌ لِلْكٰافِرِينَ مِنْ عَذٰابٍ شَدِيدٍ"" فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذٰابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ"" وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ"" يٰا وَيْلَنٰا مَنْ بَعَثَنٰا مِنْ مَرْقَدِنٰا"" يٰا وَيْلَنٰا إِنّٰا كُنّٰا طٰاغِينَ". و في المجمع وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، هم الذين ينقصون المكيال و الميزان و يبخسون الناس حقوقهم في الكيل و الوزن، قال الزجاج: و إنما قيل له: مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال و الميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. " و أنزل في العهد" أي في سورة آل عمران و هي مدنية" إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ" لعل المراد بالعهد هنا على ظاهر سياق الحديث ما عاهدوا الله عليه، فخالفوه، و باليمين الإيمان التي يحلفون بها على المستقبل ثم يخالفونها، و يحتمل شموله لليمين الغموس الكاذبة، و يحتمل أن يكون العهد شاملا للبيعة و ما عاهدوا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ثم نقضوه. و قال الراغب: العهد: حفظ الشيء و مراعاته حالا بعد حال و سمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدا قال عز و جل:" وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلًا" أي أوفوا لفظ الأمان، و عهد فلان إلى فلان أي ألقى العهد إليه و أوصاه بحفظه، قال عز و جل:" وَ لَقَدْ عَهِدْنٰا إِلىٰ آدَمَ" و عهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، و تارة يكون بما أمرنا به بكتابه و بسنة رسله، و تارة بما نلتزمه و ليس بلازم في أصل الشرع كالنذور و ما يجري مجراه، انتهى. و أما ما ذكره المفسرون في تلك الآية فقال الطبرسي (قدس سره): نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتموا ما في التوراة من أمر محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و كتبوا بأيديهم غيره، و حلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم الرئاسة، و ما كان لهم علي أتباعهم عن عكرمة، و قيل: نزلت في الأشعث بن قيس و خصم له في أرض قام ليحلف عند رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فلما نزلت الآية نكل الأشعث و اعترف بالحق عن ابن جريج، و قيل: نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعته، عن مجاهد و الشعبي. ثم قال:" إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ" أي يستبدلون بأمر الله سبحانه ما يلزمهم الوفاء به، و قيل: معناه: إن الذين يحصلون بنكث عهد الله و نقضه" وَ أَيْمٰانِهِمْ" أي و بالأيمان الكاذبة" ثَمَناً قَلِيلًا" أي عوضا نذرا لأنه قليل في جنب ما يفوتهم من الثواب، و يحصل لهم من العقاب، و قيل: العهد ما أوجبه الله تعالى على الإنسان من الطاعة و الكف عن المعصية، و قيل: هو ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل أُولٰئِكَ لٰا خَلٰاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لٰا يُكَلِّمُهُمُ اللّٰهُ وَ لٰا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ لٰا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ- وَ الْخَلَاقُ النَّصِيبُ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْآخِرَةِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَ أَنْزَلَ بِالْمَدِينَةِ الزّٰانِي لٰا يَنْكِحُ إِلّٰا زٰانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزّٰانِيَةُ لٰا يَنْكِحُهٰا إِلّٰا و الانقياد للحق." أُولٰئِكَ لٰا خَلٰاقَ لَهُمْ" أي لا نصيب وافرا لهم في نعيم الآخرة" وَ لٰا يُكَلِّمُهُمُ اللّٰهُ" أي بما يسرهم، أو لا يكلمهم أصلا و تكون المحاسبة بكلام الملائكة استهانة لهم" وَ لٰا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ" أي لا يعطف عليهم و لا يرحمهم كما يقول القائل للغير: انظر إلى، يريد ارحمني" وَ لٰا يُزَكِّيهِمْ" أي لا يطهرهم، و قيل: لا ينزلهم منزلة الأزكياء، و قيل: لا يطهرهم من دنس الذنوب و الأوزار بالمغفرة بل يعاقبهم، و قيل: لا يحكم بأنهم أزكياء و لا يسميهم بذلك بل يحكم بأنهم كفرة فجرة" وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ" مؤلم موجع، انتهى. و قال البيضاوي: أي يستبدلون بما عاهدوا عليه من الإيمان بالرسول و الوفاء بالأمانات، و بإيمانهم و بما حلفوا به من قولهم و الله لنؤمنن به و لننصرنه" ثَمَناً قَلِيلًا" مَتٰاعُ الدُّنْيٰا" و لٰا يُكَلِّمُهُمُ اللّٰهُ" الظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم لقوله:" وَ لٰا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ" فإن من سخط على غيره و استهان به أعرض عنه و عن التكلم معه و الالتفات نحوه كما أن من اعتد بغيره يقاوله و يكثر النظر إليه" وَ لٰا يُزَكِّيهِمْ" و لا يثني عليهم، انتهى. و ظاهر الخبر أن ناقض العهد و اليمين لا يدخل الجنة أصلا، فيمكن حمله على الاستحلال أو على أنه لا يدخل الجنة ابتداء و حمله علي المشركين و الكافرين كما هو ظاهر المفسرين ينافي سياق الحديث، و يمكن حمله على أنهم لا يستحقون دخول الجنة و لا يلزم على الله ذلك لعدم الوعد إلا أن يدخلهم الجنة بفضله. " و أنزل بالمدينة" أي في سورة النور و هي مدنية:" الزّٰانِي لٰا يَنْكِحُ" قال في زٰانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ الزَّانِيَ مُؤْمِناً وَ لَا الزَّانِيَةَ مجمع البيان: اختلف في تفسيره على وجوه" أحدها" أن يكون المراد بالنكاح العقد و نزلت الآية على سبب و هو أن رجلا من المسلمين استأذن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في أن يتزوج أم مهزول و هي امرأة كانت تسافح و لها راية على بابها تعرف بها، فنزلت الآية عن ابن عباس و غيره، و المراد بالآية النهي و إن كان ظاهره الخبر" و ثانيها" أن النكاح هيهنا الجماع و المعنى أنهما اشتركا في الزنا فهي مثله، فيكون نظير قوله: " الْخَبِيثٰاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثٰاتِ" في أنه خرج مخرج الأغلب" و ثالثها" أن هذا الحكم كان في كل زان و زانية ثم نسخ بقوله:" وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ" الآية عن سعيد بن المسيب و جماعة" و رابعها" أن المراد به العقد و ذلك الحكم ثابت فيمن زنى بامرأة فإنه لا يجوز له أن يتزوج بها، روي ذلك عن جماعة من الصحابة. و إنما قرن الله سبحانه بين الزاني و المشرك تعظيما لأمر الزنا و تفخيما لشأنه، و لا يجوز أن يكون هذه الآية خبرا لأنا نجد الزاني يتزوج غير زانية، و لكن المراد هنا الحكم في كل زان أو النهي، سواء كان المراد بالنكاح الوطء أو العقد و حقيقة النكاح في اللغة الوطء. " وَ حُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" أي حرم نكاح الزانيات أو حرم الزنا على المؤمنين فلا يتزوج بهن و لا يطأهن إلا زان أو مشرك، انتهى. ثم المشهور بين الأصحاب كراهة نكاح المشهورات بالزنا، و ذهب الشيخان و جماعة إلى اشتراط التوبة في الحل سواء زنى بها من أراد نكاحها أو غيره للآية المتقدمة و بعض الأخبار، و أجيب عن الآية تارة بأن المراد بالنكاح الوطء، و أخرى بأنها منسوخة بقوله تعالى:" وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ" و بقوله:" فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ" أو قوله:" وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ" و في الأول أنه خلاف الظاهر، فإنه إن أريد الوطء لم يظهر للكلام فائدة ظاهرة، و في الثاني أنه خلاف الأصل مع أن الظاهر من طاب: حل، و من وراء ذلكم، سائر أصناف النساء، و لا ينافيه عروض الحرمة لعروض زناء و نحوه. و الظاهر أنه (عليه السلام) استدل بالآية على أن الله تعالى أخرج الزناة و الزواني في هذه الآية من عداد المؤمنين حيث قابل بين المؤمنين و بينهما، إذا الظاهر من سياق الآية أن المراد أنه لا يليق نكاح الزاني إلا بزانية أو مشركة، و لا نكاح الزانية إلا بزان أو مشرك، و أما المؤمن فإنه لا يليق به هذا الفعل و هو محرم عليه إما بمعناه أو بمعنى الكراهة الشديدة، أو بمعنى المحرومية كما في قوله سبحانه:" وَ حَرَّمْنٰا عَلَيْهِ الْمَرٰاضِعَ" فظهر أنه لم يسمها بالإيمان لما عرفت من المقابلة مع أنه جمع بينهما و بين المشرك ففيه أيضا إيماء بعدم إيمانهما. و هذا وجه حسن خطر بالبال للآية و الخبر معا فإن حمل الآية على وجه آخر لا يستقيم ظاهرا فإنه إذا حمل النكاح على الوطء فالكلام إما في قوة النهي أو الخبر، فعلى الأول المعنى النهي عن أن يطأ الزاني سوى الزانية و المشركة و جواز وطيه لهما، و فيه ما لا يخفى و كذا العكس، و على الثاني يكون كذبا إن أراد بالوطء غير الزنا أو الأعم، و إن أريد به الزنا كان الكلام خاليا عن الفائدة. و إذا حمل على العقد فلو كان في قوة النهي كان مفادها النهي عن أن ينكح الزاني سوى الزانية و المشركة و تجويز نكاحه إياهما و تجويز نكاح الزانية بالزاني و المشرك و لم يقل به أحد، و لو كان خبرا لزم الكذب، فلا بد من حمل الآية على ما ذكرنا فيتضح استدلاله (عليه السلام) غاية الوضوح. و يظهر منه عدم تمام الاستدلال بها على تحريم نكاحهما، نعم قوله سبحانه مُؤْمِنَةً وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)لَيْسَ يَمْتَرِي فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ " وَ حُرِّمَ ذٰلِكَ" فيه دلالة على التحريم إن لم نحمله على معنى الحرمان، و حمله على الكراهة الشديدة مع وجود المعارض غير بعيد مع أنه يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الزنا، و يكون الجملة حالية أو تعليلية. قوله: ليس يمتري، الامتراء الشك، و الجملة إلى قوله: أنه قال، معترضة، و ضمير" فيه" راجع إلى الرسول، و قوله: إنه قال، بدل اشتمال للضمير، و قوله: لا يزني مفعول قال أولا و الاعتراض لبيان أن الخبر معلوم متواتر بين الفريقين، و كان المراد بقوله: حين يزني و حين يسرق، حين يصير عليهما و لم يتب، و لا فساد في مفارقه الإيمان بالمعنى الذي ذكرناه، حيث اشتمل على فعل الفرائض و ترك الكبائر عنه، و بها يستحق العذاب في الجملة لا الخلود في النار، و من لم يقل بذلك أوله بتأويلات بعيدة. قال في النهاية: في الحديث: لا يزني الزاني و هو مؤمن، قيل: معناه النهي و إن كان في صورة الخبر، و الأصل حذف الياء من يزني، أي لا يزن المؤمن و لا يسرق و لا يشرب، فإن هذه الأفعال لا يليق بالمؤمن، و قيل: هو وعيد يقصد به الردع كقوله (عليه السلام): لا إيمان لمن لا أمانة له، و المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده، و قيل: معناه لا يزني و هو كامل الإيمان و قيل: معناه أن الهوى يغطي الإيمان فصاحب الهوى لا يرى إلا هواه و لا ينظر إلى إيمانه الناهي له عن ارتكاب الفاحشة، فكان الإيمان في تلك الحالة قد انعدم. و قال ابن عباس: الإيمان نزه فإذا أذنب العبد فارقه، و منه الحديث الآخر: إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فوق رأسه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الإيمان، و كل هذا محمول على المجاز و نفي الكمال دون الحقيقة في رفع الإيمان و إبطاله، انتهى. و قيل: أنه ليس بمؤمن إذا كان مستحلا، و قيل: ليس بمؤمن من العقاب و قيل: المقصود نفي المدح، أي لا يقال له مؤمن بل يقال: زان أو سارق، و قيل: أنه خُلِعَ عَنْهُ الْإِيمَانُ كَخَلْعِ الْقَمِيصِ وَ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمٰانِينَ جَلْدَةً وَ لٰا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً أَبَداً وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- فَبَرَّأَهُ اللَّهُ لنفي البصيرة، أي ليس هو ذا بصيرة، و قال ابن عباس: أي ليس ذا نور و قيل: أي ليس بمستحضر الإيمان، و قيل: أي ليس هو بعاقل لأن المعصية مع استحضار العقوبة مرجوحة و الحكم بالمرجوح بخلاف المعقول، و قيل: المقصود نفي الحياء، و الحياء شعبة من الإيمان أي ليس بمستحي من الله سبحانه. و لا يخفى ما في أكثر هذه الوجوه من البعد و الركاكة. " و أنزل بالمدينة" أي في سورة النور:" الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ" أي يقذفون العفائف من النساء بالزنا" ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ" أي بأربعة عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ما رموهن به من الزنا" فَاجْلِدُوهُمْ ثَمٰانِينَ جَلْدَةً" خبر الذين بتأويل" وَ لٰا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً" خبر ثان، و تنكير شهادة للعموم، أي في أمر من الأمور كان أبدا تأكيد للعموم أي ما لم يتب" وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ" أي هم في أعلى مراتب الفسق حتى كأنه لا فاسق غيرهم فقد عبر عنهم باسم الإشارة و عرف الخبر و أتى بضمير الفصل مبالغة في ادعاء حصر الفسق فيهم و قصره عليهم. قيل: و يمكن أن يكون حالا أو اعتراضا يجري مجرى التعليل لعدم قبول الشهادة" إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا" عن القذف و ندموا و رجعوا بالتدارك" مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ" أي من بعد إقامة الحد، و قيل: من بعد الرمي" وَ أَصْلَحُوا" سرائرهم و أعمالهم فاستقاموا على مقتضى التوبة، قالوا و منه الاستسلام للحد و الاستحلال من المقذوف و العزم على عدم العود إلى ذلك، و على ترك جميع المناهي على قول. و في المجمع: و من شرط توبة القاذف أن يكذب نفسه فيما قاله فإن لم يفعل ذلك لم يجز قبول شهادته" فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" علة للاستثناء. قوله (عليه السلام):" فَبَرَّأَهُ اللّٰهُ" الظاهر أنه (عليه السلام) استدل على عدم وصفهم بالإيمان مَا كَانَ مُقِيماً عَلَى الْفِرْيَةِ مِنْ أَنْ يُسَمَّى بِالْإِيمَانِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لٰا يَسْتَوُونَ- وَ جَعَلَهُ اللَّهُ مُنَافِقاً قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ وَ جَعَلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أَوْلِيَاءِ إِبْلِيسَ قَالَ إِلّٰا إِبْلِيسَ كٰانَ مِنَ الْجِنِّ بوصفهم بالفسق لأن في عرف القرآن لازم للكفر و لم يطلق فيه الفاسق إلا على الكافر كقوله تعالى:" أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً" فقابل بين الإيمان و الفسق، فدل على أن الفاسق ليس بمؤمن، و قال:" إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ" فخص الفاسق في المنافق فجعله الله منافقا" و جعله من أولياء إبليس" حيث أطلق الفسق عليهما، و أيضا إذا نظرت في الآيات الكريمة و سبرتها لم تر الفاسق أطلق فيها إلا على الكافر. قال الراغب: فسق فلان: خرج من حد الشرع، و ذلك من قولهم فسق الرطب إذا خرج عن قشره و هو أعم من الكافر، و الفسق يقع بالقليل من الذنوب و بالكثير لكن تعورف فيما كان كثيرا، و أكثر ما يقال لمن التزم حكم الشرع و أقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه، و إذا قيل للكافر الأصلي فاسق فلأنه أخل بحكم ما ألزمه العقل و اقتضاء الفطرة، قال عز و جل:" فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ"" فَفَسَقُوا فِيهٰا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ"" وَ أَكْثَرُهُمُ الْفٰاسِقُونَ"" وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ"" أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لٰا يَسْتَوُونَ" و قال:" وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ" و قال تعالى:" وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوٰاهُمُ النّٰارُ"" وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا يَمَسُّهُمُ الْعَذٰابُ بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ"" وَ اللّٰهُ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفٰاسِقِينَ"" إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ"" و كَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ" انتهى. فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وَ جَعَلَهُ مَلْعُوناً فَقَالَ- إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ الْغٰافِلٰاتِ الْمُؤْمِنٰاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ وَ لَيْسَتْ تَشْهَدُ الْجَوَارِحُ عَلَى مُؤْمِنٍ إِنَّمَا تَشْهَدُ عَلَى مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- فَأَمّٰا " و جعله" أي …
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابٌ [أن الإسلام قبل الإيمان