عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ بُرَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الزُّبَيْرِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قُلْتُ لَهُ إِنَّ لِلْإِيمَانِ دَرَجَاتٍ وَ مَنَازِلَ يَتَفَاضَلُ الْمُؤْمِنُونَ فِيهَا عِنْدَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ صِفْهُ لِي رَحِمَكَ اللَّهُ حَتَّى أَفْهَمَهُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ سَبَّقَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا يُسَبَّقُ بَيْنَ الْخَيْلِ يَوْمَ الرِّهَانِ ثُمَّ فَضَّلَهُمْ القلبي، و حصلت مرتبة أعلى تقتضي عملا أكثر، و هكذا و سيأتي مزيد تأييد لذلك في الأخبار إنشاء الله تعالى. باب السبق إلى الإيمان الحديث الأول: ضعيف، و تتمة من الحديث الكبير المذكور في الباب السابق. " درجات" أي ذو درجات أو نفسه باعتبار إضافة الدرجات و قيل: الدرجات مراتب الترقيات، و المنازل مراتب التنزلات، و يحتمل أن يكون المقصود منهما واحدا أطلق عليهما اللفظان باعتبارين" إن الله سبق" على بناء التفعيل المعلوم، و يسبق على بناء التفعيل المجهول، أي قرر السبق و قدره بينهم في الإيمان، و ندبهم إليه كما يسابق بين الخيل يوم الرهان، و الخيل جماعة الأفراس لا واحد له، و قيل: واحده خائل لأنه يختال و جمعه أخيال و خيول، و يطلق الخيل علي الفرسان، أيضا و المراهنة و الرهان بالكسر المسابقة على الخيل، و كأنه (عليه السلام) سبه مدة الحياة بالمضمار و الأرواح بالفرسان، و الأبدان بالخيول، و العلم الذي يسبق إليه منتهى مراتب الإيمان، و السبق الذي يراهن عليه الجنة، فمنهم من سبق الكل و بلغ الغاية و هو رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و منهم من تأخر عن الكل، و منهم من عَلَى دَرَجَاتِهِمْ فِي السَّبْقِ إِلَيْهِ فَجَعَلَ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ عَلَى دَرَجَةِ سَبْقِهِ لَا يَنْقُصُهُ فِيهَا مِنْ حَقِّهِ وَ لَا يَتَقَدَّمُ مَسْبُوقٌ سَابِقاً- وَ لَا مَفْضُولٌ فَاضِلًا تَفَاضَلَ بِذَلِكَ أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ أَوَاخِرُهَا وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّابِقِ إِلَى الْإِيمَانِ فَضْلٌ عَلَى الْمَسْبُوقِ إِذاً لَلَحِقَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا نَعَمْ وَ لَتَقَدَّمُوهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَنْ سَبَقَ إِلَى الْإِيمَانِ الْفَضْلُ عَلَى مَنْ أَبْطَأَ عَنْهُ بقي في وسط الميدان و منازلهم بحسب العقائد و الأعمال كما و كيفا لا يتناهى. قوله (عليه السلام): فجعل كل امرئ منهم، أي أعطاه ما يستحقه من الكرامة و الأجر و الذكر الجميل، قيل في الاقتصار بنفي النقص دون الزيادة إيماء إلى جوازها من باب التفضل و إن لم يستحق. " و لا يتقدم" أي في الفضل و الثواب" مسبوق" في الإيمان" سابقا" فيه و لا مفضول في الكمالات و الأعمال الصالحة سابقا فيهما" تفاضل" استئناف بياني" بذلك" أي بالسبق" أوائل هذه الأمة" أي من تقدم إيمانه من الصحابة" أواخرها" منهم أو الأعم من الصحابة و غيرهم أو الصحابة على التابعين، و التابعين على غيرهم، و ظاهره السبق الزماني إشعارا بأن الغاصبين للخلافة و إن فرض منهم تحقق إسلام و عمل صالح فلا يجوز تقديمهم على أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قد كان أولهم إيمانا و أسبقهم مع قطع النظر عن سائر الكمالات و الفضائل التي استحق بها التقديم. و يحتمل أن يكون المراد أعم من السبق الزماني و السبق بحسب الرتبة و كمال اليقين، فالأكثرية بحسب الكمية لا الكيفية فإنها تابعة للكمالات النفسانية و الحقائق الإيمانية التي هي من الأعمال القلبية لكنه بعيد عن السياق، و قوله: نعم تأكيد لقوله: للحق، و قوله و لتقدموهم عطف على قوله: نعم، أو على قوله: للحق، و قوله: إذا لم يكن إعادة للشرط السابق تأكيدا. أو المعنى أنه لو لم يكن للسبق الزماني مدخل في الفضل، للزم أن يجوز لحوق المتأخرين السابقين أو تقدمهم عليهم مع عدم تحقق فضل في أصل الإيمان و شرائطه وَ لَكِنْ بِدَرَجَاتِ الْإِيمَانِ قَدَّمَ اللَّهُ السَّابِقِينَ وَ بِالْإِبْطَاءِ عَنِ الْإِيمَانِ أَخَّرَ اللَّهُ الْمُقَصِّرِينَ لِأَنَّا نَجِدُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْآخِرِينَ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ عَمَلًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ أَكْثَرُهُمْ صَلَاةً وَ صَوْماً وَ حَجّاً وَ زَكَاةً وَ جِهَاداً وَ إِنْفَاقاً وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَوَابِقُ يَفْضُلُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ و مكملاته للسابقين على اللاحقين، فاللحوق في صورة المساواة، و التقدم في صورة زيادة إيمان اللاحقين على إيمان السابقين، و الحال أنه ليس كذلك فإن لهم بالتقدم الزماني فضلا عليهم، فالمراد بالفضل ما هو غير السبق الزماني، و قوله: و لكن إضراب عن قوله: نعم و لتقدموهم" إلخ". أو المراد بالدرجات ما هو باعتبار السبق الزماني من الأولين أو من بعضهم مقدمين على الأولين أي مطلقا، لكن ليس كذلك بل ربما كان بعض الأولين باعتبار السبق أفضل من كثير من الآخرين و إن كانوا أقل منهم عملا باعتبار تقدمهم و سبقهم و صعوبة الإيمان في ذلك الزمان، و بسبب أن لهم مدخلا عظيما في أيمان الآخرين. و الحاصل أن المسابقة تكون بحسب الرتبة و الزمان، فمن اجتمعا فيه كأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) فهو الكامل حق الكمال، و السابق على كل حال، و من انتفى عنه الأمران فهو الناقص المستحق للخذلان و الوبال، و أما إذا تعارض الأمران فظاهر الخبر أن السابق زمانا أفضل و أعلى درجة من الآخر، و قال بعض المحققين: الغرض من هذا الحديث أن يبين أن تفاضل درجات الإيمان بقدر السبق و المبادرة إلى إجابة الدعوة إلى الإيمان. و هذا يحتمل عدة معان: أحدها: أن يكون المراد بالسبق السبق في الذر و عند الميثاق كما مر أنه سئل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بأي شيء سبقت ولد آدم؟ قال: إنني أول من أقر بربي إن الله أخذ ميثاق النبيين و أشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى، فكنت أول من أجاب، و على هذا يكون المراد بأوائل هذه الأمة و أواخرها أوائلها و أواخرها في الإقرار و الإجابة هناك فالفضل للمتقدم في قوله بلى، و المبادرة إلى بَعْضاً عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ الْآخِرُونَ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ مُقَدَّمِينَ عَلَى الْأَوَّلِينَ وَ لَكِنْ أَبَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُدْرِكَ آخِرُ دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ أَوَّلَهَا وَ يُقَدَّمَ فِيهَا مَنْ أَخَّرَ اللَّهُ أَوْ يُؤَخَّرَ فِيهَا ذلك، ثم المتقدم و المبادرة. و المعنى الثاني أن يكون المراد بالسبق السبق في الشرف و الرتبة و العلم و الحكمة و زيادة العقل و البصيرة في الدين، و وفور سهام الإيمان الآتي ذكرها، و لا سيما اليقين كما يستفاد من الأخبار الآتية، و على هذا يكون المراد بأوائل هذه الأمة و أواخرها أوائلها و أواخرها في مراتب الشرف و العقل و العلم، فالفضل للأعقل و الأعلم و الأجمع للكمالات، و هذا المعنى يرجع إلى المعنى الأول لتلازمهما و وحدة ما لهما و اتحاد محصلهما، و الوجه في أن الفضل للسابق على هذين المعنيين ظاهر لا مرية فيه، و مما يدل على إرادة هذين المعنيين الذين مرجعهما إلى واحد، قوله (عليه السلام): و لو لم يكن سوابق يفضل بها المؤمنون إلى قوله: من قدم الله، و لا سيما قوله: أبي الله أن يدرك آخر درجات الإيمان أولها. و من تأمل في تتمة الحديث أيضا حق التأمل يظهر له أنه المراد إنشاء الله تعالى. و المعنى الثالث أن يكون المراد بالسبق الزماني في الدنيا عند دعوة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إياهم إلى الإيمان، و على هذا يكون المراد بأوائل هذه الأمة و أواخرها في الإجابة للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و قبول الإسلام و التسليم بالقلب و الانقياد للتكاليف الشرعية طوعا، و يعرف الحكم في سائر الأزمنة بالمقايسة. و سبب فضل السابق على هذا المعنى أن السبق في الإجابة للحق دليل على زيادة البصيرة و العقل و الشرف التي هي الفضيلة و الكمال. و المعنى الرابع أن يراد بالسبق السبق الزماني عند بلوغ الدعوة فيعم الأزمنة المتأخرة عن زمن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم). و هذا المعنى يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد بالأوائل و الأواخر ما ذكرناه أخيرا، و كذا السبب في الفضل، و الآخر: أن يكون المراد بالأوائل من مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَمَّا نَدَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ مِنَ الِاسْتِبَاقِ إِلَى الْإِيمَانِ فَقَالَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهٰا كَعَرْضِ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ وَ قَالَ السّٰابِقُونَ كان زمن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و بالأواخر من كان بعد ذلك، و يكون سبب فضل الأوائل صعوبة قبول الإسلام و ترك ما نشأوا عليه في تلك الزمن، و سهولته فيما بعد استقرار الأمر و ظهور الإسلام و انتشاره في البلاد، مع أن الأوائل سبب لاهتداء الأواخر إذ بهم و بنصرتهم استقر ما استقر و قوي ما قوي و بأن ما استبان و الله المستعان، انتهى. قوله: أخبرني عما ندب الله، لما دل كلامه (عليه السلام) سابقا على أنه تعالى طلب منهم الاستباق إلى الإيمان سأله الراوي عن الآيات الدالة عليه." سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ" كذا في سورة الحديد، و في سورة آل عمران:" وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ" و كان مقتضى الجمع بين الآيتين أن المراد بالمسارعة المسابقة، أي سارعوا مسابقين إلى سبب مغفرة من ربكم من الإيمان و الأعمال الصالحة" وَ جَنَّةٍ" أي إلى جنة" عَرْضُهٰا كَعَرْضِ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ" و في آل عمران" عَرْضُهَا السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ". قال المحقق الأردبيلي (قدس سره): كنى بالعرض عن مطلق المقدار و هو متعارف، و نقل على ذلك الإشعار في مجمع البيان، أو لأنه لما علم أن عرضه الذي هو أقل من الطول عرفا في غير المساوي علم أن طوله أيضا يكون إما أكثر أو مثله. و قال القاضي: ذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة على طريق التمثيل لأنه دون الطول، و عن ابن عباس كسبع سماوات و سبع أرضين لو وصل بعضها ببعض، و ظاهر الآية وجوب المسارعة أو رجحانها إلى الطاعة الموجبة للدخول في الجنة و أعظمها الإيمان بالله و كتبه و رسله و اليوم الآخر و الترقي إلى مقاماتها العالية. " أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ" ظاهر هذه الآية و غيرها من الآيات السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ وَ قَالَ وَ السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهٰاجِرِينَ وَ الْأَنْصٰارِ و الروايات أن الجنة مخلوقة الآن و كذا النار و قال به الأصحاب، و صرح به الشيخ المفيد في بعض رسائله و قال: إن الجنة مخلوقة مسكونة سكنتها الملائكة و ظاهر الآية أنها في السماء، و الظاهر أن المراد به أنه يكون بعضها في المساء و يكون البعض الآخر فوقها، أو يكون أبوابها فيها أو فوق الكل، و ما ذكره الحكماء غير مسموع شرعا و هو ظاهر كما قيل أن النار تحت الأرض فتكون الآية دليلا على بطلان ما قالوه، انتهى. و قال البيضاوي: فيه دلالة على أن الجنة مخلوقة و أنها خارجة عن هذا العالم، و ذهب جماعة من المعتزلة إلى أنهما غير مخلوقتين و أنهما تخلقان يوم القيامة. " و قال: أي في الواقعة" وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ" قال البيضاوي: أي الذين سبقوا إلى الإيمان و الطاعة بعد ظهور الحق من غير تلعثم و توان، أو سبقوا إلى حيازة الفضائل و الكمالات أو الأنبياء فإنهم مقدموا أهل الأديان هم الذين عرفت حالهم و عرفت ما لهم كقول أبي النجم:" و شعري شعري" أو الذين سبقوا إلى الجنة. " أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ"" فِي جَنّٰاتِ النَّعِيمِ" أي الذين قربت درجاتهم في الجنة و أعليت مراتبهم. " و قال" أي في التوبة" وَ السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ" في المجمع أي السابقون إلى الإيمان و إلى الطاعات، و إنما مدحهم بالسبق لأن السابق إلى الشيء يتبعه غيره فيكون متبوعا و غيره تابع له، فهو إمام فيه وداع له إلى الخير بسبقه إليه، و كذلك من سبق إلى الشر يكون أسوأ حالا لهذه العلة" مِنَ الْمُهٰاجِرِينَ" الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، و إلى الحبشة" وَ الْأَنْصٰارِ" أي و من الأنصار الذين سبقوا وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰانٍ رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ فَبَدَأَ بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ عَلَى دَرَجَةِ سَبْقِهِمْ ثُمَّ ثَنَّى بِالْأَنْصَارِ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ فَوَضَعَ كُلَّ قَوْمٍ عَلَى قَدْرِ دَرَجَاتِهِمْ وَ مَنَازِلِهِمْ عِنْدَهُ ثُمَّ ذَكَرَ مَا فَضَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ- تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنٰا بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّٰهُ نظراءهم من أهل المدينة إلى الإسلام، و قرأ يعقوب و الأنصار بالرفع فلم يجعلهم من السابقين، و جعل السبق للمهاجرين خاصة" وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰانٍ" أي بأفعال الخير و الدخول في الإسلام بعدهم و سلوك منهاجهم، و يدخل في ذلك من بعدهم إلى يوم القيامة" رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً ذٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" قال: و في هذه الآية دلالة على فضل السابقين و مزيتهم على غيرهم لما لحقهم من أنواع المشقة في نصرة الدين، فمنها مفارقة العشائر و الأقربين و منها مباينة المألوف من الدين و منها نصرة الإسلام مع قلة العدد و كثرة العدو، و منها السبق إلى الإيمان و الدعاء إليه، انتهى. و قال بعضهم: السابقون الأولون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين و شهدوا بدرا و أسلموا قبل الهجرة، و من الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى، و كانوا سبعة نفر، و أهل بيعة العقبة الثانية و كانوا سبعين، و قال بعض المخالفين: كلمة" من" للتبيين فيتناول المدح جميع الصحابة. قوله (عليه السلام):" ثم ذكر" كلمة ثم للتراخي بحسب المرتبة، إذ سورة البقرة نزلت قبل سورتي التوبة و الحديد" فقال الله عز و جل" أي في سورة البقرة" تِلْكَ الرُّسُلُ" قيل: إشارة إلى الجماعة المذكورة قصصها في السورة أو المعلومة للرسول أو جماعة الرسل و اللام للاستغراق. " فَضَّلْنٰا بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ" بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره" مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّٰهُ" تفصيل له و هو موسى، و قيل موسى و محمد صلى الله عليهما و آله، كلم موسى ليلة وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَ قَالَ وَ لَقَدْ فَضَّلْنٰا بَعْضَ الحيرة و في الطور، و محمدا ليلة المعراج، حين كان قاب قوسين أو أدنى و بينهما بون بعيد، و في المصاحف: و رفع بعضهم درجات، و ليس فيهما فوق بعض، فالزيادة إما من الرواة أو النساخ أو منه (عليه السلام) زاده للبيان و التفسير، و هذه الزيادة مذكورة في سورة الزخرف حيث قال:" نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ" فيحتمل أن يكون الزيادة للإشارة إلى الآيتين، قيل: و رفع بعضهم درجات بأن فضله على غيره من وجوه متعددة و بمراتب متباعدة و هو محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) فإنه خص بالدعوة العامة و الحجج المتكاثرة و المعجزات المستمرة و الآيات المترتبة المتعاقبة بتعاقب الدهر و الفضائل العلمية و العملية الفائتة للحصر و الإبهام لتفخيم شأنه كأنه العلم المتعين لهذا الوصف، المستغني عن التعيين، و قيل: إبراهيم خصصه بالخلة التي هي أعلى المراتب، و قيل: إدريس لقوله تعالى:" وَ رَفَعْنٰاهُ مَكٰاناً عَلِيًّا" و قيل: أولوا العزم من الرسل، و بعد ذلك" وَ آتَيْنٰا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنٰاتِ وَ أَيَّدْنٰاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنٰاتُ وَ لٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَفْعَلُ مٰا يُرِيدُ". " و قال" أي في سورة الأسرى:" وَ لَقَدْ فَضَّلْنٰا" إلخ. قال البيضاوي: أي بالفضائل النفسانية و التبري عن العلائق الجسمانية لا بكثرة الأموال و الأتباع حتى داود فإن شرفه بما أوحى إليه من الكتاب لا بما أوتي من الملك، و قيل: هو إشارة إلى تفضيل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لقوله:" آتَيْنٰا دٰاوُدَ زَبُوراً" تنبيه على وجه تفضيله و هو أنه خاتم الأنبياء و أمته خير الأمم المدلول عليه بما كتب في الزبور من أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. " و قال" أي في الأسرى أيضا قيل: هو عطف على ثم ذكر، لا على قوله: فقال، النَّبِيِّينَ عَلىٰ بَعْضٍ وَ قَالَ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنٰا بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجٰاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلًا وَ قَالَ هُمْ دَرَجٰاتٌ عِنْدَ اللّٰهِ وَ قَالَ وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَ قَالَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هٰاجَرُوا وَ جٰاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ لعدم اختصاص ما يذكر بعده بالأولياء بل هو في مطلق المؤمنين" كيف فضلنا" قيل: أي في الرزق، و في المجمع بأن جعلنا بعضهم أغنياء و بعضهم فقراء و بعضهم عبيدا و بعضهم أصحاء و بعضهم مرضى على حسب ما علمناه من المصالح" وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجٰاتٍ" أي درجاتها و مراتبها أعلى و أفضل، فينبغي أن يكون رغبتهم فيها و سعيهم لها أكثر. " و قال" أي في آل عمران" هُمْ دَرَجٰاتٌ عِنْدَ اللّٰهِ" قيل: شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب و العقاب، أو هم ذوو درجات فقال:" وَ اللّٰهُ بَصِيرٌ بِمٰا يَعْمَلُونَ". " و قال" أي في هود" وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ" أي في دينه" فَضْلَهُ" أي جزاء فضله في الدنيا و الآخرة، و يدل على عدم تفضيل المفضول. " و قال" أي في التوبة" وَ هٰاجَرُوا" أي إلى الرسول و فارقوا الأوطان و تركوا الأقارب و الجيران، و طلبوا مرضات الرحمن" وَ جٰاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِهِمْ" بصرفها" وَ أَنْفُسِهِمْ" ببذلها" أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللّٰهِ" أي أعلى رتبة و أكثر كرامة، ممن لم يستجمع هذه الصفات أو من أهل السقاية و العمارة عندكم، إذ قبلها" أَ جَعَلْتُمْ سِقٰايَةَ الْحٰاجِّ وَ عِمٰارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جٰاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ لٰا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّٰالِمِينَ". " و قال" أي في سورة النساء، و قبل الآية:" لٰا يَسْتَوِي الْقٰاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقٰاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلًّا دَرَجَةً عِنْدَ اللّٰهِ وَ قَالَ فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ عَلَى الْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجٰاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ قَالَ لٰا يَسْتَوِي مِنْكُمْ- مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قٰاتَلَ أُولٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قٰاتَلُوا وَ قَالَ- يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ وَ قَالَ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لٰا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لٰا نَصَبٌ وَ لٰا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ وَعَدَ اللّٰهُ الْحُسْنىٰ وَ فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ عَلَى الْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً" قال البيضاوي: نصب على المصدر لأن فضل بمعنى آجر، أو المفعول الثاني له لتضمنه معنى الإعطاء كأنه قال: و أعطاهم زيادة على القاعدين أجرا عظيما درجات منه و مغفرة و رحمة، كل واحد منها بدل من أجرا، و يجوز أن ينتصب درجات على المصدر كقولك ضربته أسواطا و أجرا على الحال عنها، تقدمت عليها لأنها نكرة" وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً" على المصدر بإضمار فعلهما، و تتمة الآية" وَ كٰانَ اللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً". " و قال" أي في سورة الحديد:" لٰا يَسْتَوِي مِنْكُمْ" قال البيضاوي: بيان لتفاوت المنفقين باختلاف أحوالهم من السبق و قوة اليقين و تحري الحاجات حثا على تحري الأفضل منها بعد الحث على الإنفاق، و ذكر القتال للاستطراد، و قسم من أنفق محذوف لوضوحه و دلالة ما بعده عليه، و الفتح فتح مكة إذ أعز الإسلام به و كثر أهله و قلت الحاجة إلى المقاتلة و الإنفاق. " مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قٰاتَلُوا" أي من بعد الفتح، و التتمة" وَ كُلًّا وَعَدَ اللّٰهُ الْحُسْنىٰ وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ". " و قال: أي في سورة المجادلة و الآية هكذا:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجٰالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللّٰهُ لَكُمْ وَ إِذٰا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللّٰهُ" و التفسح التوسع" وَ إِذٰا قِيلَ انْشُزُوا" أي أنهضوا للتوسعة أو لما أمرتم به كصلاة أو اللّٰهِ وَ لٰا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّٰارَ وَ لٰا يَنٰالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلّٰا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صٰالِحٌ وَ قَالَ وَ مٰا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّٰهِ وَ قَالَ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ فَهَذَا ذِكْرُ دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ جهاد أو ارتفعوا في المجلس" يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ" بالنصر و حسن الذكر في الدنيا و إيوائهم غرف الجنان في الآخرة" وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ" و يرفع العلماء منهم خاصة" دَرَجٰاتٍ" بما جمعوا من العلم، و قد مر تفسيرهم بالأئمة (عليهم السلام). " و قال" أي في سورة التوبة حيث قال:" مٰا كٰانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرٰابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّٰهِ، وَ لٰا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ" ذلك، قيل: إشارة إلى ما دل عليه قوله: ما كان، من النهي عن التخلف أو وجوب المتابعة لأنهم بسبب أنهم" لٰا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ" أي شيء من العطش" وَ لٰا نَصَبٌ" أي تعب" وَ لٰا مَخْمَصَةٌ" أي مجاعة" فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ لٰا يَطَؤُنَ" أي لا يدرسون" مَوْطِئاً" أي مكانا" يَغِيظُ الْكُفّٰارَ" أي يغضبهم وطيه" وَ لٰا يَنٰالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا" كالقتل و الأسر و النهب" إِلّٰا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صٰالِحٌ" أي إلا استوجبوا الثواب و ذلك مما يوجب المسابقة" إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ". " و قال" أي في المزمل:" وَ مٰا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّٰهِ" يمكن أن يكون عدم ذكر تتمة الكلام للاختصار، فإن التتمة" هُوَ خَيْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً" أي من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت، و خيرا ثاني مفعولي" تجدوه" و هو تأكيد أو فصل أو هو مبني على قراءة هو خير بالرفع كما قرأ في الشواذ، فالكلام إلى قوله: عند الله، تمام و قوله: هو، مبتدأ و خير خبره و هي جملة أخرى مؤكدة للأولى. " وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ" الذرة هي النملة الصغيرة، أو الهباء المنبث في الجو وَ مَنَازِلِهِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ السَّبْقِ إِلَى الْإِيمَانِ