الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ يَعْقُوبَ السَّرَّاجِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ " و الجنة حسرة أهل النار" في القيامة حيث لا تنفع الحسرة و الندامة، و تلك علاوة لعذابهم العظيم" و النار موعظة للمتقين" في الدنيا حيث ينفعهم فيتركون ما يوجبها و يأتون بما يوجب البعد عنها" و التقوى سنخ الإيمان" أي أصله و أساسه، في القاموس: السنخ بالكسر الأصل. باب صفة الإيمان الحديث الأول: صحيح و هو من تتمة الخبر السابق، و هو مروي في الكتب الثلاثة بتغيير نشير إلى بعضه. قال في النهج: سئل (عليه السلام) عن الإيمان؟ فقال: الإيمان على أربع دعائم، الدعامة بالكسر عماد البيت، و دعائم الإيمان ما يستقر عليه و يوجب ثباته و استمراره و قوته" على الصبر و اليقين و العدل و الجهاد" قال ابن ميثم: فاعلم أنه (عليه السلام) أراد الإيمان الكامل، و ذلك له أصل و له كمالات بها يتم أصله، فأصله هو التصديق بوجود الصانع، و ما له من صفات الكمال و نعوت الجلال، و بما تنزلت به كتبه و بلغته رسله، و كمالاته المتممة هي الأقوال المطابقة و مكارم الأخلاق و العبادات. ثم إن هذا الأصل و متمماته هو كمال النفس الإنسانية لأنها ذات قوتين علمية و عملية، و كمالها بكمال هاتين القوتين، فأصل الإيمان هو كمال القوة العلمية منها، و متمماته و هي مكارم الأخلاق و العبادات هي كمال القوة العملية. إذا عرفت هذا فنقول: لما كانت أصول الفضائل الخلقية التي هي كمال الإيمان جَعَلَ الْإِيمَانَ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى الصَّبْرِ وَ الْيَقِينِ وَ الْعَدْلِ وَ الْجِهَادِ فَالصَّبْرُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى الشَّوْقِ وَ الْإِشْفَاقِ وَ الزُّهْدِ وَ التَّرَقُّبِ فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا أربعا هي الحكمة و العفة و الشجاعة و العدل أشار إليها و استعار لها لفظ الدعائم باعتبار أن الإيمان الكامل لا يقوم في الوجود إلا بها، كدعائم البيت فعبر عن الحكمة باليقين، و الحكمة منها علمية و هي استكمال القوة النظرية بتصور الأمور و التصديق بالحقائق النظرية و العملية بقدر الطاقة البشرية، و لا تسمى حكمة حتى يصير هذا الكمال حاصلا لها باليقين و البرهان، و منها عملية و هي استكمال النفس بملكة العلم بوجوه الفضائل النفسانية الخلقية، و كيفية اكتسابها و وجوه الرذائل النفسانية و كيفية الاحتراز عنها و اجتنابها، و ظاهر أن العلم الذي صار ملكة هو اليقين و عبر عن العفة بالصبر. و العفة هي الإمساك عن الشره في فنون الشهوات المحسوسة و عدم الانقياد للشهوة و قهرها و تصريفها بحسب الرأي الصحيح، و مقتضى الحكمة المذكورة، و إنما عبر عنها بالصبر لأنها لازم من لوازمه، إذ رسمه أنه ضبط النفس و قهرها عن الانقياد لقبائح اللذات. و قيل: هو ضبط النفس عن أن يقهرها ألم مكروه ينزل بها، و يلزم في العقل احتماله أو يلزمها حب مشتهى يتشوق الإنسان إليه، و يلزمه في حكم العقل اجتنابه حتى لا يتناوله على غير وجهه، و ظاهر أن ذلك يلازم العفة و كذلك عبر عن الشجاعة بالجهاد لاستلزامه إياها إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه. و الشجاعة هي ملكة الإقدام الواجب على الأمور التي يحتاج الإنسان أن يعرض نفسه لاحتمال المكروه و الآلام الواصلة إليه منها، و أما العدل فهو ملكة فاضلة ينشأ عن الفضائل الثلاث المشهورة و تلزمها، إذ كل واحدة من هذه الفضائل محتوشة برذيلتين هما طرفا الإفراط و التفريط منها، و مقابلة برذيلة هي ضدها، انتهى. " فالصبر من ذلك" و في النهج منها" على أربع شعب" الشعبة من الشجرة عَنِ الشَّهَوَاتِ وَ مَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَ مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ بالضم الغصن المتفرع منها، و قيل: الشعبة ما بين الغصنين و القرنين، و الطائفة من الشيء و طرف الغصن، و المراد هنا فروع الصبر و أنواعه أو أسباب حصوله" على الشوق و الإشفاق" و في سائر الكتب و الشفق و الزهد، و في المجالس و الزهادة و الترقب، الشوق إلى الشيء نزوع النفس إليه و حركة الهوى، و الشفق بالتحريك: الحذر و الخوف كالأشفاق، و الزهد ضد الرغبة" و الترقب" الانتظار أي انتظار الموت و مداومة ذكره و عدم الغفلة عنه، و لما كان الصبر أنواع ثلاثة كما سيأتي في بابه الصبر عند البلية و الصبر على مشقة الطاعة، و الصبر على ترك الشهوات المحرمة، و كان ترك الشهوات قد يكون للشوق إلى اللذات الأخروية، و قد يكون للخوف من عقوباتها جعل بناء الصبر على أربع، على الشوق إلى الجنة، ثم بين ذلك بقوله: فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات أي نسيها و صبر على تركها، يقال: سلا عن الشيء أي نسيه، و سلوت عنه سلوا كقعدت قعودا أي صبرت، و على الإشفاق عن النار، و بينها بقوله: و من أشفق من النار رجع عن المحرمات، و في المجالس و التحف عن الحرمات، و في النهج اجتنب المحرمات، و يمكن أن تكون الشهوات المذكورة سابقا شاملة للمكروهات أيضا. و على الزهد و عدم الرغبة في الدنيا و ما فيها من الأموال و الأزواج و الأولاد و غيرها من ملاذها و مألوفاتها، و بينها بقوله: و من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، و في بعض النسخ و الكتابين: المصيبات. و في النهج: استهان بالمصيبات أي عدها سهلا هينا و استخف بها، لأن المصيبة حينئذ بفقد شيء من الأمور التي زهد عنها و لم يستقر في قلبه حبها و على ارتقاب الموت و كثرة تذكره و بينها بقوله: و من راقب الموت سارع إلى الخيرات، و في الكتابين و من ارتقب، و في النهج: في الخيرات. ثم إن تخصيص الشوق إلى الجنة و الإشفاق من النار بترك المشتهيات و المحرمات مع أنهما يصيران سببين لفعل الطاعات أيضا إما لشدة الاهتمام بترك المحرمات الْمُصِيبَاتُ وَ مَنْ رَاقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَ الْيَقِينُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ- تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ وَ تَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ وَ مَعْرِفَةِ الْعِبْرَةِ وَ سُنَّةِ الْأَوَّلِينَ فَمَنْ أَبْصَرَ الْفِطْنَةَ عَرَفَ الْحِكْمَةَ و كون الصبر عليها أشق و أفضل كما سيأتي في الخبر، أو لأن فعل الطاعات أيضا داخلة فيهما فإن المانع عن الطاعات غالبا الاشتغال بالشهوات النفسانية، فالسلو عنها يستلزم فعلها، بل لا يبعد أن يكون الغرض الأصلي من الفقرة الأولى ذلك بل يمكن إدخال فعل الواجبات في الفقرة الثانية، لأن ترك كل واجب محرم و يدخل ترك المكروهات و فعل المندوبات في الفقرة الأولى. " و اليقين على أربع شعب تبصرة الفطنة" و في النهج و التحف على تبصرة، و التبصرة مصدر باب التفعيل، و الفطنة الحذق و جودة الفهم، و قال ابن ميثم: هي سرعة هجوم النفس على حقائق ما تورده الحواس عليها و قال: تبصرة الفطنة أعمالها. أقول: يمكن أن تكون الإضافة إلى الفاعل، أي جعل الفطنة الإنسان بصيرا أو إلى المفعول أي جعل الإنسان الفطنة بصيرة، و يحتمل أن تكون التبصرة بمعنى الإبصار و الرؤية فرؤيتها كناية عن التوجه و التأمل فيها و في مقتضاها، فالإضافة إلى المفعول و حمله على الإضافة إلى الفاعل محوج إلى تكلف في قوله: فمن أبصر الفطنة. " و تأول الحكمة" التأول و التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء، و قيل: أول الكلام و تأوله أي دبره و قدره و فسره، و الحكمة العلم بالأشياء على ما هي عليه، فتأول الحكمة التأول الناشئ من العلم و المعرفة، و هو الاستدلال على الأشياء بالبراهين الحقة و قال ابن ميثم: هو تفسير الحكمة و اكتساب الحقائق ببراهينها، و استخراج وجوه الفضائل و مكارم الأخلاق من مظانها ككلام يؤثر أو غيره يعتبر، و قال الكيدري: تأول الحكمة هو العلم بمراد الحكماء فيما قالوا، و أولي الحكمة بأن يعلم قول الله و رسوله قال تعالى:" وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ". " و معرفة العبرة" و في سائر الكتب: و موعظة العبرة، و العبرة ما يتعظ به وَ مَنْ تَأَوَّلَ الْحِكْمَةَ عَرَفَ الْعِبْرَةَ وَ مَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ عَرَفَ السُّنَّةَ وَ مَنْ عَرَفَ السُّنَّةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ مَعَ الْأَوَّلِينَ وَ اهْتَدَى إِلَى الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَ نَظَرَ إِلَى مَنْ نَجَا بِمَا نَجَا وَ مَنْ الإنسان و يعتبره ليستدل به على غيره، و الموعظة تذكير ما يلين القلب، و موعظة العبرة أن تعظ العبرة الإنسان فيتعظ بها" و سنة الأولين" السنة السيرة محمودة كانت أو مذمومة، أي معرفة سنة الماضين و ما آل أمرهم إليه من سعادة أو شقاوة فيتبع أعمال السعداء و يجتنب قبائح الأشقياء. ثم بين (عليه السلام) فوائد هذه الشعب و كيفية ترتب اليقين عليها فقال: فمن أبصر الفطنة أي جعلها بصيرة أو نظر إليها و أعملها، كان من لم يعملها و لم يعمل بمقتضاها لم يبصرها، و في سائر الكتب تبصر في الفطنة و هو أظهر" عرف الحكمة" و في النهج تبينت له الحكمة، و في التحف تأول الحكمة، و في المجالس تبين الحكمة و الكل حسن، و قال الكيدري: تبصر أي نظر و تفكر، و صار ذا بصيرة و قال: الحكمة العلم الذي يدفع الإنسان عن فعل القبيح، مستعار من حكمة اللجام، و من تأول الحكمة و عرفها كما هي، عرف العبرة بأحوال السماء و الأرض و الدنيا و أهلها، فتحصل له الحكمة النظرية و العملية، و في النهج: و من تبينت له الحكمة، و في المجالس: و من تبين الحكمة. " و من عرف العبرة عرف السنة" أي سنة الأولين و سنة الله فيهم، فإنها من أعظم العبر" و من عرف السنة فكأنما كان مع الأولين" في حياتهم أو بعد موتهم أيضا فإن المعرفة الكاملة تفيد فائدة المعاينة لأهلها، و في التحف فكأنما عاش في الأولين و في النهج: و من عرف العبرة فكأنما كان في الأولين" و اهتدى" أي بذلك" إلى التي هِيَ أَقْوَمُ" أي الطريقة التي هي أقوم الطرائق. ثم بين (عليه السلام) كيفية العبرة فقال:" و نظر إلى من نجا" أي من الأولين" بما نجا" من متابعة الأنبياء و المرسلين و الأوصياء المرضيين و الاقتداء بهم علما هَلَكَ بِمَا هَلَكَ وَ إِنَّمَا أَهْلَكَ اللَّهُ مَنْ أَهْلَكَ بِمَعْصِيَتِهِ وَ أَنْجَى مَنْ أَنْجَى بِطَاعَتِهِ وَ الْعَدْلُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ غَامِضِ الْفَهْمِ وَ غَمْرِ الْعِلْمِ وَ زَهْرَةِ الْحُكْمِ وَ رَوْضَةِ الْحِلْمِ فَمَنْ فَهِمَ فَسَّرَ و عملا" و من هلك بما هلك" من مخالفة أئمة الدين و متابعة الأهواء المضلة و الشهوات المزلة، و ليست هذه الفقرات من قوله: و اهتدى إلى قوله: بطاعته، في سائر الكتب. " و العدل على أربع شعب" و في النهج و العدل منها، و كان المراد بالعدل هنا ترك الظلم و الحكم بالحق بين الناس و إنصاف الناس من نفسه، لا ما هو مصطلح الحكماء من التوسط في الأمور فإنه يرجع إلى سائر الأخلاق الحسنة" غامض الفهم" الغامض خلاف الواضح من الكلام، و نسبته إلى الفهم مجاز، و كان المعنى فهم الغوامض، أو هو من قولهم أغمض حد السيف أي رققه، و في النهج و التحف: غائص من الغوص و هو الدخول تحت الماء لإخراج اللؤلؤ و غيره، و قال الكيدري: هو من إضافة الصفة إلى الموصوف للتأكيد و الفهم الغائص ما يهجم على الشيء فيطلع على ما هو عليه كمن يغوص على الدر و اللؤلؤ." و غمر العلم" أي كثرته في القاموس: الغمر الماء الكثير و غمر الماء غمارة و غمورة كثر، و غمرة الماء غمرا و اغتمره غطاه، و في التحف و الخصال: و غمرة العلم، و في النهج و غور العلم و غور كل شيء قعره، و الغور الدخول في الشيء و تدقيق النظر في الأمر. " و زهرة الحكم" الزهرة بالفتح البهجة و النضارة و الحسن و البياض، و نور النبات، و الحكم بالضم القضاء و العلم و الفقه" و روضة الحلم" الإضافة فيها و في الفقرة السابقة من قبيل لجين الماء، و فيهما مكنية و تخييلية حيث شبه الحكم الواقعي بالزهرة لكونه معجبا، و مثمر الأنواع الثمرات الدنيوية و الأخروية، و الحلم بالروضة لكونه رائقا و نافعا في الدارين، و في النهج و رساخة الحلم يقال: رسخ كمنع رسوخا بالضم و رساخة بالفتح أي ثبت، و الحلم الأناة و التثبت، و قيل: هو الإمساك عن جَمِيعَ الْعِلْمِ وَ مَنْ عَلِمَ عَرَفَ شَرَائِعَ الْحُكْمِ وَ مَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَمْرِهِ وَ عَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً وَ الْجِهَادُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الصِّدْقِ المبادرة إلى قضاء وطر الغضب و رساخة الحلم قوته و كماله" فمن فهم فسر جميع العلم و من علم عرف شرائع الحكم" أي من فهم غوامض العلوم فسر ما اشتبه على الناس منها، و من كان كذلك عرف شرائع الحكم بين الناس فلا يشتبه عليه الأمر و لا يظلم و لا يجور، و بعده في المجالس: و من عرف شرائع الحكم لم يضل" و من حلم لم يفرط في أمره" و لم يغضب على الناس و تثبت في الأمر، و في النهج فمن فهم علم غور العلم و من علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم و من حلم" إلخ". و الصدور الرجوع عن الماء، و الشريعة مورد الناس للاستسقاء، و الصدور عن شرائع الحكم كناية عن الإصابة فيه و عدم الوقوع في الخطإ، و لم يفرط على بناء التفعيل أي لم يقصر فيما يتعلق به من أمور القضاء و الحكم، أو مطلقا، و في بعض نسخ النهج على بناء الأفعال، أي لم يجاوز الحد. " و عاش في الناس حميدا" و في التحف و عاش به و العيش الحياة و الحميد المحمود المرضي. " و الجهاد على أربع شعب" تلك الشعب إما أسباب الجهاد أو أنواعه الخفية ذكرها لئلا يتوهم أنه منحصر في الجهاد بالسيف مع أنه أحد أفراد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، بل الجهاد استفراغ الوسع في إعلاء كلمة الله و اتباع مرضاته، و ترويج شرائعه باليد و اللسان و القلب، قال الراغب: الجهاد و المجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدو، و الجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر و مجاهدة الشيطان و مجاهدة النفس، و تدخل ثلاثتها في قوله:" وَ جٰاهِدُوا فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ"" وَ جٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ"" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هٰاجَرُوا وَ جٰاهَدُوا فِي الْمَوَاطِنِ وَ شَنَآنِ الْفَاسِقِينَ فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظَهْرَ الْمُؤْمِنِ وَ مَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ" و قال (صلى الله عليه و آله و سلم): جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم، و المجاهدة تكون باليد و اللسان قال (عليه السلام): جاهدوا الكفار بأيديكم و ألسنتكم. " على الأمر بالمعروف" و هو الذي عرفه الشارع و عده حسنا، فإن كان واجبا فالأمر واجب، و إن كان مندوبا فالأمر مندوب" و النهي عن المنكر" أي ما أنكره الشارع و عده قبيحا و هما مشروطان بالعلم بكونه معروفا أو منكرا و تجويز التأثير و عدم المفسدة و هما يجبان باليد و اللسان و القلب. " و الصدق في المواطن" أي ترك الكذب على كل حال إلا مع خوف الضرر فيوري فلا يكون كذبا، و المواطن مواضع جهاد النفس، و جهاد العدو، و جهاد الفاسق بالأمر و النهي، و مواطن الرضا و السخط و الضر و النفع ما لم يصل إلى حد تجويز التقية، و أصل الصدق و الكذب أن يكونا في القول ثم في الخبر من أصناف الكلام كما قال تعالى:" وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّٰهِ قِيلًا"" وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّٰهِ حَدِيثاً" و قد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام كقول القائل: أ زيد في الدار؟ لتضمنه كونه جاهلا بحال زيد، و كما إذا قال: واسني لتضمنه أنه محتاج إلى المواساة و يستعملان في أفعال الجوارح فيقال: صدق في القتال إذا و في حقه، و صدق في الإيمان إذا فعل ما يقتضيه من الطاعة، فالصادق الكامل من يكون لسانه موافقا لضميره، و فعله مطابقا لقوله، و منه الصديق حيث يطلق على المعصوم، فيحتمل أن يكون الصدق هنا شاملا لجميع ذلك. " و شنآن الفاسقين" الشنآن بالتحريك و السكون و قد صح بهما في النهج أَرْغَمَ أَنْفَ الْمُنَافِقِ وَ أَمِنَ كَيْدَهُ وَ مَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى الَّذِي عَلَيْهِ وَ مَنْ شَنِئَ الْفَاسِقِينَ البغض، يقال: شنئه كسمعه و منعه شنأ مثلثة و شناءة و شنآنا و هذا أولى مراتب النهي عن المنكر، و قيل: هو مقتضى الإيمان و يجب على كل حال، و ليس داخلا في النهي عن المنكر. " شد ظهر المؤمن" و في النهج ظهور المؤمنين و شد الظهر كناية عن التقوية كما أن قصم الظهر كناية عن ضدها، و الأمر بالمعروف يقوى المؤمن لأنه يريد ترويج شرائع الإيمان و عسى أن لا يتمكن منه" أرغم أنف المنافقين" و في النهج أنوف المنافقين و إرغام الأنف كناية عن الإذلال، و أصله إلصاق الأنف بالرغام و هو التراب، و يطلق على الإكراه على الأمر و يقال: فعلته على رغم أنفه أي على كره منه، و الرغم مثلثة الكره، و المنكر مطلوب للمنافقين و الفساق الذين هم صنف منهم حقيقة، و النهي عن المنكر يرغم أنوفهم" و من صدق في المواطن قضى الذي عليه" و في سائر الكتب سوى الخصال: قضى ما عليه أي من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إذا لم يقدر على أكثر من ذلك أو من جميع التكاليف فإن الصدق في الإيمان و العقائد يقتضي العمل بجميع التكاليف فعلا و تركا أو لأنه يأتي بها لئلا يكون كاذبا إذا سئل عنها" و من شنئ الفاسقين" المضبوط في النهج بكسر النون، و فيه بعده: و غضب لله غضب الله له و أرضاه يوم القيامة، ثم ذكر دعائم الكفر كما سيأتي في أبواب الكفر، و الكليني فرق الخبر على الأبواب. و لنتمم كلام المحقق البحراني و إن لم يكن فيه كثير فائدة بعد ما ذكرنا، قال بعد ما مر: و أما شعب هذه الدعائم فاعلم أنه جعل لكل دعامة منها أربع شعب من الفضائل بل تتشعب منها، و تتفرع عليها فهي كالفروع لها و الأغصان. إما شعب الصبر الذي هو عبارة عن ملكة العفة فأحدها: الشوق إلى الجنة و محبة الخيرات الباقية، الثاني: الشفق و هو الخوف من النار و ما يؤدي إليها، الثالث: الزهد في الدنيا و هو الإعراض بالقلب عن متاعها و طيباتها، الرابع غَضِبَ لِلَّهِ وَ مَنْ غَضِبَ لِلَّهِ غَضِبَ اللَّهُ لَهُ فَذَلِكَ الْإِيمَانُ وَ دَعَائِمُهُ وَ شُعَبُهُ ترقب الموت، و هذه الأربع فضائل منبعثة عن ملكة العفة لأن كلا منها يستلزمها. و أما شعب اليقين فأحدها تبصرة الفطنة و أعمالها، الثاني: تأول الحكمة و هو تفسيرها، الثالث: موعظة العبرة، الرابع: أن يلحظ سنة الأولين حتى يصير كأنه فيهم، و هذه الأربع هي فضائل تحت الحكمة كالفروع لها و بعضها كالفروع للبعض. و أما شعب العدل فأحدها غوص الفهم أي الفهم الغائص، فأضاف الصفة إلى الموصوف و قدمها للاهتمام بها و رسم هذه الفضيلة أنها قوة إدراك المعنى المشار إليه بلفظ أو كتابة أو إشارة و نحوها، الثاني: غور العلم و أقصاه و هو العلم بالشيء كما هو بحقيقته و كنهه، الثالث: نور الحكم أي تكون الأحكام الصادرة عنه نيرة واضحة لا لبس فيها و لا شبهة، الرابع: ملكة الحلم و عبر عنها بالرسوخ لأن شأن الملكة ذلك، و الحلم هو الإمساك عن المبادرة إلى قضاء وطر الغضب فيمن يجني عليه جناية يصل مكروهها إليه. و اعلم أن فضيلتي جودة الفهم و غور العلم و إن كانتا داخلتين تحت الحكمة و كذلك فضيلة الحلم داخلة تحت ملكة الشجاعة إلا أن العدل لما كان فضيلة موجودة في الأصول الثلاثة كانت في الحقيقة هي و فروعها شعبا للعدل، بيانه أن الفضائل كلها ملكات متوسطة بين طرف إفراط و تفريط، و توسطها ذلك هو معنى كونها عدلا فهي بأسرها شعب له و جزئيات تحته. و أما شعب الشجاعة المعبر عنها بالجهاد فأحدها الأمر بالمعروف، و الثاني: النهي عن المنكر، و الثالث: الصدق في المواطن المكروهة، و وجود الشجاعة في هذه الشعب الثلاث ظاهر، و الرابع: شنآن الفاسقين، و ظاهر أن بغضهم مستلزم لعداوتهم في الله، و ثوران القوة الغضبية في سبيله لجهادهم و هو مستلزم للشجاعة. و أما ثمرات هذه الفضائل فأشار إليها للترغيب في مثمراتها، فثمرات شعب العفة أربع: أحدها: ثمرة الشوق إلى الجنة و هو السلو عن الشهوات، و ظاهر كونه ثمرة له إذ السالك إلى الله ما لم يشتق إلى ما وعد المتقون لم يكن له صارف عن الشهوات الحاضرة مع توفر الدواعي إليها، فلم يسل عنها، الثانية: ثمرة الخوف من النار و هو اجتناب المحرمات، الثالثة: ثمرة الزهد و هي الاستهانة بالمصيبات لأن غالبها و عامها إنما يلحق بسبب فقد المحبوب من الأمور الدنيوية فمن أعرض عنها بقلبه كانت المصيبة بها هينة عنده، الرابعة: ثمرة ترقب الموت و هي المسارعة في الخيرات و العمل له و لما بعده. و أما ثمرات اليقين فإن بعض شعبة ثمرة لبعض فإن تبين الحكمة و تعلمها ثمرات لإعمال الفطنة و الفكرة و معرفة العبر و مواقع الاعتبار بالماضين، و الاستدلال بذلك على صانع حكيم ثمرة لتبيين وجوه الحكمة و كيفية الاعتبار. و أما ثمرات العدل فبعضها كذلك أيضا و ذلك أن جودة الفهم و غوصة مستلزم للوقوف على غور العلم و غامضة، و الوقوف على غامض العلم مستلزم للوقوف على شرائع الحكم العادل، و الصدور عنها بين الخلق من القضاء الحق. و أما ثمرة الحلم فعدم وقوع الحليم في طرف التفريط و التقصير عن هذه الفضيلة و هي رذيلة الجبن، و أن يعيش في الناس محمودا بفضيلته. و أما ثمرات الجهاد فأحدها ثمرة الأمر بالمعروف و هو شد ظهور المؤمنين و معاونتهم على إقامة الفضيلة، الثانية: ثمرة النهي عن المنكر و هي إرغام أنوف المنافقين و إذلالهم بالقهر عن ارتكاب المنكرات، و إظهار الرذيلة، الثالثة: ثمرة الصدق في المواطن المكروهة و هي قضاء الواجب من أمر الله تعالى في دفع أعدائه و الذب عن الحريم، و الرابعة: ثمرة بغض الفاسقين و الغضب لله و هي غضب الله لمن أبغضهم و إرضاؤه يوم القيامة في دار كرامته.

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ صِفَةِ الْإِيمَانِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.