مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْوَابِشِيِّ وَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِهْزَمٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ و بعضهم يجعلها خبرا عن مصدر مسبوك من الفعل، أي بين أوقات سفره لقاء الركب، و الركب جمع راكب كصحب و صاحب. " فقال ما أنتم" أي أي صنف أنتم من الناس؟ قيل: كما أن ما تكون سؤالا عن حقيقة الشيء يكون سؤالا عن خواصه و آثاره المترتبة عليه، و هو المراد هنا فلذلك أجابوا بها" فقالوا نحن مؤمنون" انتهى. و قال الراغب في معاني" ما" الثالث: الاستفهام، و يسأل به عن جنس ذات الشيء و نوعه، و عن جنس صفات الشيء و نوعها، و قد يسأل به عن الأشخاص و الأعيان في غير الناطقين، انتهى. " فما حقيقة إيمانكم" لما كانت للإيمان حقائق مختلفة و درجات متفاوتة سألهم (صلى الله عليه و آله و سلم) عن حقيقة الإيمان الذي يدعونه فأجابوا بلوازمه و آثاره ليظهر حقيقة ما ادعوه، أو المراد بالحقيقة ما يحقه و يثبته أي الإيمان أمر قلبي إنما يثبت بآثاره، فما ظهر من آثار إيمانكم ليدل على ثبوته في قلوبكم، و المعنى الأول أنسب بما مر من مضمون هذا الخبر، حيث قال: و ما بلغ من إيمانكم، فإن الظاهر اتحاد الواقعة، و التفويض إلى الله هنا التوكل عليه في جميع الأمور. الحديث الثاني: موثق. قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَنَظَرَ إِلَى شَابٍّ فِي الْمَسْجِدِ وَ هُوَ يَخْفِقُ وَ يَهْوِي بِرَأْسِهِ مُصْفَرّاً لَوْنُهُ قَدْ نَحِفَ جِسْمُهُ وَ غَارَتْ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلَانُ قَالَ أَصْبَحْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُوقِناً فَعَجِبَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مِنْ قَوْلِهِ وَ قَالَ إِنَّ لِكُلِّ يَقِينٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ يَقِينِكَ فَقَالَ إِنَّ يَقِينِي يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي أَحْزَنَنِي وَ أَسْهَرَ لَيْلِي وَ أَظْمَأَ " فنظر إلى شاب" كأنه الحارثة الآتي في الخبر الثاني" و هو يخفق و يهوي برأسه" للنعاس بكثرة العبادة في الليل في القاموس: خفقت الراية ينخفق و تخفق و خفقا و خفقانا محركة اضطربت و تحركت، و فلان حرك رأسه إذا نعس كأخفق و قال: هوى هويا سقط من علو إلى سفل، انتهى. فقوله: و يهوي برأسه كالتفسير لقوله: يخفق، أو مبالغة في الخفق إذ يكفي فيه الحركة القليلة و نحف كتعب و قرب نحافة: هزل" كيف أصبحت" أي على أي حال دخلت في الصباح، أو كيف صرت" فعجب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)" كتعب أي تعجب منه لندرة مثل ذلك، أو أعجبه و سر به قال الراغب: العجب و التعجب حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء و لهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه و لهذا قيل: لا يصح على الله التعجب إذ هو علام الغيوب، و يقال: لما لا يعهد مثله عجب، قال تعالى:" أَ كٰانَ لِلنّٰاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنٰا"" كٰانُوا مِنْ آيٰاتِنٰا عَجَباً"" إِنّٰا سَمِعْنٰا قُرْآناً عَجَباً" أي لم نعهد مثله و لم نعرف سببه، و يستعار تارة للمؤنق فيقال أعجبني كذا أي راقني، و قال تعالى:" وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ". " إن لكل يقين" أي فرد من أفراده أو صنف من أصنافه" حقيقة فما حقيقة يقينك" من أي نوع أو صنف، أو لكل يقين علامة تدل عليه فما علامة يقينك كما مر" هو الذي أحزنني" أي في أمر الآخرة" و أسهر ليلي" لحزن الآخرة أو هَوَاجِرِي فَعَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي وَ قَدْ نُصِبَ لِلْحِسَابِ وَ حُشِرَ الْخَلَائِقُ لِذَلِكَ وَ أَنَا فِيهِمْ وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِي الْجَنَّةِ وَ يَتَعَارَفُونَ وَ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ وَ هُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ مُصْطَرِخُونَ وَ كَأَنِّي الْآنَ أَسْمَعُ زَفِيرَ النَّارِ يَدُورُ فِي مَسَامِعِي فَقَالَ رَسُولُ للاستعداد لها، أو لحب عبادة الله و مناجاته: عجبا للمحب كيف ينام، و الإسناد مجازي أي أسهرني في ليلي و كذا في قوله:" و أظمأ هواجري" مجاز عقلي أي أظمأني عند الهاجرة و شدة الحر للصوم في الصيف، و إنما خصه لأنه أشق و أفضل، في القاموس: الهاجرة نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو من عند زوالها إلى العصر لأن الناس يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، و شدة الحر. و قال: عزفت نفسي عنه تعزف عزوفا زهدت فيه و انصرفت عنه، أو ملته. " حتى كأني أنظر" أي شدة اليقين بأحوال الآخرة صيرني إلى حالة المشاهدة، و الاصطراخ الاستغاثة و زفير النار صوت توقدها، في القاموس: زفر يزفر زفرا و زفيرا أخرج نفسه بعد مده إياه، و النار سمع لتوقدها صوت. و قال: المسمع كمنبر الأذن كالسامعة و الجمع مسامع، انتهى. و قيل: المسامع جمع على غير قياس كمشابه و ملامح جمع شبه و لمحة، و قال بعض المحققين: هذا التنوير الذي أشير به في الحديث إنما يحصل بزيادة الإيمان و شدة اليقين فإنهما ينتهيان بصاحبهما إلى أن يطلع على حقائق الأشياء، محسوساتها و معقولاتها فتنكشف له حجبها و أستارها، فيعرفها بعين اليقين على ما هي عليه من غير وصمة ريب أو شائبة شك فيطمئن لها قلبه و يستريح بها روحه، و هذه هي الحكمة الحقيقة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا. و إليه أشار أمير المؤمنين بقوله: هجم بهم العلم على حقائق الأمور، و باشروا رواح اليقين، و استلانوا ما استوعره المترفون، و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون، اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)لِأَصْحَابِهِ هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ قَالَ لَهُ الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَقَالَ الشَّابُّ ادْعُ اللَّهَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَ كَانَ هُوَ الْعَاشِرَ
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَ الْيَقِينِ