عَنْهُ عَنْ مُعَلًّى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي وَلَّادٍ الْحَنَّاطِ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ مِنْ صِحَّةِ يَقِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ بنورها و انتفع بذلك الأثر. و نظير هذه المرتبة في معرفة الله سبحانه معرفة المؤمنين الخلص الذين اطمأنت قلوبهم بالله و تيقنوا أن الله نور السماوات و الأرض كما وصف به نفسه، و أعلى منها مرتبة من احترق بالنار بكليته و تلاشى فيها بجملته، و نظير هذه المرتبة في معرفة الله تعالى معرفة أهل الشهود و الفناء في الله و هو الدرجة العليا و المرتبة القصوى رزقنا الله الوصول إليها و الوقوف عليها بمنه و كرمه، انتهى. و المراد بالحد هنا إما علامته أو تعريفه أو نهايته، فعلى الأول المعنى أن علامة التوكل اليقين، و على الثاني تعريف له بلازمه، و على الثالث المعنى أن التوكل ينتهي إلى اليقين فإنه إذا تمرن على التوكل و عرف آثاره حصل له اليقين بأن الله مدبر أمره و أنه الضار النافع، و كذا الفقرة الثانية تحتمل الوجوه المذكورة و عدم الخوف من غيره سبحانه لا ينافي التقية و عدم إلقاء النفس إلى التهلكة إطاعة لأمره تعالى فإن صاحب اليقين يفعلهما خوفا منه تعالى كما أن التوكل لا ينافي التوسل بالوسائل و الأسباب تعبدوا مع كون الاعتماد على الله تعالى في جميع الأمور. الحديث الثاني: له سندان أولهما ضعيف على المشهور كالصحيح عندي، و ثانيهما صحيح، فهما في غاية الصحة و القوة. " من صحة يقين المرء المسلم" أي من علامات كون يقينه بالله و بكونه مالكا لنفعه و ضره و قاسما لرزقه على ما علم صلاح دنياه و آخرته فيه، و أن الله مقلب أَنْ لَا يُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ وَ لَا يَلُومَهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَ لَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ وَ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَفِرُّ مِنَ القلوب و هي بيده يصرفها كيف يشاء و أن الآخرة الباقية خير من الدنيا الفانية صحيحا غير معلول و لا مشوب بشك و شبهة و أنه واقع ليس محض الدعوى. " أن لا يرضى الناس بسخط الله" بأن يوافقهم في معاصيه تعالى طلبا لما عندهم من الزخارف الدنيوية أو المناصب الباطلة، و يفتيهم بما يوافق رضاهم من غير خوف أو تقية، و لا يأمرهم بالمعروف و لا ينهاهم عن المنكر من غير خوف ضرر أو عدم تجويز تأثير، بل لمحض رعاية رضاهم و طلب التقرب عندهم، أو يأتي أبواب الظالمين و يتذلل عندهم لا لتقية تجوزه و لا لمصلحة جلب نفع لمؤمن أو لدفع ضرر عنه، بل لطلب ما في أيديهم لسوء يقينه بالله و برازقيته، مع أنه يترتب عليه خلاف ما أمله، كما روي: من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه و أسخط عليه الناس. قوله (عليه السلام): و لا يلومهم على ما لم يؤته الله، أي لا يذمهم و لا يشكرهم على ترك صلتهم إياه بالمال و غيره فإنه يعلم صاحب اليقين أن ذلك شيء لم يقدره الله له و لا يرزقه إياه لعدم كون صلاحه فيه مطلقا أو في كونه بيد هذا الرجل و بتوسطه بل يوصله إليه من حيث لا يحتسب فلا يلوم أحدا بذلك لأنه ينظر إلى مسبب الأسباب و لا ينظر إليها و لا يعترض على الله فيما فعل به. و هذا اللوم يتضمن نوعا من الشرك حيث جعلهم الرازق و المعطي مع الله و سخطا لقضاء الله و الموقن بريء منهما، فضمير يؤته راجع إلى المرء المسلم، و عائد" ما" محذوف بتقدير إياه. و قيل: يحتمل أن يكون المراد أنه لا يلومهم على ما لم يؤته الله إياهم فإن الله خلق كل أحد على ما هو عليه و كل ميسر لما خلق له فيكون كقوله (عليه السلام) لو علم الناس كيف خلق الله هذا الخلق لم يلم أحد أحدا. الْمَوْتِ لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ بِعَدْلِهِ وَ قِسْطِهِ جَعَلَ و لا يخفى بعده لا سيما بالنظر إلى التعليل بقوله فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص أي الرزق الذي قدره الله للإنسان لا يحتاج في وصوله إلى حرص بل يأتيه بأدنى سعي أمر الله به" و لا يرده" هذا الرزق" كراهة كاره" لرزق نفسه لقلته أو للزهد، أو كاره لرزق غيره حسدا، و يؤكد الأول: و لو أن أحدكم" إلخ" و هذا يدل على أن الرزق مقدر من الله تعالى و يصل إلى العبد البتة. و فيه مقامان: الأول: أن الرزق هل يشمل الحرام أم لا؟ فالمشهور بين الإمامية و المعتزلة الثاني، و بين الأشاعرة الأول قال الرازي في تفسير قوله تعالى: " وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ" الرزق في كلام العرب الحظ و قال بعضهم: كل شيء يؤكل أو يستعمل، و قال آخرون: الرزق هو ما يملك، و أما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه فقال أبو الحسن البصري: الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء و الحظر غير أن يمنعه من الانتفاع به فإذا قلنا رزقنا الله الأموال فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها و المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا: الحرام لا يكون رزقا و قال أصحابنا: الحرام قد يكون رزقا. حجة الأصحاب من وجهين: الأول: أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ و النصيب على ما بيناه فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظا و نصيبا له، فوجب أن يكون رزقا له، الثاني: أنه تعالى قال:" وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلّٰا عَلَى اللّٰهِ رِزْقُهٰا" و قد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة فوجب أن يقال: أنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئا. و أما المعتزلة فقد احتجوا بالكتاب و السنة، و المعنى، أما الكتاب فوجوه الرَّوْحَ وَ الرَّاحَةَ فِي الْيَقِينِ وَ الرِّضَا وَ جَعَلَ الْهَمَّ وَ الْحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَ السَّخَطِ أحدها: قوله تعالى:" وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ" مدحهم على الإنفاق مما رزقهم الله تعالى فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام و ذلك باطل بالاتفاق، و ثانيها. لو كان الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب منه لقوله تعالى: " وَ أَنْفِقُوا مِنْ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ" و أجمع المسلمون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق منه بل يجب عليه رده، فدل على أن الحرام لا يكون رزقا، و ثالثها: قوله تعالى: " قُلْ أَ رَأَيْتُمْ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرٰاماً وَ حَلٰالًا قُلْ آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ" فبين أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله، فثبت أن الحرام لا يكون رزقا. و أما السنة فما رواه أبو الحسين في كتاب الغرر بإسناده عن صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إذ جاء عمرو بن مرة فقال: يا رسول الله إن الله كتب على الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء من غير فاحشة؟ فقال (عليه السلام): لا آذن لك و لا كرامة و لا نعمة، كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله، أما إنك لو قلت بعد هذه النوبة شيئا ضربتك ضربا وجيعا. و أما المعنى فهو أن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع به و أمر غيره بمنعه من الانتفاع به، و من منع من أخذ شيء و الانتفاع به لا يقال أنه رزقه إياه، أ لا ترى أنه لا يقال: أن السلطان رزق جنده مالا و قد منعهم من أخذه. الثاني: أن الرزق هل يجب على الله إيصاله من غير سعي و كسب، أم لا بد من الكسب و السعي فيه؟ ظاهر هذا الخبر و غيره الأول، و قد روي في النهج عن أمير المؤمنين
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ فَضْلِ الْيَقِينِ