عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَمْزَةَ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)إِنَّ مِنَ الْعِبَادَةِ شِدَّةَ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ اللَّهُ- إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ وَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ- فَلٰا تَخْشَوُا و الحاصل أن الأحاديث الواردة في سعة عفو الله سبحانه و جزيل رحمته و وفور مغفرته كثيرة جدا، و لكن لا بد لمن يرجوها و يتوقعها من العمل الخالص المعد لحصولها، و ترك الانهماك في المعاصي، المفوت لهذا الاستعداد كما عرفت في التمثيل بالباذرين سابقا، فاحذر أن يغرك الشيطان و يثبطك عن العمل و يقنعك بمحض الرجاء و الأمل، و انظر إلى حال الأنبياء و الأولياء و اجتهادهم في الطاعات و صرفهم العمر في العبادات ليلا و نهارا، أما كانوا يرجون عفو الله و رحمته! بلى و الله إنهم كانوا أعلم بسعة رحمته و أرجى لها منك و من كل أحد، و لكن علموا أن رجاء الرحمة من دون العمل غرور محض و سفه بحث فصرفوا في العبادات أعمارهم، و قصروا على الطاعات ليلهم و نهارهم. الحديث السابع: كالسابق. " إن من العبادة" أي من أعظم أسبابها أو هي بنفسها عبادة أمر الله بها كما سيأتي، و الخوف مبدؤه تصور عظمة الخالق و وعيده و أهوال الآخرة، و التصديق بها و بحسب قوة ذلك التصور و هذا التصديق يكون قوة الخوف و شدته و هي مطلوبة ما لم تبلغ حد القنوط. " إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ" و هم الذين علموا عظمة الله و جلاله و عزه و قهره وجوده و فضله علما يقينيا يورث العمل و معاينة أحوال الآخرة و أهوالها كما مر. و قال المحقق الطوسي (ره) في أوصاف الأشراف ما حاصله: أن الخوف النّٰاسَ وَ اخْشَوْنِ وَ قَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ مَنْ يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً قَالَ وَ قَالَ و الخشية و إن كانا بمعنى واحد في اللغة إلا أن بينهما فرقا بين أرباب القلوب، و هو أن الخوف تألم النفس من المكروه المنتظر، و العقاب المتوقع بسبب احتمال فعل المنهيات و ترك الطاعات، و هو يحصل لأكثر الخلق و إن كانت مراتبه متفاوتة جدا و المرتبة العليا منه لا تحصل إلا للقليل، و الخشية حالة نفسانية تنشأ عن الشعور بعظمة الرب و هيبته، و خوف الحجب عنه، و هذه الحالة لا تحصل إلا لمن اطلع على جلال الكبرياء و ذاق لذة القرب، و لذلك قال سبحانه:" إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ" و الخشية خوف خاص و قد يطلقون عليها الخوف أيضا، انتهى. " وَ مَنْ يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً" التقوى على مراتب: أولها: التبري عن الشرك و ما يوجب الخلود في النار، و ثانيها: التجنب عما يؤثم و الاتقاء عن العذاب مطلقا، و ثالثها: التنزه عما يشغل القلب عن الحق، و بناء الكل على الخوف من العقوبة، و البعد عن الحق. و لعل المراد هنا إحدى الأخيرتين، أي و من يتق الله خوفا منه يجعل له مخرجا من شدائد الدنيا و الآخرة، كما روي عن ابن عباس أو من ضيق المعاش كما يشعر به قوله تعالى:" وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَحْتَسِبُ" قيل: و كان السر في الأول أن شدائد الدارين من الحرص على الدنيا و اقتراف الذنوب و الغفلة عن الحق و المتقي منزه عن جميع ذلك، و في الثاني أن فيضه تعالى وجوده عام لا بخل فيه، و إنما المانع من قبول فيضه هو بعد العبد عنه، و عدم استعداده له بالذنوب، فإذا اتقى منها قرب منه تعالى، و استحق قبول فيضه بلا تعب و لا كلفة، فيجمع بذلك خير الدنيا و الآخرة. أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)إِنَّ حُبَّ الشَّرَفِ وَ الذِّكْرِ لَا يَكُونَانِ فِي قَلْبِ الْخَائِفِ الرَّاهِبِ
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْخَوْفِ وَ الرَّجَاءِ