الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ٢

عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ وَ نِيَّةُ الْكَافِرِ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ وَ كُلُّ إنما تنبعث إلى الفعل أو تقصده و تميل إليه تحصيلا للغرض الملائم لها بحسب ما يغلب عليها من الصفات. فإذا غلب على قلب المدرس مثلا حب الشهرة و إظهار الفضيلة و إقبال الطلبة إليه فلا يتمكن من التدريس بنية القربة إلى الله سبحانه. بنشر العلم و إرشاد الجاهلين بل لا يكون تدريسه إلا لتحصيل تلك المقاصد الواهية و الأغراض الفاسدة و إن قال بلسانه أدرس قربة إلى الله و تصور ذلك بقلبه و أثبته في ضميره، و ما دام لم يقلع تلك الصفات الذميمة عن قلبه لا عبرة بنيته أصلا. و كذلك إذا كان قلبك عند نية الصلاة منهمكا في أمور الدنيا و التهالك عليها و الانبعاث في طلبها فلا يتيسر لك توجيهه بكليته، و تحصيل الميل الصادق إليها و الإقبال الحقيقي عليها، بل لا يكون دخولك فيها دخول متكلف لها متبرم بها و يكون قولك أصلي قربة إلى الله كقول الشبعان أشتهي الطعام، و قول الفارغ: أعشق فلانا مثلا. و الحاصل أنه لا يحصل لك النية الكاملة المعتد بها في العبادات من دون ذلك الميل و الإقبال، و قمع ما يضاده من الصوارف و الأشغال، و هو لا يتيسر إلا إذا صرفت قلبك عن الأمور الدنيوية و طهرت نفسك عن الصفات الذميمة الدنية و قطعت نظرك عن حظوظك العاجلة بالكلية. و أقول: أمر النية قد اشتبه على كثير من علمائنا (رضوان الله عليهم) لاشتباهه على المخالفين و لم يحققوا ذلك على الحق و اليقين، و قد حقق شيخنا البهائي (قدس سره) شيئا من ذلك في شرح الأربعين، و حققنا كثيرا من غوامض إسرارها في كتاب عين الحياة و رسالة العقائد فمن أراد تحقيق ذلك فليرجع إليهما. الحديث الثاني: ضعيف على المشهور. " نية المؤمن خير من عمله، و نية الكافر شر من عمله" هذا الحديث من الأخبار عَامِلٍ يَعْمَلُ عَلَى نِيَّتِهِ المشهورة بين الخاصة و العامة و قد قيل فيه وجوه: الأول: أن المراد بنية المؤمن اعتقاده الحق و لا ريب أنه خير من أعماله إذ ثمرته الخلود في الجنة و عدمه يوجب الخلود في النار بخلاف العمل. الثاني: أن المراد أن النية بدون العمل خير من العمل بدون النية، و رد بأن العمل بدون نية لا خير فيه أصلا، و حقيقة التفضيل تقتضي المشاركة و لو في الجملة. الثالث: ما نقل عن ابن دريد و هو أن المؤمن ينوي خيرات كثيرة لا يساعده الزمان على عملها فكان الثواب المترتب على نياته أكثر من الثواب المترتب على أعماله. الرابع: ما ذكره بعض المحققين و هو أن المؤمن ينوي أن يوقع عباداته على أحسن الوجوه لأن إيمانه يقتضي ذلك ثم إذا كان يشتغل بها لا يتيسر له ذلك، و لا يتأتى كما يريد فلا يأتي بها كما ينبغي، فالذي ينوي دائما خير من الذي يعمل في كل عبادة، و هذا قريب من المعنى الأول و يمكن الجمع بينهما و يؤيدهما الخبر الثالث و الخامس، و ما رواه الصدوق في علل الشرائع بإسناده عن أبي جعفر أنه كان يقول نية المؤمن خير من عمله و ذلك لأنه ينوي من الخير ما لا يدركه، و نية الكافر شر من عمله و ذلك لأن الكافر ينوي الشر و يأمل من الشر ما لا يدركه، و نية الكافر شر من عمله و ذلك لأن الكافر ينوي الشر و يأمل من الشر ما لا يدركه، و بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال له زيد الشحام: إني سمعتك تقول: نية المؤمن خير من عمله فكيف تكون النية خيرا من العمل؟ قال: لأن العمل إنما كان رياء للمخلوقين و النية خالصة لرب العالمين، فيعطي عز و جل على النية ما لا يعطي على العمل، قال أبو عبد الله (عليه السلام) إن العبد لينوي من نهاره أن يصلي بالليل فتغلبه عينه فينام فيثبت الله له صلاته و يكتب نفسه تسبيحا و يجعل نومه صدقة. الخامس: أن طبيعة النية خير من طبيعة العمل لأنه لا يترتب عليها عقاب أصلا بل إن كانت خيرا أثيب عليها و إن كانت شرا كان وجودها كعدمها بخلاف العمل فإن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره. و من يعمل مثقال ذرة شرا يره فصح أن النية بهذا الاعتبار خير من العمل. و أقول: يمكن أن يقال هذا في الشر أيضا بناء على أن الكافر يعاقب على نيات الشر و إنما العفو عن المؤمنين. السادس: أن النية من أعمال القلب و هو أفضل من الجوارح فعمله أفضل من عملها أ لا ترى إلى قوله تعالى:" أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي" جعل سبحانه الصلاة وسيلة إلى الذكر و المقصود أشرف من الوسيلة، و أيضا فأعمال القلب مستورة عن الخلق لا يتطرق إليها الرياء و غيره بخلاف أعمال الجوارح. السابع: أن المراد أن نية بعض الأعمال الشاقة كالحج و الجهاد خير من بعض الأعمال الخفية كتلاوة آية من القرآن و الصدقة بدرهم مثلا. الثامن: ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في الغرر أن لفظة خير ليست اسم تفضيل بل المراد أن نية المؤمن عمل خير من جملة أعماله، و" من" تبعيضية و به دفع التنافي بين هذا الحديث و بين ما يروي عنه (صلى الله عليه و آله و سلم): أفضل الأعمال أحمزها، و يجري هذا الوجه في قوله: و نية الكافر شر من عمله فإن المعنى فيه ليس معنى التفضيل بل المعنى شر من جملة أعماله، فإن قيل: كيف يصح هذا مع ما ورد في الحديث من أن ابن آدم إذا هم بالحسنة، كتبت له حسنة و إذا هم بالسيئة لم يكتب عليه شيء حتى يعمل؟ قلنا: قد ذكرنا سابقا أن ظاهر بعض الأخبار أن ذلك مخصوص بالمؤمنين. التاسع: أن المراد بالنية تأثر القلب عند العمل و انقياده إلى الطاعة و إقباله على الآخرة و انصرافه عن الدنيا و ذلك يشتد بشغل الجوارح في الطاعات و كفها عن المعاصي فإن بين الجوارح و القلب علاقة شديدة يتأثر كل منهما بالآخر كما إذا حصل للأعضاء آفة سرى أثرها إلى القلب فاضطرب و إذا تألم القلب بخوف مثلا سرى أثره إلى الجوارح فارتعدت و القلب هو الأمير المتبوع و الجوارح كالرعايا و الأتباع، و المقصود من أعمالها حصول ثمرة للقلب فلا تظن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضا من حيث أنه جمع بين الجبهة و الأرض بل من حيث أنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب فإن من يجد في نفسه تواضعا فإذا استعان بأعضائه و صورها بصورة التواضع تأكد بذلك تواضعه، و أما من يسجد غافلا عن التواضع و هو مشغول القلب بأغراض الدنيا فلا يصل من وضع جبهته على الأرض أثر إلى قلبه بل سجوده كعدمه نظرا إلى الغرض المطلوب منه فكانت النية روح العمل و ثمرته و المقصد الأصلي من التكليف به فكانت أفضل، و هذا الوجه قريب مما ذكره الغزالي في إحيائه و هو أن كل طاعة تنتظم بنية و عمل، و كل منهما من جملة الخيرات إلا أن النية من الطاعتين خير من العمل، لأن أثر النية في المقصود أكثر من أثر العمل، لأن صلاح القلب هو المقصود من التكليف، و الأعضاء آلات موصلة إلى المقصود، و الغرض من حركات الجوارح أن يعتاد القلب إرادة الخير و يؤكد الميل إليه ليتفرغ عن شهوات الدنيا و يقبل على الذكر و الفكر، فبالضرورة يكون خيرا بالإضافة إلى الغرض، قال الله تعالى:" لَنْ يَنٰالَ اللّٰهَ لُحُومُهٰا وَ لٰا دِمٰاؤُهٰا وَ لٰكِنْ يَنٰالُهُ التَّقْوىٰ مِنْكُمْ" و التقوى صفة القلب، و في الحديث: أن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد. العاشر: أن نية المؤمن هي الباعثة له على عمل الخير فهي أصل العمل و علته و العمل فرعها، لأنه لا يحصل العمل و لا يوجد إلا بتصور المقصود الحقيقي و التصديق بحصوله و انبعاث النفس إليه حتى يشتد العزم و يوجد الفعل فبهذه الجهة هي أشرف و كذا نية الكافر سبب لعمله الخبيث فهي شر منه. الحادي عشر: أن النية روح العمل، و العمل بمثابة البدن لها فخيريته و شريته تابعتان لخيرية النية و شريتها كما أن شرافة البدن و خباثته تابعتان لشرافة الروح و خباثته، فبهذا الاعتبار نية المؤمن خير من عمله و نية الكافر شر من عمله. الثاني عشر: أن نية المؤمن و قصده أو لا هو الله، و ثانيا العمل لأنه يوصل إليه، و نية الكافر و قصده غيره تعالى و عمله يوصله إليه، و بهذا الاعتبار صح ما ذكر، و هذا الوجه و ما تقدمه مستفادان من كلام المحقق الطوسي (قدس سره)، و الوجوه المذكورة ربما يرجع بعضها إلى بعض. و بعد ما أحطت خبرا بما ذكرنا نذكر ما هو أقوى عندنا بعد الإعراض عن الفضول و هو الحق الحقيق بالقبول، فاعلم أن الإشكالات الناشئة من هذا الخبر إنما هو لعدم تحقيق معنى النية و توهم أنها تصور الغرض و الغاية و إخطارها بالبال، و إذا حققتها كما أومأنا إليها سابقا عرفت أن تصحيح النية من أشق الأعمال و أحمزها و أنها تابعة للحالة التي النفس متصفة بها، و كمال الأعمال و قبولها و فضلها منوط. بها، و لا يتيسر تصحيحها إلا بإخراج حب الدنيا و فخرها و عزها من القلب برياضات شاقة و تفكرات صحيحة و مجاهدات كثيرة، فإن القلب سلطان البدن و كل ما استولى عليه يتبعه سائر الجوارح، بل هو الحصن الذي كل حب استولى عليه و تصرف فيه يستخدم سائر الجوارح و القوي، و يحكم عليها و لا تستقر فيه محبتان غالبتان كما قال الله عز و جل: يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد و لا قلبان في صدر واحد، و كذلك الأذهان، و قال سبحانه:" مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ" فالدنيا و الآخرة ضرتان لا يجتمع حبهما في قلب. فمن استولى على قلبه حب المال لا يذهب فكره و خياله و قواه و جوارحه إلا إليه و لا يعمل عملا إلا و مقصوده الحقيقي فيه تحصيله و إن ادعى غيره كان كاذبا و لذا يطلب الأعمال التي و عد فيها كثرة المال و لا يتوجه إلى الطاعات التي و عد فيها قرب ذي الجلال، و كذا من استولى عليه حب الجاه ليس مقصوده في أعماله إلا ما يوجب حصوله، و كذا سائر الأغراض الباطلة الدنيوية فلا يخلص العمل لله سبحانه و للآخرة إلا بإخراج حب هذه الأمور من القلب و تصفيته عما يوجب البعد عن الحق. فللناس في نياتهم مراتب شتى بل غير متناهية بحسب حالاتهم، فمنها ما يوجب فساد العمل و بطلانه، و منها ما يوجب صحته، و منها ما يوجب كما له، و مراتب كما له أيضا كثيرة فأما ما يوجب بطلانه فلا ريب في أنه إذا قصد الرياء المحض أو الغالب بحيث لو لم يكن رؤية الغير له لا يعمل هذا العمل أنه باطل لا يستحق الثواب عليه بل يستحق العقاب كما دلت عليه الآيات و الأخبار الكثيرة، و أما إذا ضم إلى القربة غيرها بحيث كان الغالب القربة و لو لم تكن الضميمة يأتي بها ففيه إشكال و لا تبعد الصحة، و لو تعلق الرياء ببعض صفاته المندوبة كإسباغ الوضوء و تطويل الصلاة فأشد إشكالا، و لو ضم إليها غير الرياء كالتبريد ففيه أقوال ثالثها التفصيل بالصحة مع كون القربة مقصودة بالذات، و البطلان مع العكس. قال في الذكرى: لو ضم إلى النية منافيا فالأقرب البطلان كالرياء و الندب في الواجب، لأن تنافي المرادات يستلزم تنافي الإرادات، و ظاهر المرتضى الصحة بمنى عدم الإعادة لا بمعنى حصول الثواب، ذكر ذلك في الصلاة المنوي بها الرياء و هو يستلزم الصحة فيها و في غيرها، مع ضم الرياء إلى التقرب، و لو ضم اللازم كالتبرد قطع الشيخ و صاحب المعتبر بالصحة لأنه فعل الواجب و زيادة غير منافية، و يمكن البطلان لعدم الإخلاص الذي هو شرط الصحة، و كذا التسخن و النظافة، انتهى. و أقول: لو ضم إلى القربة بعض المطالب المباحة الدنيوية فهل تبطل عبادته؟ ظاهر جماعة من الأصحاب البطلان، و يشكل بأن صلوات الحاجة و الاستخارة و تلاوة القرآن و الأذكار و الدعوات المأثورة للمقاصد الدنيوية عبادات بلا ريب، مع أن تكليف خلو القصد عنها تكليف بالمحال، و الجمع بين الضدين كان يقول أحد: ائت الموضع الفلاني لرؤية الأسد من غير أن يكون غرضك رؤيته، أو اذهب إلى السوق و اشتر المتاع من غير أن تقصد شراء المتاع، و قد ورد في الأخبار الكثيرة منافع دنيوية للطاعات ككون صلاة الليل سببا لوسعة الرزق، و كون الحج موجبا للغناء و أمثال ذلك كثيرة، فلو كانت هذه مخلة بالقربة لكان ذكرها إغراء بالقبيح، إذ بعد السماع ربما يمتنع تخلية القصد عنها. نعم يمكن أن تؤول هذه القصود بالأخرة إلى القربة، كان يكون غرض طالب الرزق صرفه في وجوه البر و التقوى به على الطاعة، و من يكون مقصوده من طول العمر تحصيل رضا الرب تعالى، لكن هذا القصد لا يتحقق واقعا و حقيقة إلا لآحاد المقربين و لا يتيسر لأكثر الناس هذه النية و هذا الغرض إلا بالانتحال و الدعاوي الكاذبة، و توهم أن الإخطار بالبال نية واقعية و بينهما بعد المشرقين فالظاهر أنه يكفي لكونه طاعة و قربة كونه بأمره سبحانه، و موافقا لرضاه و متضمنا لذكره و التوسل إليه و إن كان المقصود تحصيل بعض الأمور المباحة لنيل اللذات المحللة، و أما النيات الكاملة و الأغراض العرية عن المطالب الدنية الدنيوية فهي تختلف بحسب الأشخاص و الأحوال، و لكل منهم نية تابعة لشاكلته و طريقته و حالته، بل لكل شخص في كل حالة نية تتبع تلك الحالة، و لنذكر بعض منازلها و درجاتها: فالأولى: نية من تنبه و تفكر في شديد عذاب الله و أليم عقابه، فصار ذلك موجبا لحط الدنيا و لذاتها عن نظره، فهو يعمل كلما أراد من الأعمال الحسنة و يترك ما ينتهي عنه من الأعمال السيئة خوفا من عذابه. الثانية: نية من غلب عليه الشوق إلى ما أعد الله للمحسنين في الجنة من نعيمها و حورها و قصورها فهو يعبد الله لتحصيل تلك الأمور. و هاتان نيتان صحيحتان على الأظهر و إن توهم الأكثر بطلان العبادة بهما، لغفلتهم عن معنى النية كما عرفت. و العجب أن العلامة (ره) ادعى اتفاق العدلية على أن من فعل فعلا لطلب الثواب أو خوف العقاب فإنه لا يستحق بذلك ثوابا. و أقول: لهاتين النيتين أيضا مراتب شتى بحسب اختلاف أحوال الناس، فإن من الناس من يطلب الجنة لحصول مشتهياته الجسمانية فيه، و منهم من يطلبها لكونها دار كرامة الله و محل قرب الله، و كذا منهم من يهرب من النار لألمها، و منهم من يهرب منها لكونها دار البعد و الهجران و الحرمان، و محل سخط الله كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في الدعاء الذي علمه كميل بن زياد النخعي: فلئن صيرتني في العقوبات مع أعدائك، و جمعت بيني و بين أهل بلائك، و فرقت بيني و بين أحبائك و أوليائك فهبني يا إلهي و سيدي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك، و هبني صبرت على حر نارك فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك، إلى آخر ما ذكر في هذا الدعاء المشتمل على جميع منازل المحبين و درجات العارفين. فظهر أن هاتين الغايتين و طلبهما لا تنافيان درجات المقربين. الثالثة: نية من يعبد الله تعالى شكرا له فإنه يتفكر في نعم الله التي لا تحصى عليه، فيحكم عقله بأن شكر المنعم واجب فيعبده لذلك، كما هو طريقة المتكلمين، و قد قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): أن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، و إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، و إن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار. الرابعة: نية من يعبده حياءا فإنه يحكم عقله بحسن الحسنات و قبح السيئات و يتذكر أن الرب الجليل مطلع عليه في جميع أحواله فيعبده و يترك معاصيه لذلك و إليه يشير قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. الخامسة: نية من يعبده تقربا إليه تعالى تشبيها للقرب المعنوي بالقرب المكاني، و هذا هو الذي ذكره أكثر الفقهاء و لم أر في كلامهم تحقيق القرب المعنوي، فالمراد إما القرب بحسب الدرجة و الكمال إذ العبد لا مكانه في غاية النقص عار عن جميع الكمالات، و الرب سبحانه متصف بجميع الصفات الكمالية فبينهما غاية البعد فكلما رفع عن نفسه شيئا من النقائص و اتصف بشيء من الكمالات حصل له قرب ما بذلك الجناب، أو القرب بحسب التذكر و المصاحبة المعنوية، فإن من كان دائما في ذكر أحد و مشغولا بخدماته فكأنه معه و إن كان بينهما غاية البعد بحسب المكان، و في قوة هذه النية إيقاع الفعل امتثالا لأمره تعالى أو موافقة لإرادته أو انقيادا و إجابة لدعوته، أو ابتغاء لمرضاته، فهذه النيات التي ذكرها أكثر الأصحاب و قالوا لو قصد الله مجردا عن جميع ذلك كان مجزيا فإنه تعالى غاية كل مقصد و إن كان يرجع إلى بعض الأمور السالفة. السادسة: نية من عبد الله لكونه أهلا للعبادة و هذه نية الصديقين كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنتك و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك، و لا تسمع هذه الدعوى من غيرهم، و إنما يقبل ممن يعلم منه أنه لو لم يكن لله جنة و لا نار بل لو كان على الفرض المحال يدخل العاصي الجنة و المطيع النار لاختار العبادة لكونه أهلا لها، كما أنهم في الدنيا اختاروا النار لذلك فجعلها الله عليهم بردا و سلاما، و عقوبة الأشرار فجعلها الله عندهم لذة و راحة و نعيما. السابعة: نية من عبد الله حبا له، و درجة المحبة أعلى درجات المقربين، و المحب يختار رضا محبوبة و لا ينظر إلى ثواب و لا يحذر من عقاب، و حبه تعالى إذا استولى على القلب يطهره عن حب ما سواه، و لا يختار في شيء من الأمور إلا رضا مولاه، كما روى الصدوق (ره) بإسناده عن الصادق (عليه السلام) أنه قال أن الناس يعبدون الله على ثلاثة أوجه فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء و هو الطمع، و آخرون يعبدونه فرقا من النار فتلك عبادة العبيد و هي رهبة، و لكني أعبده حباله عز و جل فتلك عبادة الكرام و هو الأمن، لقوله عز و جل:" وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ" و لقوله عز و جل:" قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ" فمن أحب الله أحبه الله، و من أحبه الله عز و جل كان من الآمنين. و في تفسير الإمام (عليه السلام) قال علي بن الحسين (عليه السلام): إني أكره أن أعبد الله لأغراض لي و لثوابه، فأكون كالعبد الطمع المطمع، إن طمع عمل و إلا لم يعمل، و أكره أن أعبده لخوف عباده فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل، قيل: فلم تعبده؟ قال: لما هو أهله بأياديه على و إنعامه. و قال محمد بن علي الباقر (عليه السلام): لا يكون العبد عابد الله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كله إليه، فحينئذ يقول هذا خالص لي فيتقبله بكرمه. و قال جعفر بن محمد (عليه السلام): ما أنعم الله عز و جل على عبد أجل من أن لا يكون في قلبه مع الله غيره. و قال موسى بن جعفر (عليه السلام): أشرف الأعمال التقرب بعبادة الله عز و جل. و قال علي الرضا (عليه السلام):" إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ" قول لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله، و خليفة محمد رسول الله حقا و خلفاؤه خلفاء الله" وَ الْعَمَلُ الصّٰالِحُ

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ النِّيَّةِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.