الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ٢

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عِمْرَانَ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(عليه السلام)يَقُولُ مَنْ بَلَغَهُ ثَوَابٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عَمَلٍ فَعَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْتِمَاسَ ذَلِكَ الثَّوَابِ أُوتِيَهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ كَمَا بَلَغَهُ باب من بلغه ثواب من الله على عمل الحديث الأول: حسن كالصحيح. " كان" أي الثواب" له" و في بعض النسخ كان له أجره. الحديث الثاني: ضعيف على المشهور. و يدل على صحة العمل بنية الثواب و أنها لا تنافي الإخلاص كما عرفت. فائدة جليلة اعلم أن أصحابنا (رضوان الله عليهم) كثيرا ما يستدلون بالأخبار الضعيفة و المجهولة على السنن و الآداب، و يحكمون بها بالكراهة و الاستحباب، و أورد عليه أن الاستحباب أيضا حكم شرعي كالوجوب فلا وجه للفرق بينهما و الاكتفاء فيه بأخبار الضعفاء و المجاهيل، و كذا الكراهة و الحرمة لا فرق بينهما في ذلك، و أجيب عنه بأن الحكم بالاستحباب فيما ضعف مستنده ليس في الحقيقة بذلك الخبر الضعيف، بل بالروايات الواردة في هذا الباب و غيره. فإن قيل: هذه الروايات أيضا ليست صحيحة على مصطلح القوم؟ قلت: الخبر الأول و إن كان حسنا لكن حسن إبراهيم بن هاشم لا يقصر عن الصحيح، مع أنه مؤيد بالخبر الثاني، و بما رواه الصدوق في ثواب الأعمال عن أبيه عن علي بن موسى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن هشام عن صفوان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمله كان له أجر ذلك و إن كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يقله، و بما رواه البرقي في المحاسن عن أبيه عن أحمد بن النضر عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من بلغه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) شيء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كان له ذلك الثواب و إن كان النبي لم يقله. مع أنه روى البرقي بسند صحيح أيضا و إن غفل عنه الأكثر و قالوا: لم يرد فيه خبر صحيح حيث روي عن أبيه عن علي بن الحكم عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من بلغه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) شيء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له و إن كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يقله، و قد روته العامة أيضا بأسانيد عن النبي، فلا يبعد عده من المتواترات فمهما عملنا بخبر ضعيف لم نعمل بهذا الخبر بل بهذه الأخبار المستفيضة الدالة على جواز العمل به، و ترتب الثواب عليه. و مع ذلك فقد يخدش بوجوه: الأول: أن مفاد الروايات أنه إذا روي أن في العمل الفلاني ثوابا معينا فعمل أحد ذلك العمل رجاء ذلك الثواب يعطي ذلك الثواب و إن كان الخبر خلاف الواقع و لم يقله المعصوم (عليه السلام) فلا تشمل هذه الأخبار ما لم يرد فيه ثواب مع أن الأصحاب يستدلون بالأخبار غير الصحيحة التي لم تشتمل على الثواب على الكراهة و الاستحباب، و يمكن أن يجاب بأن الأمر بالعبادة يستلزم ترتب الثواب عليه و إن لم يذكر في الخبر، فإذا فعل المؤمن ذلك العمل رجاء للثواب المعلوم ترتبه على العمل و إن لم يعلم مقداره يكون داخلا في تلك الأخبار، و لا بد أن يثاب في الجملة لاقتضائها ذلك و لا يخلو من تمحل. الثاني: أن الثواب كما يكون للمستحب كذلك يكون للواجب أيضا، فلم خصصوا الحكم بالمستحب، و الجواب أنك قد عرفت أنا لم نعمل بهذا الخبر الدال على الوجوب بل إنما عملنا بتلك الأخبار و هي لا تدل إلا على رجحان العمل به و ترتب الثواب عليه و لا تدل على ترتب العقاب على تركه فالحكم الثابت لنار بهذا الخبر بانضمام تلك الروايات ليس إلا الحكم الاستحبابي فافهم. الثالث: أن بين تلك الروايات و بين ما يدل على عدم جواز العمل بخبر الفاسق كقوله تعالى:" إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا" عموما من وجه، فلا وجه لتخصيص الثاني بالأول بل العكس أولى لقطعية طريقه و تأيده بالأصل، إذ الأصل عدم التكليف و براءة الذمة منه، و يمكن أن يجاب بأن الآية إنما تدل على عدم العمل بخبر الفاسق بدون التثبت و التبين، و العمل به فيما نحن فيه بعد ورود الروايات ليس عملا بلا تثبت فلم تخصص الآية بالأخبار، بل بسبب ورودها خرجت تلك الأخبار الضعيفة عن عنوان الحكم المثبت في الآية الكريمة. الرابع: أن هذه المسألة أي ثبوت الاستحباب بالأدلة الضعيفة إنما هو من مسائل الأصول على المشهور و جواز الاكتفاء فيه بالظن الحاصل من خبر الواحد مشكل، و الجواب أن مثل هذا الخبر المشتهر بين الفريقين الوارد بأسانيد كثيرة مما يورث القطع بمضمونه، مع أن وجوب تحقق العلم القطعي في جميع مسائل الأصول مما يمكن المناقشة فيه. الخامس: أن عموم العمل الذي ورد في الخبر ترتب الثواب عليه غير معلوم، فإنه فيما سبق من الأخبار نكرة في سياق الإثبات و هي غير مفيدة للعموم، فحينئذ يحتمل أن يكون المراد فيها أن من سمع ثوابا من الله على عمل ثابت بدليل شرعي قطعي أو ظني جائز العمل به، ثم عمل بذلك العمل أعطي ذلك الأجر فلا يدل على إثبات أصل العمل بالأخبار الغير المعتبرة، و الجواب أن العمل و إن كان نكرة في إثبات و هو لا يفيد العموم إلا أنه لما كان مقنن القوانين و من صدر عنه الحكم لما كان حكيما لا يليق به أن يصدر عنه حكم مجمل لا يمكن العمل به، و لا يفيد المخاطب فائدة تامة فلا بد من حمل النكرة على العموم، مثلها في قوله تعالى:" عَلِمَتْ نَفْسٌ مٰا أَحْضَرَتْ" و قولهم: تمرة خير من جرادة، أو يقال أن العموم المستفاد من لفظة" من" كاف لإفادة عموم العمل أيضا فإنه يصدق على من بلغه ثواب من الله على عمل غير ثابت بدليل شرعي خارج أنه ممن بلغه الحديث، فإن اسم الموصول و غيره من أدوات العموم كما يقتضي عموم الأفراد يقتضي عموم جميع ما يتعلق به و يتم به الصلة أو الاسم الذي دخل عليه أداة العموم. ففي ما نحن فيه نقول: اسم الموصول دخل على بلغه ثواب من الله على عمل، فكل شيء يصدق عليه أنه بلغه ثواب ما على عمل ما يتناوله اسم الموصول مع قطع النظر عن عمومه تناولا كتناول المطلق لأفراده، و معنى العموم شموله بحسب الحكم لكل ما تناوله تناولا إطلاقيا، فلو فرضنا أن بلوغا ما أو ثوابا ما أو عملا ما خارج عن تعلق هذا الحكم لم يكن العام المفروض عاما لجميع من بلغه ثواب على عمل و هو يخل بالعموم. و من أقوى الشواهد على ذلك أن علماءنا و علماء العامة اتفقوا على أن قوله تعالى:" وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً" عام يشمل أولات الحمل و غيرها في قوله تعالى:" وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ" و اختلفوا في ترجيح تخصيص أيهما بالآخر لما بينهما من العموم من وجه و قصة أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك مع ابن مسعود مشهورة، و لو لا ما ذكرنا أمكن أن يقال: أن أزواجا جمع منكر فلا عموم له، و أولات الأحمال جمع مضاف فيعم فلا تعارض. و بهذا يظهر فساد ما في شرح المختصر في بحث دلالة الأمر على الوجوب حيث استدل عليها بقوله:" فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ" الآية، ثم اعترض بأن الاستدلال موقوف على عموم الأمر و هو مطلق، و أجاب بأن الأمر مصدر مضاف فيعم، و على ما ذكرنا تناول الأمر بإطلاقه لجميع الأوامر كاف إذ يكون المعنى حينئذ الأمر بحذر كل من يخالف أمرا ما من الأوامر فيدل على أن كل من يخالف أي أمر من الأوامر يتحقق في حقه مقتضى الحذر، و ما هو إلا استحقاق العقاب و الشواهد علي ما ذكرنا كثيرة يظهر علي المتتبع. ثم اعلم أنه يشكل ترتب الأحكام الأخر على هذا الفعل سوى ترتب الثواب عليه، كما إذا ورد خبر ضعيف يدل على ترتب الثواب على غسل، فعلى القول بحصول الاستباحة من الأغسال المندوبة يشكل حصول الاستباحة من هذا الغسل إلا أن يقال: لما ثبت بهذه الأخبار شرعية هذا الغسل يترتب عليه جميع الأحكام، و لا فرق بين هذا الغسل و غيره من الأغسال المندوبة، و كل دليل يدل على حصول الاستباحة من الأغسال الأخر، يدل على هذا أيضا. قال الشيخ البهائي (قدس سره): يحتمل أن يراد بسماع الثواب مطلق بلوغه إليه، سواء كان على سبيل الرواية أو الفتوى أو المذاكرة أو نحو ذلك، كما لو أراه في شيء من كتب الحديث أو الفقه مثلا، و يؤيد هذا التعميم أنه ورد في حديث آخر عن الصادق (عليه السلام): من بلغه شيء من الثواب، و يمكن أن يراد السماع من لفظ الراوي أو المفتي خاصة، فإنه هو الشائع الغالب في الزمن السالف، و أما الحمل على التحمل بأحد الوجوه الستة المشهورة فلا يخلو من بعد. و ظاهر الإطلاق أن ظن صدق الناقل غير شرط في ترتب الثواب، فلو تساوى صدقه و كذبه في نظر السامع و عمل بقوله فاز بالأجر، نعم يشترط عدم ظن كذبه لقيام بعض القرائن و الظاهر أن تصريح الراوي بترتب الثواب غير شرط، بل قوله إن العمل الفلاني مستحب أو مكروه كاف في ترتب الثواب على فعله أو تركه. " على شيء" أي على فعل شيء أو تركه" فصنعه" أي أتى بذلك الشيء سواء كان فعلا أو تركا" كان له أجره" الضمير في أجره" الضمير في أجره إما أن يعود إلى الشيء أي كان له الأجر المرتب على ذلك الشيء أو إلى من، أي كان لذلك العامل أجره أي الأجر الذي طلبه بذلك العمل" و إن لم يكن على ما بلغه" اسم يكن ضمير الشأن و يجوز عوده إلى الشيء أو الثواب أو المسموع، و يؤيده أن في رواية أخرى و إن لم يكن الحديث كما بلغه، انتهى. و قال المحقق الدواني في أنموزجه: اتفقوا على أن الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية ثم ذكروا أنه يجوز بل يستحب العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، و ممن صرح بذلك النووي في كتبه، لا سيما كتاب الأذكار، و فيه إشكال لأن جواز العمل و استحبابه كلاهما من الأحكام الخمسة الشرعية فإذا استحب العمل بمقتضى الحديث الضعيف كان ثبوته بالحديث الضعيف، و ذلك ينافي ما تقرر من عدم ثبوت الأحكام بالأحاديث الضعيفة، و قد حاول بعضهم التفصي عن ذلك و قال: مراد النبوي أنه إذا ثبت حديث حسن أو صحيح في فضيلة عمل من الأعمال يجوز رواية الحديث الضعيف في هذا الباب، و لا يخفى أن هذا لا يرتبط بكلام النووي أصلا فضلا عن أن يكون مراده ذلك، فلم يكن جواز العمل و استحبابه مجرد نقل الحديث، على أنه لو لم يثبت الحديث الصحيح و الحسن في فضيلة عمل يجوز نقل الحديث الضعيف فيها، لا سيما مع التنبيه على ضعفه، و مثل ذلك في كتب الحديث و غيره شائع كثير يشهد به من تتبع أدنى تتبع، و الذي يصلح للتعويل عليه حينئذ أنه إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال، و لم يكن هذا العمل مما يحتمل الحرمة و الكراهة فإنه يجوز العمل به و يستحب لأنه مأمون الخطر و مرجو النفع، إذ دائر بين الإباحة و الاستحباب، فالاحتياط العمل به رجاء الثواب، و أما إذا دار بين الحرمة و الاستحباب فلا وجه لاستحباب العمل به، و إذا دار بين الكراهة و الاستحباب فمجال النظر فيه واسع إذ في العمل دغدغة الوقوع في المكروه، و في الترك مظنة ترك المستحب، فلينظر إن كان خطر الكراهة أشد بأن تكون الكراهة المحتملة شديدة و الاستحباب المحتمل ضعيفا فحينئذ يترجح الترك على الفعل، فلا يستحب العمل به و إن كان الكراهة أضعف بأن تكون الكراهة على تقدير وقوعها كراهة ضعيفة دون مرتبة ترك العمل على تقدير استحبابه فالاحتياط العمل به، و في صورة المساواة تحتاج إلى نظر تام، و أظن أنه يستحب أيضا لأن المباحات تصير بالنية عبادة فكيف ما فيه شبهة الاستحباب لأجل الحديث الضعيف، فجواز العمل و استحبابه مشروطان، أما جواز العمل فبعدم احتمال الحرمة و أما الاستحباب فبما ذكرنا مفصلا. بقي هيهنا شيء و هو أنه إذا عدم احتمال الحرمة فجواز العمل ليس لأجل الحديث إذ لو لم يوجد يجوز العمل أيضا لأن المفروض انتفاء الحرمة، لا يقال: الحديث الضعيف ينفى احتمال الحرمة؟ لأنا نقول: الحديث الضعيف لا يثبت به شيء من الأحكام الخمسة، و انتفاء الحرمة يستلزم ثبوت الإباحة، و الإباحة حكم شرعي فلا يثبت بالحديث الضعيف، و لعل مراد النووي ما ذكرنا، و إنما ذكر الجواز توطئة للاستحباب، و حاصل الجواب أن الجواز معلوم من خارج، و الاستحباب أيضا معلوم من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين، فلم يثبت شيء من الأحكام بالحديث الضعيف بل أوقع الحديث الضعيف شبهة الاستحباب، فصار الاحتياط أن يعمل به، و استحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع، انتهى. و اعترض عليه الشيخ البهائي (قدس سره) بأن خطر الحرمة في هذا الفعل الذي تضمن الحديث الضعيف استحبابه حاصل كلما فعله المكلف لرجاء الثواب، لأنه لا يعتد به شرعا و لا يصير منشأ لاستحقاق الثواب إلا إذا فعله المكلف بقصد القربة، و لاحظ رجحان فعله شرعا، فإن الأعمال بالنيات و فعله على هذا الوجه مردد بين كونه سنة و رد الحديث في الجملة، و بين كونه تشريعا و إدخالا لما ليس من الدين فيه، و لا ريب أن ترك السنة أولى من الوقوع في البدعة، فليس الفعل المذكور دائرا في وقت من الأوقات بين الإباحة و الاستحباب، بل هو دائما دائر بين الحرمة و الاستحباب فتاركه متيقن للسلامة و فاعله متعرض للندامة. على أن قولنا بدورانه بين الحرمة و الاستحباب إنما هو على سبيل المماشاة و إرخاء العنان، و إلا فالقول بالحرمة من غير ترديد ليس عن السداد ببعيد، و التأمل الصادق على ذلك شهيد، هذا. و قد تفصى بعض الفضلاء عن أصل الإشكال بأن معنى قولهم يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون مسائل الحرام و الحلال، أنه إذا ورد حديث صحيح أو حسن في استحباب عمل و ورد حديث ضعيف في أن ثوابه كذا و كذا، جاز العمل بذلك الحديث الضعيف، و الحكم بترتب ذلك الثواب على ذلك الفعل، و ليس هذا الحكم أحد الأحكام الخمسة التي لا تثبت بالأحاديث الضعيفة. و بعضهم بأن معنى قولهم الأحكام لا تثبت بالأحاديث الضعيفة أنها لا تستقل

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ مَنْ بَلَغَهُ ثَوَابٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عَمَلٍ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.