حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)عِنْدَ عَائِشَةَ لَيْلَتَهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تُتْعِبُ نَفْسَكَ وَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مَا تَأَخَّرَ فَقَالَ يَا الحديث السادس: كالسابق. " و قد غفر الله لك" إشارة إلى قوله تعالى:" إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ" و للشيعة في تأويله أقوال: أحدها: أن المراد ليغفر لك الله ما تقدم من ذنب أمتك و ما تأخر بشفاعتك و إضافة ذنوب أمته إليه للاتصال و السبب بينه و بين أمته، و يؤيده ما رواه المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) قال: سأله رجل عن هذه الآية فقال: و الله ما كان له ذنب و لكن الله سبحانه ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة على ما تقدم من ذنبهم و ما تأخر، و روى عمر بن يزيد عنه (عليه السلام) قال: ما كان له ذنب و لا هم بذنب و لكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له. و الثاني: ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه أن الذنب مصدر و المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل و المفعول معا فيكون هنا مضافا إلى المفعول و المراد ما تقدم من ذنبهم إليك في منعهم إياك عن مكة و صدهم لك عن المسجد الحرام و يكون معنى المغفرة على هذا التأويل الإزالة و النسخ لأحكام أعدائه من المشركين عليه أي يزيل الله ذلك عنده و يستر عليك تلك الوصمة بما يفتح الله لك من مكة فستدخلها فيما بعد، و لذلك جعله جزاء على جهاده و غرضا في الفتح و وجها له، قال: و لو أنه أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله:" إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللّٰهُ" معنى معقول لأن المغفرة للذنوب لا تعلق لها بالفتح فلا يكون غرضا فيه، و أما قوله:" ما تقدم و ما تأخر" فلا يمتنع أن يريد به ما تقدم زمانه من فعلهم القبيح بك و بقومك. الثالث: أن معناه لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك. الرابع: أن المراد بالذنب هناك ترك المندوب، و حسن ذلك لأن من المعلوم عَائِشَةُ أَ لَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً قَالَ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)يَقُومُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ أنه (عليه السلام) ممن لا يخالف الأوامر الواجبة فجاز أن يسمى ذنبا منه ما لو وقع من غيره لم يسم ذنبا لعلو قدره و رفعة شأنه. الخامس: أن القول خرج مخرج التعظيم و حسن الخطاب كما قيل في قوله: " عَفَا اللّٰهُ عَنْكَ". أقول: و قد روى الصدوق في العيون بإسناده عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرضا (عليه السلام) فقال له المأمون: يا بن رسول الله أ ليس من قولك أن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، قال: فما معنى قول الله:" لِيَغْفِرَ لَكَ اللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ"؟ قال الرضا (عليه السلام): لم يكن أحد عند مشركي مكة أعظم ذنبا من رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة و ستين صنما، فلما جاءهم (صلى الله عليه و آله و سلم) بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم و عظم و قالوا: " أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلٰهاً وٰاحِداً إِنَّ هٰذٰا لَشَيْءٌ عُجٰابٌ" إلى قوله:" إِنْ هٰذٰا إِلَّا اخْتِلٰاقٌ" فلما فتح الله تعالى على نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) مكة قال له: يا محمد إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم و ما تأخر لأن مشركي مكة أسلم بعضهم و خرج بعضهم عن مكة و من بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا بظهوره عليهم، فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن. و كان هذا الحديث بالوجه الرابع أنسب، لتقريره (صلى الله عليه و آله و سلم) كلام عائشة و إن أمكن توجيهه على بعض الوجوه الأخر. و الحاصل أن عائشة توهمت أن ارتكاب المشقة في الطاعات إنما يكون رِجْلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى- طه مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ لمحو السيئات فأجاب (صلى الله عليه و آله و سلم) بأنه ليس منحصرا في ذلك بل يكون لشكر النعم الغير المتناهية و رفع الدرجات الصورية و المعنوية بل الطاعات عند المحبين من أعظم اللذات كما عرفت. " طه" قيل: معنى" طه" يا رجل عن ابن عباس و جماعة، و قد دلت الأخبار الكثيرة أنه من أسماء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) روى علي بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا صلى قام على أصابع رجليه حتى تورم فأنزل الله تبارك و تعالى طه بلغة طي يا محمد مٰا أَنْزَلْنٰا. الآية. و روى الصدوق في معاني الأخبار بإسناده عن سفيان الثوري عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه: فأما طه فاسم من أسماء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و معناه: يا طالب الحق الهادي إليه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى بل لتسعد، و روى الطبرسي في الاحتجاج عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): و لقد قام رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه و أصفر وجهه يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك، فقال الله عز و جل طه مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ بل لتسعد به" الخبر". و قال النسفي من العامة: قال القشيري: الطاء إشارة إلى طهارة قلبه عن غير الله، و الهاء إلى اهتداء قلبه إلى الله، و قيل: الطاء طرب أهل الجنة و الهاء هوان أهل النار، و قال الطبرسي (ره): روي عن الحسن أنه قرأ طه بفتح الطاء و سكون الهاء، فإن صح ذلك عنه فأصله طاه فأبدل من الهمزة هاء و معناه طأ الأرض بقدميك جميعا فقد روي أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يرفع إحدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه، فأنزل الله: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، فوضعها، و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام).
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الشُّكْرِ