عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ يَحْيَى الْأَزْرَقِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الحديث الثاني: كالسابق. " من قسم له الرفق" أي قدر له قسط منه في علم الله" قسم له الإيمان" أي الكامل منه. الحديث الثالث: مجهول. " إن الله تعالى رفيق" أقول: روى مسلم في صحيحه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: إن الله رفيق يحب الرفق و يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، قال القرطبي: الرفيق هو الكثير الرفق يجيء بمعنى التسهيل و هو ضد العنف و التشديد و التعصيب، و بمعنى الإرفاق و هو إعطاء ما يرتفق به، و بمعنى التأني و العجلة، و صحت نسبة هذه المعاني إلى الله تعالى لأنه المسهل و المعطي و غير المعجل في عقوبة العصاة، و قال الطيبي: الرفق اللطف و أخذ الأمر بأحسن الوجوه و أيسرها" الله رفيق" أي لطيف بعباده يريد بهم اليسر لا العسر و لا يجوز إطلاقه على الله لأنه لم يتواتر و لم يستعمل هنا على التسمية، بل تمهيد الأمر أي الرفق أنجح الأسباب و أنفعها فلا ينبغي الحرص في الرزق بل يكل إلى الله. و قال النووي: يجوز تسمية الله بالرفيق و غيره مما ورد في خبر الواحد على الصحيح و اختلف أهل الأصول في التسمية بخبر الواحد، انتهى. و قال في المصباح: رفقت العمل من باب قتل أحكمته، انتهى. فيجوز أن يكون إطلاق الرفيق عليه سبحانه بهذا المعنى، و معنى يحب الرفق أنه يأمر به و يحث عليه و يثيب به، و السل انتزاعك الشيء و إخراجه في رفق كالاستلال كذا في القاموس، و كان بناء التفعيل للمبالغة، و الضغن بالكسر و الضغينة الرِّفْقَ فَمِنْ رِفْقِهِ بِعِبَادِهِ تَسْلِيلُهُ أَضْغَانَهُمْ وَ مُضَادَّتَهُمْ لِهَوَاهُمْ وَ قُلُوبِهِمْ وَ مِنْ رِفْقِهِ بِهِمْ الحقد، و الأضغان جمع الضغن كالأحمال و الحمل، و المعنى أنه من رفقه بعباده و لطفه لهم أنه يخرج أضغانهم قليلا و تدريجا من قلوبهم و إلا لأفنى بعضهم بعضا، و قيل: لم يكلفهم برفعها دفعة لصعوبتها عليهم بل كلفهم بأن يسعوا في ذلك و يخرجوها تدريجا و هو بعيد. و يحتمل أن يكون المعنى أنه أمر أنبياءه و أوصياءهم بالرفق بعباده الكافرين و المنافقين و الإحسان إليهم و تأليف قلوبهم ببذل الأموال و حسن العشرة فيسل بذلك أضغانهم الله و للرسول و للمؤمنين برفق، و يمكن أن يكون المراد بالتسليل إظهار كفرهم و نفاقهم على المؤمنين لئلا ينخدعوا منهم كما قال سبحانه:" أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللّٰهُ أَضْغٰانَهُمْ" أي أحقادهم على المؤمنين ثم قال: " وَ لَوْ نَشٰاءُ لَأَرَيْنٰاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمٰاهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ أَعْمٰالَكُمْ، إِنَّمَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَ لٰا يَسْئَلْكُمْ أَمْوٰالَكُمْ، إِنْ يَسْئَلْكُمُوهٰا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَ يُخْرِجْ أَضْغٰانَكُمْ" قالوا إن يسألكموها فيحفكم أي يجهدكم بمسألة جميعها أو أجرا على الرسالة فيبالغ فيه تبخلوا بها فلا تعطوها و يخرج أضغانكم أي بغضكم و عداوتكم لله و الرسول، و لكنه فرض عليكم ربع العشر أو لم يسألكم أجرا على الرسالة، و هذا يؤيد المعنى السابق أيضا. قوله: و مضادتهم لهواهم و قلوبهم، هذا أيضا يحتمل وجوها:" الأول" أن يكون معطوفا على الأضغان أي من لطفه بعباده دفع مضادة أهوية بعضهم لبعض و قلوب بعضهم لبعض، فيكون قريبا من الفقرة السابقة على بعض الوجوه. الثاني: أن يكون عطفا على تسليله، أي من لطفه بعباده المؤمنين أن جعل أَنَّهُ يَدَعُهُمْ عَلَى الْأَمْرِ يُرِيدُ إِزَالَتَهُمْ عَنْهُ رِفْقاً بِهِمْ لِكَيْلَا يُلْقِيَ عَلَيْهِمْ عُرَى الْإِيمَانِ أهوية المخالفين و الكافرين متضادة مختلفة فلو كانوا مجتمعين متفقين في الأهواء لأفنوا المؤمنين و استأصلوهم كما قال تعالى:" لٰا يُقٰاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلّٰا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرٰاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتّٰى ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لٰا يَعْقِلُونَ". الثالث: أن يكون عطفا على تسليله أيضا و المعنى أنه من لطفه جعل المضادة بين هوى كل امرء و قلبه أي روحه و عقله، فلو لم يكن القلب معارضا للهوى لم يختر أحد الآخرة على الدنيا، و في بعض النسخ و مضادته و هو أنسب بهذا المعنى، و المضادة بمعنى جعل الشيء ضد الشيء شائع كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ضاد النور بالظلمة و اليبس بالبلل. الرابع: أن يكون الواو بمعنى مع، و يكون تتمة للفقرة السابقة أي أخرج أحقادهم مع وجود سببها و هو مضادة أهوائهم و قلوبهم. الخامس: أن يكون المعنى من رفقه أنه أوجب عليهم التكاليف المضادة لهواهم و قلوبهم، لكن برفق و لين بحيث لم يشق عليهم، بل إنما كلف عباده بالأوامر و النواهي متدرجا كيلا ينفروا كما أنهم لما كانوا اعتادوا بشرب الخمر نزلت أو لا آية تدل على مفاسدها ثم نهوا عن شربها قريبا من وقت الصلاة ثم عمم و شدد و لم ينزل عليهم الأحكام دفعة ليشد عليهم بل أنزلها تدريجا و كل ذلك ظاهر لم تتبع موارد نزول الآيات و تقرير الأحكام، و في لفظ المضادة إيماء إلى ذلك، قال الفيروزآبادي ضده في الخصومة: غلبه و عنه صرفه و منعه برفق و ضاده خالفه. " و من رفقه بهم أنه يدعهم على الأمر" حاصله أنه يريد إزالتهم عن أمر من الأمور لكن يعلم أنه لو بادر إلى ذلك يثقل عليهم فيؤخر ذلك إلى أن يسهل عليهم ثم يحولهم عنه إلى غيره فيصير الأول منسوخا، كأمر القبلة فإن الله تعالى كان يحب وَ مُثَاقَلَتَهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَيَضْعُفُوا فَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ نَسَخَ الْأَمْرَ بِالْآخَرِ فَصَارَ مَنْسُوخاً
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الرِّفْقِ