عَنْهُ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ ظهر في السفينة اضطراب عند الوقوع على الجودي خافوا منه الغرق، فلذا شرع (عليه السلام) في التضرع و الدعاء كما روى علي بن إبراهيم في حديث طويل عن الصادق (عليه السلام) إلى أن قال: فبقي الماء ينصب من السماء أربعين صباحا، و من الأرض العيون حتى ارتفعت السفينة فمسحت السماء قال: فرفع نوح (عليه السلام) يده ثم قال: يا رهمان أتقن، و تفسيرها: رب أحسن، فأمر الله الأرض أن تبلع ماءها. و روى الصدوق في العيون و غيره عن الرضا (عليه السلام) أن نوحا (عليه السلام) لما ركب السفينة أوحى الله عز و جل إليه: يا نوح إن خفت الغرق فهللني ألفا ثم سلني النجاة أنجك من الغرق و من آمن معك، قال: فلما استوى نوح و من معه في السفينة و رفع القلس عصفت الريح عليهم فلم يأمن نوح الغرق فأعجلته الريح فلم يدرك أن يهلل ألف مرة فقال بالسريانية: هلوليا ألفا ألفا يا ماريا أتقن، قال: فاستوى القلس و استمرت السفينة، الخبر. قوله: عرض بنفسه، التعريض توجيه الكلام إلى جانب و إرادة جانب آخر و هو خلاف التصريح أي غرضه (عليه السلام) من هذا التمثيل بيان أنه اختار الكبش للتواضع، و هو مورث للعزة في الدارين، و يدل على أن اختيار أقل الأمرين في المستحبات إذا كان مستلزما للتواضع أحسن، مع أن الإخلاص فيه أكثر و عن الرياء و السمعة و التكبر أبعد. و يحتمل أن يكون في ذلك تقية أيضا، و لا يبعد كون الكبش في الهدي و الأضحية أفضل لدلالة الأخبار الكثيرة عليه، و سيأتي القول فيه في محله إن شاء الله تعالى. الحديث الثالث عشر: مرسل كالموثق و آخره مرسل. عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(عليه السلام)قَالَ قَالَ التَّوَاضُعُ أَنْ تُعْطِيَ النَّاسَ- مَا تُحِبُّ أَنْ تُعْطَاهُ وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ قُلْتُ مَا حَدُّ التَّوَاضُعِ الَّذِي إِذَا فَعَلَهُ الْعَبْدُ كَانَ مُتَوَاضِعاً فَقَالَ التَّوَاضُعُ دَرَجَاتٌ مِنْهَا أَنْ يَعْرِفَ الْمَرْءُ قَدْرَ نَفْسِهِ فَيُنْزِلَهَا مَنْزِلَتَهَا بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَا يُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى أَحَدٍ إِلَّا مِثْلَ مَا يُؤْتَى إِلَيْهِ إِنْ رَأَى سَيِّئَةً دَرَأَهَا بِالْحَسَنَةِ كَاظِمُ الْغَيْظِ عَافٍ عَنِ النَّاسِ وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " أن تعطى الناس" أي من التعظيم و الإكرام و العطاء" ما تحب أن تعطاه" منهم في جميع ذلك" التواضع درجات" أي التواضع لله و للخلق درجات أو ذوو درجات باعتبار كمال النفس و نقصها" أن يعرف المرء قدر نفسه" بملاحظة عيوبها و تقصيراتها في خدمة خالقه" بقلب سليم" من الشك و الشرك و الرياء و العجب و الحقد و العداوة و النفاق، فإنها من أمراض القلب قال تعالى:" فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ"" لا يحب أن يأتي إلى أحد" من قبل الله أو من قبله أو الأعم" إلا مثل ما يؤتى إليه" كان المناسب للمعنى المذكور ما ذكرنا" أن يأتي إليه" على المعلوم و كان الظرف فيهما مقدر و التقدير لا يحب أن يأتي إلى أحد بشيء إلا مثل ما يؤتى به إليه، و يؤيده أنه روي في مشكاة الأنوار نقلا من المحاسن عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) أنه سأله علي بن سويد المدني عن التواضع الذي إذا فعل العبد كان متواضعا؟ فقال: التواضع درجات منها أن يعرف المرء قدر نفسه فينزلها منزلتها بقلب سليم، و لا يحب أن يأتي إلى أحد إلا مثل ما يأتون إليه، إلى آخر الخبر. و يمكن أن يقرأ على بناء التفعيل في الموضعين من قولهم أتيت الماء تأتيه و تأتيا أي سهلت سبيله ليخرج إلى موضع، ذكره الجوهري لكنه بعيد" درأها" أي دفعها" بالحسنة" أي بالخصلة أو المداراة أو الموعظة الحسنة إشارة إلى قوله تعالى:" وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ" قال البيضاوي: يدفعونها بها فيجازون الإساءة بالإحسان أو يتبعون الحسنة السيئة فتمحوها.
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ التَّوَاضُعِ