عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسَانِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً زَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا وَ فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ وَ بَصَّرَهُ عُيُوبَهَا وَ مَنْ أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ قَالَ لَمْ الحديث التاسع: حسن كالصحيح. و قال في النهاية: فيه أنه مر بجدي أسك، أي مصطلم الأذنين مقطوعهما، و في القاموس: السكك محركة الصمم و صغر الأذن و لزوقها بالرأس و قلة أشرافها أو صغر قوف الأذن و ضيق الصماخ يكون في الناس و غيرهم و سككت و هو أسك و هي سكاء. و أقول: روى مسلم في صحيحه هذا الحديث بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) مر بالسوق فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بإذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء و ما نصنع به؟ قال: تحبون أنه لكم؟ قالوا: و الله لو كان حيا كان عيبا فيه لأنه أسك فكيف و هو ميت؟ فقال: فو الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم، و المزبلة بفتح الباء و الضم لغة: موضع يلقى فيه الزبل بالكسر و هو السرقين. الحديث العاشر: ضعيف. " و بصره عيوبها" أي الدنيا" و من أوتيهن" أي تلك الخصال الثلاث و فيه إشعار بأنه لا يتيسر إلا بتوفيق الله تعالى" فَقَدْ أُوتِيَ" كأنه إشارة إلى قوله تعالى:" وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً" فالحكمة العلم بالدين أصوله و فروعه و بعيوب يَطْلُبْ أَحَدٌ الْحَقَّ بِبَابٍ أَفْضَلَ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَ هُوَ ضِدٌّ لِمَا طَلَبَ أَعْدَاءُ الْحَقِّ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مِمَّا ذَا قَالَ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَ قَالَ أَ لَا مِنْ صَبَّارٍ كَرِيمٍ فَإِنَّمَا الدنيا و الزهد فيها" لم يطلب أحد الحق" أي الدين الحق" بباب" أي بسبب و وسيلة أفضل من ترك الدنيا، فإنه ليس الباعث لاختيار الباطل مع وضوح الحق و ظهوره إلا حب الدنيا فإنها غالبا مع أهل الباطل، و يمكن تعميم الحق في كل حكم و مسألة فإن الأغراض الدنيوية تعمى القلب عن الحق، أو المراد بالحق الرب تعالى أي قربه و وصاله" و هو" أي الزهد" ضد لما طلب أعداء الحق" و قوله: مما ذا، طلب لبيان ما طلبه أعداء الحق فبين (عليه السلام) بقوله: من الرغبة فيها، و الرغبة و إن كانت عين الطلب لكن جعلها مطلوبهم مبالغة. و يحتمل أن يكون ما في قوله لما طلب مصدرية فلا يكون هنا للبيان بل للتعليل كما سيأتي، و يحتمل أن يكون ضمير هو راجعا إلى الحق أي الحق ضد لمطلوب أعداء الحق فمن في قوله: مما للتعليل" و ما ذا" للاستفهام أي لأي علة صار ضد الحق مطلوبهم، قال: لرغبتهم في الدنيا، و قيل: أي مما ذا طلب أعداء الحق مطلوبهم، و الهمزة في ألا للاستفهام و لا للنفي، و من زائدة لعموم النفي، و المعنى أ لا يوجد صبار كريم النفس يصبر عن الدنيا و على فقرها و شدتها و يزهد فيها؟ و قد يقرأ صبار بكسر الصاد و تخفيف الباء مصدر باب المفاعلة مضافا إلى كريم، و قرأ بعضهم إلا بالتشديد استثناء من الرغبة فيها، أي إلا أن تكون الرغبة فيها من صبار كريم يطلبها من طرق الحلال و يصبر عن الحرام و على إخراج الحقوق المالية و إعانة الفقراء فإن الرغبة في هذه الدنيا إنما هي للآخرة و أول الوجوه أظهرها. ثم رغب (عليه السلام) في الزهد و سهل تحصيله بقوله: فإنما هي، أي الدنيا" أيام قلائل" و هي أيام العمر فالصبر على ترك الشهوات و تحمل الملاذ فيها سهل يسير هِيَ أَيَّامٌ قَلَائِلُ أَلَا إِنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَجِدُوا طَعْمَ الْإِيمَانِ حَتَّى تَزْهَدُوا فِي الدُّنْيَا قَالَ وَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)يَقُولُ إِذَا تَخَلَّى الْمُؤْمِنُ مِنَ الدُّنْيَا سَمَا وَ وَجَدَ حَلَاوَةَ سيما إذا كان مستلزما للراحة الطويلة الدائمة" ألا إنه" ألا حرف تنبيه و شبه حصول الإيمان الكامل في القلب بحيث يظهر أثره في الجوارح بإدراك طعم شيء لذيذ مع أن اللذات الروحانية أعظم من اللذات الجسمانية. قوله: إذا تخلى المؤمن من الدنيا، أي جعل نفسه خالية من حب الدنيا و قطع تعلقه بها أو تفرغ للعبادة مجتنبا من الدنيا و معرضا عنها، قال في النهاية: أن تقول أسلمت وجهي إلى الله و تخليت، التخلي التفرغ، يقال: تخلى للعبادة و هو تفعل من الخلو و المراد التبرؤ من الشرك و عقد القلب على الإيمان، و قال: السمو العلو يقال: سما يسمو سموا فهو سام، و يقال: فلان يسمو إلى المعالي إذا تطاول إليها، انتهى. أي ارتفع من حضيض النقص إلى أوج الكمال، أو مال و ارتفع إلى عالم الملكوت و ارتفعت همته عن التدنس بما في عالم الناسوت" كأنه قد خولط" قال في القاموس: خالطه مخالطة و خلاطا: مازجه و الخلاط بالكسر أن يخالط الرجل في عقله و قد خولط، و في النهاية فيه: ظن الناس أن قد خولطوا و ما خولطوا و لكن خالط قلبهم هم عظيم يقال: خولط فلان في عقله إذا اختل عقله، فقوله: خولط بهذا المعنى و خالط بمعنى الممازجة، و هذا أعلى درجات المحبين حيث استقر حب الله تعالى في قلوبهم و أخرج حب كل شيء غيره منها فلا يلتفتون إلى غيره تعالى و يتركون معاشرة عامة الخلق لمباينة طوره أطوارهم فهم يعدونه سفيها مخالطا كما نسبوا الأنبياء (عليهم السلام) إلى الجنون لذلك. حُبِّ اللَّهِ وَ كَانَ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا كَأَنَّهُ قَدْ خُولِطَ وَ إِنَّمَا خَالَطَ الْقَوْمَ حَلَاوَةُ حُبِّ اللَّهِ فَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِهِ قَالَ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ الْقَلْبَ إِذَا صَفَا ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ حَتَّى يَسْمُوَ " إن القلب إذا صفا" أي إن القلب أي الروح الإنساني لما كان من عالم الملكوت و إنما أهبط إلى هذا العالم الأدنى و ابتلي بالتعلق بالبدن لتحصيل الكمالات و حيازة السعادات كما أن الثوب قد يلوث ببعض الكثافات ليصير بعد الغسل أشد بياضا و أصفى مما كان، فإذا اختار الشقاوة و تشبث بهذه العلائق الجسمانية و الشهوات الظلمانية لحق بالأنعام بل هو أضل سبيلا و إن تمسك بعروة الشريعة الحقة و عمل بالنواميس الإلهية و الرياضات البدنية، حتى انفتح له عين اليقين فنظر إلى الدنيا و لذاتها بتلك العين الصحيحة رآها ضيقة مظلمة فانية موحشة غدارة غرارة ملوثة بأنواع النجاسات المعنوية و الصفات الدنية، استوحش منها و تذكر عالمه الأصلي فرغب إليها و تعلق بها فجانب المتعلقين بهذا العالم و أنس بالمتعلقين بالملأ الأعلى فلحق بهم، و ضاقت به الأرض و صارت همته رفيعة عالية فلم يرض إلا بالصعود إلى سدرة المنتهى و جنة المأوى، فهم مع كونهم بين الخلق أرواحهم معلقة بالملأ الأعلى، و يستصعدون بقرب المولى. أو يقال: لما كانت الأرض أعظم أجزاء الإنسان و كانت قواه الظاهرة و الباطنة مائلة إليها بالطبع لكمال النسبة بينهما كانت الدواعي إلى زهراتها حاضرة و البواعث إلى لذاتها ظاهرة فربما اشتغل بها و اكتسب الأخلاق و الأعمال الفاسدة لتحصيل المقاصد حتى تصير النفس تابعة لها راضية بأثرها مشعوفة بعملها متكدرة بالشهوات منغمسة في اللذات فتحب الاستقرار في الأرض و تركن إليها، و أما إذا منعت تلك القوي عن مقتضاها و صرفتها عن هواها و روضتها بمقامع الشريعة و أدبتها بآداب الطريقة حتى غلبت عليها و صفت عن كدوراتها و طهرت عن خبائث لذاتها و تحلت بالأخلاق الفاضلة و الأعمال الصالحة و الآداب السنية و الأطوار الرضية ضاقت
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ ذَمِّ الدُّنْيَا وَ الزُّهْدِ فِيهَا