عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)إِنَّ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا إِضْرَاراً بِالْآخِرَةِ وَ فِي طَلَبِ الْآخِرَةِ إِضْرَاراً بِالدُّنْيَا فَأَضِرُّوا بِالدُّنْيَا فَإِنَّهَا أَوْلَى بِالْإِضْرَارِ الحديث الثاني عشر: حسن موثق كالصحيح. و يومي إلى أن المذموم من الدنيا ما يضر بأمر الآخرة فأما ما لا يضر به كقدر الحاجة في البقاء و التعيش فليس بمذموم، و لنذكر هنا معنى الدنيا و ما هو مذموم منها فإن ذلك قد اشتبه على أكثر الخلق فكثير منهم يسمون أمرا حقا بالدنيا و يذمونه، و يختارون شيئا هو عين الدنيا المذمومة و يسمونه زهدا و يشبهون ذلك على الجاهلين. اعلم أن الدنيا تطلق على معان:" الأول" حياة الدنيا و هي ليست بمذمومة على الإطلاق و ليست مما يجب بغضه و تركه بل المذموم منها أن يحب البقاء في الدنيا للمعاصي و الأمور الباطلة، أو يطول الأمل فيها و يعتمد عليها فبذلك يسوف التوبة و الطاعات و ينسى الموت و يبادر بالمعاصي و الملاهي اعتمادا على أنه يتوب في آخر عمره عند مشيبه و لذلك يجمع الأموال الكثيرة و يبني الأبنية الرفيعة و يكره الموت لتعلقه بالأموال و حبه للأزواج و الأولاد، و يكره الجهاد و القتل في سبيل الله لحبه للبقاء أو يترك الصوم و قيام الليل و أمثال ذلك لئلا يصير سببا لنقص عمره. و الحاصل أن من يحب العيش و البقاء و العمر للأغراض الباطلة فهو مذموم و من يحبه للطاعات و كسب الكمالات و تحصيل السعادات فهو ممدوح و هو عين الآخرة فلذا طلب الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) طول العمر و البقاء في الدنيا و قد قال سيد الساجدين (عليه السلام): عمرني ما كان عمري بذلة في طاعتك فإذا كان عمري مرتعا للشيطان فاقبضني إليك، و لو لم يكن الكون في الدنيا صلاحا للعباد لتحصيل الذخائر للمعاد لما أسكن الله الأرواح المقدسة في تلك الأبدان الكثيفة كما أومأنا إليه سابقا. و قد روى السيد في النهج أن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) سمع رجلا يذم الدنيا: فقال أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها المنخدع بأباطيلها أ تغتر بالدنيا ثم تذمها أ أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك، متى استهوتك أم متى غرتك أ بمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بكفيك و كم مرضت بيديك تبغي لهم الشفاء و تستوصف لهم الأطباء لم ينفع أحدهم إشفاقك و لم تسعف فيه بطلبتك و لم تدفع عنهم بقوتك قد مثلت لك به الدنيا نفسك و بمصرعه مصرعك، إن الدنيا دار صدق لمن صدقها و دار عافية لمن فهم عنها و دار غنى لمن تزود منها، و دار موعظة لمن اتعظ بها، مسجد أحباء الله و مصلى ملائكة الله و مهبط وحي الله و متجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة و ربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمها و قد آذنت ببينها و نادت بفراقها و نعت نفسها و أهلها، فمثلت لهم ببلائها البلاء و شوقتهم بسرورها السرور، راحت بعافية و ابتكرت بفجيعة ترغيبا و ترهيبا و تخويفا و تخديرا، فذمها رجال غداة الندامة، و حمدها آخرون يوم القيامة، ذكرتهم الدنيا فذكروا و حدثتهم فصدقوا، و وعظتهم فاتعظوا. و قد أوردت هذه الخطبة أبسط من ذلك في الكتاب الكبير و كفى بها مصدقا لما ذكرنا، و روى العياشي عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى:" وَ لَنِعْمَ دٰارُ الْمُتَّقِينَ" قال: الدنيا الثاني: الدينار و الدرهم و أموال الدنيا و أمتعتها، و هذه أيضا ليست مذمومة بأسرها بل المذموم منها ما كان من حرام أو شبهة أو وسيلة إليها، و ما يلهى عن ذكر الله و يمنع عبادة الله أو يحبها حبا لا يبذلها في الحقوق الواجبة و المستحبة، و في سبل طاعة الله كما مدح الله تعالى جماعة حيث قال:" رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ إِقٰامِ الصَّلٰاةِ وَ إِيتٰاءِ الزَّكٰاةِ". و بالجملة المذموم من ذلك الحرص عليها و حبها و شغل القلب بها و البخل بها في طاعة الله و جعلها وسيلة لما يبعد عن الله، و أما تحصيلها لصرفها في مرضات الله و تحصيل الآخرة بها فهي من أفضل العبادات و موجبة لتحصيل السعادات. و قد روي في الصحيح عن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا لنحب الدنيا فقال لي: تصنع بها ما ذا؟ قلت: أتزوج منها و أحج و أنفق على عيالي و أنيل إخواني و أتصدق، قال لي: ليس هذا من الدنيا، هذا من الدنيا، هذا من الآخرة، و قد روي: نعم المال الصالح للعبد الصالح و نعم العون الدنيا علي الآخرة، و سيأتي بعض الأخبار في ذلك في أبواب المكاسب إنشاء الله تعالى. الثالث: التمتع بملاذ الدنيا من المأكولات و المشروبات و المنكوحات و الملبوسات و المركوبات و المساكن الواسعة و أشباه ذلك و قد وردت أخبار كثيرة في استحباب التلذذ بكثير من ذلك ما لم يكن مشتملا على حرام أو شبهة أو إسراف و تبذير، و في ذم تركها و الرهبانية و قد قال تعالى:" قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ". فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي يظهر من مجموع الآيات و الأخبار على ما نفهمه أن الدنيا المذمومة مركبة من مجموع أمور يمنع الإنسان من طاعة الله سبحانه و قربه فهو من الآخرة و إن كان بحسب الظاهر من أعمال الدنيا كالتجارات و الصناعات و الزراعات التي يكون المقصود منها تحصيل المعيشة للعيال لأمره تعالى به و صرفها في وجوه البر و إعانة المحتاجين و الصدقات و صون الوجه عن السؤال و أمثال ذلك، فإن هذه كلها من أعمال الآخرة و إن كان عامة الخلق يعدونها من الدنيا، و الرياضات المبتدعة و الأعمال الريائية و إن كان مع الترهب و أنواع المشقة فإنها من الدنيا لأنها مما يبعد عن الله و لا يوجب القرب إليه كأعمال الكفار و المخالفين، فرب مترهب متقشف يعتزل الناس و يعبد الله ليلا و نهارا و هو أحب الناس للدنيا، و إنما يفعل ذلك ليخدع الناس و يشتهر بالزهد و الورع، و ليس في قلبه إلا جلب قلوب الناس و يحب المال و الجاه و العزة و جميع الأمور الباطلة أكثر من سائر الخلق، و جعل ترك الدنيا ظاهرا مصيدة لتحصيلها و رب تاجر طالب الأجر لا يعده الناس شيئا و هو من الطالبين للآخرة لصحة نيته و عدم حبه للدنيا. و جملة القول في ذلك: أن المعيار في العلم بحسن الأشياء و قبحها و ما يحب فعلها و تركها الشريعة المقدسة و ما صدر في ذلك عن أهل بيت العصمة (صلوات الله عليهم)، فما علم من الآيات و الأخبار أن الله تعالى أمر به و طلبه من عباده سواء كان صلاة أو صوما أو حجا أو تجارة أو زراعة أو صناعة أو معاشرة للخلق أو عزلة أو غيرها و عملها بشرائطها و آدابها بنية خالصة فهي من الآخرة. و ما لم يكن كذلك فهو الدنيا المذمومة المبعدة عن الله و عن الآخرة، و هي على أنواع: فمنها ما هو حرام و هو ما يستحق به العقاب سواء كان عبادة مبتدعة أو رياء و سمعة أو معاشرة الظلمة أو ارتكاب المناصب المحرمة أو تحصيل الأموال من الحرام أو للحرام، و غير ذلك مما يستحق به العقاب، و منها ما هو مكروه كارتكاب الأفعال و الأعمال و المكاسب المكروهة و كتحصيل الزوائد من الأموال و المساكن و المراكب و غيرها مما لم تكن وسيلة لتحصيل الآخرة و تمنع من تحصيل السعادات الأخروية و منها ما هو مباح كارتكاب الأعمال التي لم يأمر الشارع بها و لم ينه عنها إذا لم
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ ذَمِّ الدُّنْيَا وَ الزُّهْدِ فِيهَا