عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقْبَةَ الْأَزْدِيِّ عَنْ " ما لي و للدنيا" أي أي شغل لي مع الدنيا، و قيل:" ما" نافية أي ما لي محبة مع الدنيا أو للاستفهام أي أي محبة لي معها حتى أرغب فيها ذكره الطيبي في شرح بعض رواياتهم" و ما أنا و الدنيا" أي أي مناسبة بيني و بين الدنيا، و من طريق العامة روي عن ابن مسعود أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نام على حصير فقام و قد أثر في جسده فقالوا: لو أمرتنا أن نبسط لك و نعمل؟ فقال: ما لي و للدنيا و ما أنا و الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح و تركها. أقول: وجه الشبه سرعة الرحيل و قلة المكث و عدم الرضا به وطنا، و قال الكرماني في شرح البخاري: فيه فرفعت لنا صخرة أي ظهرت لأبصارنا، و فيه أيضا فرفع لي البيت المعمور، أي قرب و كشف و عرض و قال الجوهري: يوم صائف أي حار و ليلة صائفة و ربما قالوا: يوم صاف بمعنى صائف، كما قالوا: يوم راح" فقال" القائلة الظهيرة، يقال: أتانا عند القائلة، و قد يكون بمعنى القيلولة أيضا، و هي النوم في الظهيرة تقول: قال يقيل قيلولة و قيلا و مقيلا و هو شاذ فهو قائل، و في المصباح: راح يروح رواحا و تروح مثله، يكون بمعنى الغدو و بمعنى الرجوع، و قد يتوهم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، و ليس كذلك بل الرواح و الغدو عند العرب يستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار، و قال ابن فارس: الرواح رواح العشي و هو من الزوال إلى الليل. الحديث العشرون: مجهول. قال في المصباح: القز معرب، قال الليث: هو ما يعمل منه الإبريسم، و لهذا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(عليه السلام)مَثَلُ الْحَرِيصِ عَلَى الدُّنْيَا كَمَثَلِ دُودَةِ الْقَزِّ كُلَّمَا ازْدَادَتْ عَلَى نَفْسِهَا لَفّاً كَانَ أَبْعَدَ لَهَا مِنَ الْخُرُوجِ حَتَّى تَمُوتَ غَمّاً قَالَ وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)كَانَ فِيمَا وَعَظَ بِهِ لُقْمَانُ ابْنَهُ يَا بُنَيَّ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا قَبْلَكَ لِأَوْلَادِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ مَا جَمَعُوا وَ لَمْ يَبْقَ مَنْ جَمَعُوا لَهُ وَ إِنَّمَا أَنْتَ عَبْدٌ مُسْتَأْجَرٌ قَدْ أُمِرْتَ بِعَمَلٍ وَ وُعِدْتَ عَلَيْهِ أَجْراً فَأَوْفِ عَمَلَكَ وَ اسْتَوْفِ أَجْرَكَ وَ لَا تَكُنْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ شَاةٍ وَقَعَتْ فِي زَرْعٍ أَخْضَرَ فَأَكَلَتْ حَتَّى سَمِنَتْ فَكَانَ حَتْفُهَا عِنْدَ سِمَنِهَا وَ لَكِنِ اجْعَلِ الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ قَنْطَرَةٍ عَلَى نَهَرٍ جُزْتَ عَلَيْهَا وَ تَرَكْتَهَا وَ لَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهَا آخِرَ الدَّهْرِ أَخْرِبْهَا وَ لَا تَعْمُرْهَا فَإِنَّكَ لَمْ تُؤْمَرْ بِعِمَارَتِهَا وَ اعْلَمْ أَنَّكَ سَتُسْأَلُ غَداً إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ أَرْبَعٍ شَبَابِكَ فِيمَا أَبْلَيْتَهُ وَ عُمُرِكَ فِيمَا أَفْنَيْتَهُ وَ مَالِكَ مِمَّا اكْتَسَبْتَهُ وَ فِيمَا أَنْفَقْتَهُ فَتَأَهَّبْ لِذَلِكَ وَ أَعِدَّ لَهُ قال بعضهم: القز الإبريسم، مثل الحنطة و الدقيق، انتهى. " و لفا" تميز عن نسبة ازدادت، و غما مفعول له أو حال" فلم يبق ما جمعوا" في بعض النسخ ما جمعوا له، و كأنه زيد" له" من النساخ، و على تقديره كان المعنى لم تبق الأغراض و المطالب الباطلة التي جمعوا لها الدنيا كالجاه و العزة و الغلبة و الفخر و أمثالها" فكان حتفها" أي هلاكها المعنوي فإن التمتع بالمستلذات الجسمانية موجب لقوة القوى الشهوانية و طغيانها، و هذا استعارة تمثيلية شبه توسع الإنسان في لذات الدنيا و شهواتها و عدم مبالاته بحرامها و شبهاتها و ابتلائه بعد الموت بعقوباتها بشاة وقعت في زرع أخضر فأكلت منها حيث شاءت و كيف شائت بلا مانع حتى إذا سمنت قتلها صاحبها لسمنها. " آخر الدهر" أي إلى آخر الزمان أي أبدا" أخربها" أي دعها خرابا بترك ما لا تحتاج إليه من المطاعم و المشارب و الملابس و المناكح و المساكن، و الاقتصار على القدر الضروري في كل منها" ستسأل" قيل: السين لمحض التأكيد" فيما أبليته" كلمة" ما" في المواضع الأربعة استفهامية و إثبات الألف مع حرف الجر فيها شاذ، و الثوب البالي هو الذي استعمل حتى أشرف على الاندراس. ثم إن العمر لا يستلزم القوة و الشباب، فكل منهما نعمة يسأل عنها، و مع الاستلزام أيضا تكفي المغايرة للسؤال عن كل منهما و أما السؤال عن المال إما لغير المؤمنين أو لغير الكاملين منهم، لما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما كتب إلى أهل مصر: من عمل لله أعطاه الله أجره في الدنيا و الآخرة و كفاه المهم فيهما، و قد قال الله تعالى:" يٰا عِبٰادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هٰذِهِ الدُّنْيٰا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةٌ إِنَّمٰا يُوَفَّى الصّٰابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ" فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة، قال الله تعالى:" لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنىٰ وَ زِيٰادَةٌ" و الحسنى هي الجنة، و الزيادة هي الدنيا. و روى البرقي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ثلاثة أشياء لا يحاسب العبد المؤمن عليهن: طعام يأكله، و ثوب يلبسه، و زوجة صالحة تعاونه و يحصن بها فرجه و قد وردت أخبار كثيرة في تفسير قوله تعالى:" لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ" أن النعيم ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، و قد روى العياشي و غيره أنه سأل أبو حنيفة أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الآية فقال له: ما النعيم عندك يا نعمان؟ قال: القوت من الطعام و الماء البارد، فقال: لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولن وقوفك بين يديه؟ قال: فما النعيم جعلت فداك؟ قال: نحن أهل بيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد، الخبر. و يمكن أن يقال: السؤال عن المال اكتسبه من حلال أو حرام أو أنفقه في حلال جَوَاباً وَ لَا تَأْسَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّ قَلِيلَ الدُّنْيَا لَا يَدُومُ بَقَاؤُهُ وَ كَثِيرَهَا لَا يُؤْمَنُ بَلَاؤُهُ فَخُذْ حِذْرَكَ وَ جِدَّ فِي أَمْرِكَ وَ اكْشِفِ الْغِطَاءَ عَنْ وَجْهِكَ وَ تَعَرَّضْ أو حرام، لا ينافي عدم محاسبتهم على ما أنفقوه في الحلال من مأكلهم و مسكنهم و ملبسهم و نحو ذلك، أو المراد بتلك الأخبار أنهم لا يعاتبون بذلك و لا يقاص من حسناتهم بها، فلا ينافي أصل المحاسبة كما روى الشيخ في مجالسه بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: يوقف العبد بين يدي الله فيقول: قيسوا بين نعمتي عليه و بين عمله، فتستغرق النعم العمل، فيقولون: قد استغرق النعم العمل، فيقول: هبوا له نعمتي و قيسوا بين الخير و الشر منه فإن استوى العملان أذهب الله الشر بالخير، و أدخله الجنة و إن كان له فضل أعطاه الله بفضله، و إن كان عليه فضل و هو من أهل التقوى و لم يشرك بالله تعالى، و اتقى الشرك به فهو من أهل المغفرة يغفر الله له برحمته إن شاء و يتفضل عليه بعفوه. و قال الجوهري: تأهب استعد و أهبه الحرب عدتها و قال: الأسي مفتوح مقصور: الحزن، و أسى على مصيبته بالكسر يأسى أسى أي حزن" لا يدوم بقاؤه" و العاقل لا يتأسف بفوات قليل لا بقاء له. " لا يؤمن بلاؤه" أي في الدنيا و الآخرة، و العاقل لا يتأسف بفوت ما يتوقع منه الضرر و البلية، مع أن الرب الذي فوتها عليه أعلم بمصلحته، أو المعنى لا تحزن على ما لم يصل إليك من الدنيا فإن الصبر على قليل الدنيا و قلته سهل فإنه لا يدوم و ينقضي قريبا بالموت، و الكثرة محل الآفات" فخذ حذرك" بالكسر أي ما تحذر به من مكائد النفس و الشيطان في الدنيا و العذاب في الآخرة قال الراغب في قوله تعالى:" خُذُوا حِذْرَكُمْ" أي ما فيه الحذر من السلاح و غيره" و جد في أمرك" أي في تهيئة سفر الآخرة و الاستعداد للقاء الله من العقائد الحسنة و الأعمال الصالحة لِمَعْرُوفِ رَبِّكَ وَ جَدِّدِ التَّوْبَةَ فِي قَلْبِكَ وَ اكْمُشْ فِي فَرَاغِكَ قَبْلَ أَنْ يُقْصَدَ قَصْدُكَ وَ يُقْضَى و الأخلاق المرضية فإن من أراد سفرا يأخذ الأسلحة لدفع ضرر الطريق و يجهز و يهيئ ما يحتاج إليه في ذلك السفر" و اكشف الغطاء عن وجهك" أي ارفع غطاء الغفلة عن وجه قلبك لتميز بين الحق و الباطل و الفاني و الباقي أو عن الجهة التي تتوجه إليه، و الطريق الذي تسلكه لئلا يشتبه عليك فتسلك طريقا يؤديك إلى النار و أنت لا تعلم" و تعرض لمعروف ربك" بما به تستحق إحسانه و تفضله عليك من صالح النيات و الأعمال. " و جدد التوبة في قلبك" أي كلما ذكرت معاصيك، و في النسبة إلى القلب إشعار بأن التوبة أمر قلبي و هي الندامة عما مضى و العزم على عدم الإتيان بمثله فيما سيأتي، و فيه دلالة على حسن تكرار التوبة و إن كانت عن معصية واحدة" و اكمش" أي أسرع و عجل، في الصحاح: الكمش الرجل السريع الماضي، و قد كمش بالضم كماشة فهو كمش و كميش و كمشته تكميشا أعجلته، و انكمش أسرع، انتهى. " في فراغك" أي في أن تفرغ من الأمور التي تحتاج إليه في الآخرة أو في فراغك من الدنيا و جعلك نفسك فارغة منها للآخرة أو في قصدك إلى الآخرة أو أسرع في العمل في أيام فراغك قبل أن تشتغل أو تبتلي بشيء يمنعك عنه، فإن الفراغ خلاف الشغل، قال في المصباح: فرغ من الشغل فروغا من باب قعد، و من باب تعب لغة لبني تميم و الاسم الفراغ، و فرغت للشيء و إليه قصدت. أقول: و يؤيد المعنى الأخير ما روي في مجالس الشيخ عن ابن عمر: خذ من حياتك لموتك، و خذ من صحتك لسقمك، و خذ من فراغك لشغلك، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا، و ما رواه الصدوق في مجالسه عن الكاظم عن آبائه (عليهم السلام) قَضَاؤُكَ وَ يُحَالَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ مَا تُرِيدُ
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ ذَمِّ الدُّنْيَا وَ الزُّهْدِ فِيهَا