عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ يَعِظُهُ أُوصِيكَ وَ نَفْسِي بِتَقْوَى مَنْ لَا تَحِلُّ مَعْصِيَتُهُ وَ لَا يُرْجَى غَيْرُهُ وَ لَا الْغِنَى إِلَّا بِهِ فَإِنَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ وَ قَوِيَ وَ شَبِعَ وَ رَوِيَ وَ رُفِعَ عَقْلُهُ عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا فَبَدَنُهُ مَعَ أَهْلِ الدُّنْيَا وَ قَلْبُهُ وَ عَقْلُهُ مُعَايِنُ الْآخِرَةِ فَأَطْفَأَ بِضَوْءِ قَلْبِهِ مَا أَبْصَرَتْ عَيْنَاهُ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا فَقَذِرَ المغرورون بها، الغافلون عن مضارها و ضرر الحية عندهم أشد و أبين. الحديث الثالث و العشرون: ضعيف. و قال الراغب: الوعظ: خبر مقترن بتخويف و قال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب و العظة و الموعظة الاسم، و قال: الوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم أرض واصية متصلة النبات يقال: أوصاه و وصاه" فإن من اتقى الله" علة للوصية" عز" أي بعزة واقعية ربانية لا تزول بإزلال الناس، كما قال تعالى وَ لِلّٰهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ" و قوي بقوة معنوية إلهية، و لا تشبه القوي البدنية كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية بل بقوة ربانية" و شبع و روي" من غير اكتساب لقوله تعالى: " وَ مَنْ يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَحْتَسِبُ" أو شبع بالعلوم اللدنية، و ارتوى بزلال الحكمة الإلهية" و رفع عقله" على بناء المجهول" عن أهل الدنيا" أي صار عقله أرفع من عقولهم أو أرفع من أن ينظر إلى الدنيا و أهلها و يلتفت إليهم و يعتني بشأنهم إلا لهدايتهم و إرشادهم" فبدنة مع أهل الدنيا" لكونه من جنس أبدانهم في الصورة الجسدانية" و قلبه و عقله" لشدة يقينه" معائن الآخرة" لتخليه عن العلائق الجسمانية" من حب الدنيا" من للبيان أو للتبعيض، و إسناد الإبصار حَرَامَهَا وَ جَانَبَ شُبُهَاتِهَا وَ أَضَرَّ وَ اللَّهِ بِالْحَلَالِ الصَّافِي إِلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كِسْرَةٍ مِنْهُ يَشُدُّ بِهَا صُلْبَهُ وَ ثَوْبٍ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنْ أَغْلَظِ مَا يَجِدُ وَ أَخْشَنِهِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ثِقَةٌ وَ لَا رَجَاءٌ فَوَقَعَتْ ثِقَتُهُ وَ رَجَاؤُهُ عَلَى خَالِقِ الْأَشْيَاءِ فَجَدَّ وَ اجْتَهَدَ وَ أَتْعَبَ إلى الحب علي المجاز، أو المصدر بمعنى المفعول أو هو بالكسر، قال في القاموس: الحب بالكسر المحبوب شبه (عليه السلام) ما أبصره أو أحبه بالنار في الإهلاك استعارة مكنية و نسبة الإطفاء إليه تخييلية" فقذر حرامها" أي عده قذرا نجسا يجب اجتنابه أو كرهه، في الصحاح: القذر ضد النظافة و شيء قدر بين القذارة و قذرت الشيء بالكسر و تقذرته و استقذرته إذا كرهته. " و جانب شبهاتها" و هي المشبهات بالحرام مع عدم العلم بكونها حراما كأموال الظلمة فيكون مكروها على المشهور، أو الذي اشتبه عليه الحكم فيه فاجتنابه مستحب على المشهور و كأنه (عليه السلام) لذلك غير التعبير فعبر هنا بالاجتناب، و في الحرام بالحكم بالقذارة" و أضر" على بناء المعلوم كناية عن تركه و عدم الاعتناء به، و ترك الالتفات إليه، أو على بناء المجهول أي يعد نفسه متضررة به أو يتضرر به لعلو حاله" بالحلال الصافي" من الشبهة فكيف بالحرام و الشبهة. و في المصباح: الكسرة القطعة من الشيء المكسور و منه الكسرة من الخبز، و في القاموس: الكسرة القطعة من الشيء المكسور، و الجمع كسر، انتهى. " يشد بها صلبه" أي يقوي بها على العبادة" من أغلظ ما يجد" ظاهره استحباب الاكتفاء بالثياب الخشنة و إن كان قادرا على الناعمة و هو مخالف لأخبار كثيرة إلا أن يحمل على أن المراد به من الأغلظ الذي يجده أي إذا لم يجد غيره أو على ما إذا لم يجد غيره إلا بارتكاب الحرام و الشبهة أو بصرف جل أوقاته في تحصيله، بحيث يمنعه عن النوافل و فواضل الطاعات، أو على ما إذا علم أنه يصير سببا لطغيانه و إن علاج كبره و صفاته الذميمة منحصر في ذلك" ثقة و لا رجاء" أي بغيره سبحانه كما بَدَنَهُ حَتَّى بَدَتِ الْأَضْلَاعُ وَ غَارَتِ الْعَيْنَانِ فَأَبْدَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ قُوَّةً فِي بَدَنِهِ وَ شِدَّةً بينه في الفقرة الآتية. و في المصباح: الجد بالكسر الاجتهاد و هو مصدر يقال منه: جد يجد من بابي ضرب و قتل و الاسم الجد بالكسر" و أتعب بدنه" أي بالعبادات الشرعية لا الأعمال المبتدعة" فأبدل الله له" لأنه تعالى قال:" لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ". فمن بذل ما أعطاه الله من الأموال الفانية عوضه الله من الأموال الباقية أضعافها، و من بذل قوته البدنية في طاعة الله أبد له الله قوة روحانية لا يفنى في الدنيا و الآخرة فتبدو منه المعجزات و خوارق العادات و الكرامات و ما لا يقدر عليه بالقوى الجسمانية، و من بذل علمه في الله و عمل به ورثه الله علما لدنيا يزيد في كل ساعة، و من بذل عزه الفاني الدنيوي في رضا الله تعالى أعطاه الله عزا حقيقيا لا يتبدل بالذل أبدا، كما أن الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) لما بذلوا عزهم الدنيوي في سبيل الله أعطاهم الله عزة في الدارين، لا يشبه عز غيرهم فيلوذ الناس بقبورهم و ضرائحهم المقدسة، و الملوك يعفرون وجوههم على أعتابهم و يتبركون بذكرهم، و من بذل حياته البدنية في الجهاد في سبيله عوضه حياة أبدية يتصرفون بعد موتهم في عوالم الملك و الملكوت، و قد قال تعالى:" وَ لٰا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ" و من بذل نور بصره و سمعه في الطاعة أعطاه الله نورا منه ينظر في ملكوت السماوات و الأرض، و به يسمع كلام الملائكة المقربين و وحي رب العالمين، كما ورد: المؤمن ينظر بنور الله، و ورد: بي يسمع و بي يبصر، و إذا تخلى من إرادته و جعلها تابعة لإرادة الله جعله الله بحيث لا يشاء إلا أن يشاء الله، و كان الله هو الذي يدبر في بدنه و قلبه و عقله و روحه، و الكلام هنا دقيق لا تفي به العبارة و البيان، و في هذا المقام تزل الأقدام. فِي عَقْلِهِ وَ مَا ذُخِرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ أَكْثَرُ فَارْفُضِ الدُّنْيَا فَإِنَّ حُبَّ الدُّنْيَا يُعْمِي وَ يُصِمُّ وَ يُبْكِمُ وَ يُذِلُّ الرِّقَابَ فَتَدَارَكْ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِكَ وَ لَا تَقُلْ غَداً أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ بِإِقَامَتِهِمْ عَلَى الْأَمَانِيِّ وَ التَّسْوِيفِ حَتَّى أَتَاهُمْ أَمْرُ اللَّهِ بَغْتَةً وَ هُمْ غَافِلُونَ فَنُقِلُوا عَلَى أَعْوَادِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمُ الْمُظْلِمَةِ الضَّيِّقَةِ وَ قَدْ أَسْلَمَهُمُ الْأَوْلَادُ وَ الْأَهْلُونَ و الرفض الترك" يعمى" أي بصر القلب من رؤية الحق كما قال تعالى:" فَإِنَّهٰا لٰا تَعْمَى الْأَبْصٰارُ وَ لٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" و يصم القلب أيضا عن سماع الحق و قبوله، و يمكن أن يراد بها عمى البصر الظاهر لعدم انتفاعه بما يرى فكأنه أعمى، و صمم السمع الظاهر لأنه لا ينتفع بما يسمع فكأنه أصم كما قال سبحانه: " خَتَمَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ وَ عَلىٰ سَمْعِهِمْ وَ عَلىٰ أَبْصٰارِهِمْ غِشٰاوَةٌ". و البكم نسبته إلى الظاهر أظهر فإنه لما لم يتكلم بالحق و بما ينفعه فكأنه أبكم، و إن أمكن حمله أيضا على لسان القلب، فإن لسان الرأس معبر عنه حقيقة" و يذل الرقاب" لأنه موجب للتذلل عند أهل الدنيا لتحصيله أو يذلها لقبول الباطل من أهله من الذل بالكسر، و هو ضد الصعوبة. " فتدارك ما بقي" التدارك ليس هنا بمعنى التلافي، و لا بمعنى التلاحق بل بمعنى الإدراك أي أدركه و لا تفوته كقوله تعالى:" لَوْ لٰا أَنْ تَدٰارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ" أي أدركته بإجابة دعائه كما قاله الطبرسي (ره)، و يحتمل أن يكون" ما بقي" ظرفا و المفعول مقدرا أي تلاف ما فات منك فيما بقي من عمرك، لكنه بعيد. " و لا تقل غدا" أي أتوب أو اعمل غدا" حتى أتاهم أمر الله" أي بالموت أو بالعذاب" بغتة" بالفتح، و قد يحرك أي فجاءة" و هم غافلون" عن إتيانه" على أعوادهم" أي كائنين على السرر و التوابيت المعمولة من الأعواد" إلى قبورهم المظلمة الضيقة" فَانْقَطِعْ إِلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ مِنْ رَفْضِ الدُّنْيَا وَ عَزْمٍ لَيْسَ فِيهِ انْكِسَارٌ وَ لَا انْخِزَالٌ أَعَانَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ عَلَى طَاعَتِهِ وَ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ لِمَرْضَاتِهِ
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ ذَمِّ الدُّنْيَا وَ الزُّهْدِ فِيهَا