الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي وَ عَظَمَتِي وَ عُلُوِّي وَ ارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوَايَ عَلَى هَوَى باب إنما لم يعنون هذا الباب لأنه قريب من الباب الأول فكأنه داخل في عنوانه لأنه فيه المنع عن إيثار هوى الأنفس و شهواتها على رضا الله تعالى، و ليس هذا الإيثار إلا لحب الدنيا و شهواتها، لكن لما لم تذكر في الخبرين ذكر الدنيا صريحا أفرد لهما بابا و ألحقه بالباب السابق. الحديث الأول: ضعيف على المشهور، و لا يضر عندي ضعف المعلى. قوله تعالى: و عزتي، العزة القوة و الشدة و الغلبة، و قيل: عزته عبارة عن كونه منزها عن سمات الإمكان و ذل النقصان، و رجوع كل شيء إليه و خضوعه بين يديه، و العظمة في صفة الأجسام كبر الطول و العرض و العمق، و في وصفه تعالى عبارة عن تجاوز قدره عن حدود العقول و الأوهام حتى لا تتصور الإحاطة بكنه حقيقته عند ذوي الأفهام و علوه علو عقلي على الإطلاق بمعنى أنه لا رتبة فوق رتبته، و ذلك لأن أعلى مراتب الكمال العقلي هو مرتبته العلية و لما كانت ذاته المقدسة مبدأ كل موجود حسي و عقلي، لا جرم كانت مرتبته أعلى مراتب العقلية مطلقا و له العلو المطلق في الوجود العاري عن الإضافة إلى شيء، و عن إمكان أن يكون فوقه ما هو أعلى منه، و هذا معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام): سبق في العلو فلا أعلى منه، و ارتفاع مكانه كناية عن عدم إمكان الإشارة إليه بالعقول و الحواس" لا يؤثر عبد هواي على هوى نفسه" المراد بهوى النفس ميلها إلى ما هو مقتضى طباعها من اللذات الحاضرة الدنيوية و الخروج عن الحدود الشرعية، و بإيثار هواه سبحانه إعراضها عن هذا الميل و رجوعها إلى ما يوجب قرب الحق تعالى و رضاه، و قد قال تعالى مخاطبا لداود (عليه السلام):" إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ وَ لٰا تَتَّبِعِ الْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ لَهُمْ عَذٰابٌ شَدِيدٌ بِمٰا نَسُوا يَوْمَ الْحِسٰابِ" فبين سبحانه أن متابعة الهوى أي ما تهوي الأنفس مخالفة لاتباع سبيل الله و سلوك طريق الحق. ثم بين أن متابعة الهوى متفرع على نسيان يوم الحساب فإن من تذكر الآخرة و نعيمها و عذابها لا يتبع الأهواء النفسانية و الدواعي الشهوانية و قال سبحانه:" فَأَمّٰا مَنْ طَغىٰ وَ آثَرَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوىٰ، وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوىٰ" فأشار إلى أن إيثار الحياة الدنيا مقابل لنهي النفس عن الهوى و اتباع الهوى إيثار الحياة الدنيا و لذاتها على الآخرة. و قال سبحانه:" أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا" و قال عز من قائل:" فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمٰا يَتَّبِعُونَ أَهْوٰاءَهُمْ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوٰاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّٰهِ" و مثله في الكتاب العزيز كثير. قوله (عليه السلام): أ لا كففت عليه ضيعته، قال في النهاية: فيه أمرت أن لا أكف شعرا و لا ثوبا يعني في الصلاة يحتمل أن يكون بمعنى المنع أي لا أمنعها من الاسترسال حال السجود، ليقعا على الأرض، و يحتمل أن يكون بمعنى الجمع أي لا يجمعهما و يضمهما، و منه الحديث: المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته، أي يجمع عليه نَفْسِهِ إِلَّا كَفَفْتُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَ ضَمَّنْتُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ رِزْقَهُ وَ كُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَةِ كُلِّ تَاجِرٍ معيشته و يضمها إليه، و قال في حديث سعد: إني أخاف على الأعناب الضيعة أي أنها تضيع و تتلف، و الضيعة في الأصل المرة من الضياع، و ضيعة الرجل في غير هذا ما يكون منه معاشه كالصنعة و التجارة و الزراعة و غير ذلك، و منه الحديث: أفشى الله عليه ضيعته أي أكثر عليه معاشه، انتهى. و أقول: هذه الفقرة تحتمل وجوها: الأول: ما ذكره في النهاية أي جمعت عليه ضيعته و معيشته، و التعدية بعلى لتضمين معنى البركة أو الشفقة و نحوهما، أو على بمعنى إلى كما أومأ إليه في النهاية فيحتاج أيضا إلى تضمين. الثاني: أن يكون الكف بمعنى المنع و على بمعنى عن و الضيعة بمعنى الضياع، أي أمنع عنه ضياع نفسه و ما له و ولده و سائر ما يتعلق به، و يؤيده أن الصدوق (ره) رواه في الخصال عن ابن الوليد عن الصفار عن الحسن بن علي بن فضال عن عاصم عن أبي عبيدة، و فيه: و كففت عنه ضيعته. الثالث: ما ذكره بعض المحققين و تبعه غيره أنه من الكفاف و هو ما يفي بمعيشته و يغنيه عن غيره، أي جعلت معيشته مباركا عليه كفافا له، و لا يخفى بعده لفظا إذ لا تساعده اللغة. قوله تعالى: و ضمنت، على صيغة المتكلم من باب التفعيل أي جعلت السماوات و الأرض ضامنتين لرزقه كناية عن تسبيب الأسباب السماوية و الأرضية له و ربما يقرأ بصيغة الغائب على بناء المجرد، و رفع السماوات و الأرض، و هو بعيد" و كنت له من وراء تجارة كل تاجر" الوراء فعال و لامه همزة عند سيبويه و أبي علي الفارسي، و ياء عند العامة، و هو من ظروف المكان بمعنى قدام و خلف، و التجارة مصدر بمعنى البيع و الشراء للنفع و قدير أدبها ما يتجر به من الأمتعة و نحوها على تسمية المفعول باسم المصدر، و هذه الفقرة أيضا تحتمل وجوها
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابٌ [ذم الدنيا و الزهد فيها