مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي وَلَّادٍ الْحَنَّاطِ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً مَا هَذَا الْإِحْسَانُ فَقَالَ الْإِحْسَانُ أَنْ تُحْسِنَ صُحْبَتَهُمَا وَ أَنْ لَا تُكَلِّفَهُمَا أَنْ يَسْأَلَاكَ شَيْئاً مِمَّا يَحْتَاجَانِ إِلَيْهِ وَ إِنْ كَانَا مُسْتَغْنِيَيْنِ أَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- لَنْ تَنٰالُوا الْبِرَّ حَتّٰى تُنْفِقُوا مِمّٰا تُحِبُّونَ قَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحديث الثالث و الثلاثون: مرسل. باب البر بالوالدين إنما قدم المصنف (قدس سره) باب صلة الرحم مع أن حق الوالدين أعظم لما أشرنا إليه من أن صلة الرحم يشمل برهما أيضا. الحديث الأول: صحيح. " وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً" أي و أحسنوا بهما إحسانا" أن تحسن صحبتهما" أي بالملاطفة و حسن البشر و طلاقة الوجه و التواضع و الترحم و غيرهما مما يوجب سرورهما، و في إلحاق الأجداد و الجدات بهما نظر" و إن كانا مستغنيين" أي يمكنهما تحصيل ما احتاجا إليه بما لهما" لَنْ تَنٰالُوا الْبِرَّ" ظاهر الخبر أن المراد بالبر في الآية بر الوالدين، و يمكن أن يكون المراد أعم منه و يكون إيرادها عليه السلام وَ أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- إِمّٰا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمٰا أَوْ كِلٰاهُمٰا فَلٰا تَقُلْ لشمولها بعمومها له. و على التقديرين الاستشهاد إما لأصل البر أو لأن إطلاق الآية شامل للإنفاق قبل السؤال و حال الغناء لعدم التقييد فيها بالفقر و السؤال، فلا حاجة إلى ما تكلفه بعض الأفاضل حيث قال: كان الاستشهاد بالآية الكريمة أنه على تقدير استغنائهما عنه لا ضرورة داعية إلى قضاء حاجتهما كما أنه لا ضرورة داعية إلى الإنفاق من المحبوب، إذ بالإنفاق من غير المحبوب أيضا يحصل المطلوب إلا أن ذلك لما كان شاقا على النفس فلا ينال البر إلا به فكذلك لا ينال بر الوالدين إلا بالمبادرة إلى قضاء حاجتهما قبل أن يسألاه و إن استغنيا عنه، فإنه أشق على النفس لاستلزامه التفقد الدائم، و وجه آخر و هو أن سرور الوالدين بالمبادرة إلى قضاء حاجتهما أكثر منه بقضائها بعد الطلب كما أن سرور المنفق عليه بإنفاق المحبوب أكثر منه بإنفاق غيره، انتهى. و أقول: سيأتي في الكتاب و روى العياشي أيضا أن في قراءة أهل البيت (عليهم السلام)" ما تنفقون" بدون من فالإطلاق بل العموم أظهر، و يمكن أن يقال: على تقدير تعميم البر كما هو المشهور أنه لما استفيد من الآية أن الرجل لا يبلغ درجة الأبرار إلا إذا أنفق جميع ما يحب و لم يذكر الله المنفق عليهم، و قد ثبت أن الوالدين ممن تجب نفقته فلا بد من إنفاق كل محبوب عليهم سألوا أم لم يسألوا. قال الطبرسي (ره): البر أصله من السعة و منه البر خلاف البحر، و الفرق بين البر و الخير أن البر هو النفع الواصل إلى الغير ابتداء مع القصد إلى ذلك، و الخير يكون خيرا و إن وقع عن سهو، و ضد البر العقوق و ضد الخير الشر أي لن تدركوا بر الله لأهل الطاعة. و اختلف في البر هنا فقيل: هو الجنة عن ابن عباس و غيره، و قيل: هو لَهُمٰا أُفٍّ وَ لٰا تَنْهَرْهُمٰا قَالَ إِنْ أَضْجَرَاكَ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَ لَا تَنْهَرْهُمَا إِنْ ضَرَبَاكَ قَالَ وَ قُلْ لَهُمٰا قَوْلًا كَرِيماً قَالَ إِنْ ضَرَبَاكَ فَقُلْ لَهُمَا غَفَرَ اللَّهُ لَكُمَا الثواب في الجنة، و قيل هو الطاعة و التقوى، و قيل: معناه لن تكونوا أبرارا أي صالحين أتقياء" حَتّٰى تُنْفِقُوا مِمّٰا تُحِبُّونَ" أي حتى تنفقوا المال، و إنما كني بهذا اللفظ عن المال لأن جميع الناس يحبون المال، و قيل: معناه ما تحبون من نفائس أموالكم دون رذالها كقوله تعالى:" وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ" و قيل: هو الزكاة الواجبة و ما فرضه الله في الأموال عن ابن عباس و قيل: هو جميع ما ينفقه المرء في سبيل الخيرات، و قال بعضهم: دلهم سبحانه بهذه الآية على الفتوة فقال: لن تنالوا بري بكم إلا ببركم إخوانكم، و الإنفاق عليهم من مالكم و جاهكم و ما تحبون، فإذا فعلتم ذلك نالكم بري و عطفي. " وَ مٰا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللّٰهَ بِهِ عَلِيمٌ" فيه وجهان: أحدهما أن تقديره و ما تنفقوا من شيء فإن الله يجازيكم به قل أو كثر لأنه عليم لا يخفى عليه شيء منه، و الآخر: أن تقديره فإنه يعلمه الله موجودا على الحد الذي تفعلونه من حسن النية أو قبحها، فإن قيل: كيف قال سبحانه ذلك و الفقير ينال الجنة و إن لم ينفق؟ قيل: الكلام خرج مخرج الحث على الإنفاق و هو مقيد بالإمكان و إن أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب، و الأولى أن يكون المراد لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه حتى تنفقوا مما تحبون، انتهى. " قال إن أضجراك"" قال" كلام الراوي و فاعله الإمام (عليه السلام) أو كلام الإمام و فاعله هو الله تعالى، و كذا قال و قل و قال إن ضرباك و ما بعدهما يحتملهما، و قيل: قال في" قال إن أضجراك" كلام الراوي و جواب أما إن أضجراك بتقدير فقال فيه إن أضجراك، إذ لا يجوز حذف الفاء في جواب أما، و قيل: الأف في الأصل فَذَلِكَ مِنْكَ قَوْلٌ كَرِيمٌ قَالَ وَ اخْفِضْ لَهُمٰا جَنٰاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ قَالَ لَا تَمْلَأْ وسخ الأظفار، ثم استعمل فيما يستقذر ثم في الضجر، و قيل: معناه الاحتقار. و قال الطبرسي (ره) روي عن الرضا عن أبيه عن أبي عبد الله (عليهم السلام) قال: لو علم الله لفظة أوجز في ترك عقوق الوالدين من أف لأتى به، و في رواية أخرى عنه (عليه السلام) قال: أدنى العقوق أف، و لو علم الله شيئا أيسر منه و أهون منه لنهى عنه، فالمعنى لا تؤذهما بقليل و لا كثير" وَ لٰا تَنْهَرْهُمٰا" أي لا تزجرهما بإغلاظ و صياح، و قيل: معناه لا تمتنع من شيء أراداه منك كما قال:" وَ أَمَّا السّٰائِلَ فَلٰا تَنْهَرْ"" وَ قُلْ لَهُمٰا قَوْلًا كَرِيماً" و خاطبهما بقول رفيق لطيف حسن جميل بعيد عن اللغو و القبيح، يكون فيه كرامة لهما" وَ اخْفِضْ لَهُمٰا جَنٰاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ" أي و بالغ في التواضع و الخضوع لهما قولا و فعلا برا بهما و شفقة لهما، و المراد بالذل هيهنا اللين و التواضع دون الهوان، من خفض الطائر جناحه إذا ضم فرخه إليه فكأنه سبحانه قال: ضم أبويك إلى نفسك كما كانا يفعلان بك و أنت صغير، و إذا وصفت العرب إنسانا بالسهولة و ترك الإباء قالوا: هو خافض الجناح، انتهى. و قال البيضاوي: و اخفض لهما، أي تذلل لهما و تواضع فيهما، جعل للذل جناحا و أمر بخفضها مبالغة و أراد جناحه كقوله: و اخفض جناحك للمؤمنين، و إضافته إلى الذل البيان و المبالغة، كما أضيف حاتم إلى الجود، و المعنى و اخفض لهما جناحك الذليل، و قرئ الذل بالكسر و هو الانقياد، انتهى. و الضجر و التضجر التبرم قوله: لا تمل، الظاهر لا تملأ بالهمزة كما في مجمع البيان و تفسير العياشي، و أما على ما في نسخ الكتاب فلعله أبدلت الهمزة حرف علة ثم حذفت بالجازم فهو بفتح اللام المخففة و لعل الاستثناء في قوله: إلا برحمة، منقطع و المراد بملإ العينين حدة النظر، و الرقة رقة القلب، و عدم رفع الصوت نوع من الأدب كما قال تعالى:" لٰا تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ". عَيْنَيْكَ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا إِلَّا بِرَحْمَةٍ وَ رِقَّةٍ وَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فَوْقَ أَصْوَاتِهِمَا وَ لَا يَدَكَ فَوْقَ أَيْدِيهِمَا وَ لَا تَقَدَّمْ قُدَّامَهُمَا " و لا يدك فوق أيديهما" الظاهر أن المراد أن عند التكلم معهما لا ترفع يدك فوق أيديهما كما هو الشائع عند العرب أنه عند التكلم يبسطون أيديهم و يحركونها، و قال الوالد (قدس الله روحه): المراد أنه إذا نلتهما شيئا فلا تجعل يدك فوق أيديهما و تضع شيئا في يدهما بل أبسط يدك حتى يأخذا منها، فإنه أقرب إلى الأدب، و قيل: المعنى لا تأخذ أيديهما إذا أرادا ضربك" و لا تقدم قدامهما" أي في المشي أو في المجالس أيضا. ثم اعلم أنه لا ريب في رعاية تلك الأمور من الآداب الراجحة لكن الكلام في أنها هل هي واجبة أو مستحبة، و على الأول هل تركها موجب للعقوق أم لا بحيث إذا قال لهما أف خرج من العدالة و استحق العقاب؟ فالظاهر أنه بمحض إيقاع هذه الأمور نادرا لا يسمى عاقا ما لم يستمر زمان ترك برهما، و لم يكونا راضيين عنه لسوء أفعاله و قلة احترامه لهما، بل لا يبعد القول بأن هذه الأمور إذا لم يصر سببا لحزنهما و لم يكن الباعث عليها قلة اعتنائه بشأنهما و استخفافهما لم تكن حراما بل هي من الآداب المستحبة و إذا صارت سبب غيظهما و استمر على ذلك يكون عاقا و إذا رجع قريبا و تداركهما بالإحسان و أرضاهما لم تكن في حد العقوق و لا تعد من الكبائر. و يؤيده ما رواه الصدوق في الصحيح قال: سأل عمر بن يزيد أبا عبد الله (عليه السلام) عن إمام لا بأس به في جميع أموره عارف غير أنه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما أقرأ خلفه؟ قال: لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا، و الأحوط ترك الجميع. و قد روى الصدوق بأسانيد عن الرضا (عليه السلام) أنه قال: أدنى العقوق أف، و لو لو علم الله عز و جل شيئا أهون من أف لنهى عنه.
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ