ابْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ نَافِعٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)يَقُولُ إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي فَقَالَ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ إِنْ حُرِّقْتَ بِالنَّارِ وَ عُذِّبْتَ إِلَّا وَ قَلْبُكَ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَ وَالِدَيْكَ فَأَطِعْهُمَا وَ بَرَّهُمَا حَيَّيْنِ كَانَا أَوْ مَيِّتَيْنِ وَ إِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَ مَالِكَ و روي في الخصال بسند معتبر عن الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من أحزن و الدية فقد عقهما. و رأيت في بعض كتب الحسين بن سعيد عن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لو علم الله شيئا أدنى من أف لنهى عنه و هو من العقوق، و هو أدنى العقوق، و من العقوق أن ينظر الرجل إلى أبويه يحد إليهما النظر. الحديث الثاني: مجهول. " لا تشرك بالله شيئا" أي لا بالقلب و لا باللسان، أو المراد به الاعتقاد بالشريك، فعلى الأول الاستثناء متصل أي إلا إذا خفت التحريق أو التعذيب فتتكلم بالشرك تقية" و قلبك مطمئن بالإيمان" كما قال سبحانه في قصة عمار حيث أكره على الشرك و تكلم به:" إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ". " و والديك فأطعهما" الظاهر أن والديك منصوب بفعل مقدر يفسره الفعل المذكور، و الكلام يفيد الحصر و التأكيد إن قدر المحذوف بعده، و التأكيد فقط إن قدر قبله، كذا قيل. و أقول: يمكن أن يقدر فعل آخر أي و ارع والديك فأطعهما" و برهما" بصيغة الأمر من باب علم و نصر" حيين" كما مر" و ميتين" كما سيأتي في السابع، أي بطلب المغفرة لهما و قضاء الديون و العبادات عنهما و فعل الخيرات و الصدقات و كل ما يوجب حصول الثواب عنهما" و إن أمراك أن تخرج من أهلك" أي من زوجتك بطلاقها" و مالك" بهبته" فإن ذلك من الإيمان" أي من شرائطه أو من فَافْعَلْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ مكملاته و ظاهره وجوب طاعتهما فيما لم يكن معصية و إن كان في نفسه مرجوحا لا سيما إذا صار تركه سببا لغيظهما و حزنهما، و ليس ببعيد لكنه تكليف شاق بل ربما انتهى إلى الحرج العظيم. قال المحقق الأردبيلي (قدس الله روحه): العقل و النقل يدلان على تحريم العقوق، و يفهم وجوب متابعة الوالدين و طاعتهما من الآيات و الأخبار، و صرح به بعض العلماء أيضا. قال في مجمع البيان:" وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً" أي قضى بالوالدين إحسانا أو أوصى بهما إحسانا و خص حال الكبر و إن كان الواجب طاعة الوالدين على كل حال، لأن الحاجة أكثر في تلك الحال، و قال الفقهاء في كتبهم: للأبوين منع الولد عن الغزو و الجهاد ما لم يتعين عليه بتعيين الإمام أو بهجوم الكفار على المسلمين مع ضعفهم، و بعضهم ألحقوا الجدين بهما. قال في شرح الشرائع: و كما يعتبر إذنهما في الجهاد يعتبر في سائر الأسفار المباحة و المندوبة، و في الواجبة الكفائية مع قيام من فيه الكفاية فالسفر لطلب العلم إن كان لمعرفة العلم العيني كإثبات الواجب تعالى و ما يجب له و يمتنع و النبوة و الإمامة و المعاد لم يفتقر إلى إذنهما، و إن كان لتحصيل الزائد منه على الفرض العيني كدفع الشبهات و إقامة البراهين المروجة للدين زيادة على الواجب كان فرضه كفاية فحكمه و حكم السفر إلى أمثاله من العلوم الكفائية كطلب التفقه إن كان هناك قائم بفرض الكفاية اشترط إذنهما، و هذا في زماننا فرض بعيد فإن فرض الكفاية في التفقه لا يكاد يسقط مع وجود مائة مجتهد في العالم، و إن كان السفر إلى غيره من العلوم المادية مع عدم وجوبها توقف على إذنهما. هذا كله إذا لم يجد في بلده من يعلمه ما يحتاج إليه بحيث لا تجد في السفر الثاني: أن يكون المراد لا تسأل أحدا عما لك عند الله من الأجر و الرزق و أمثالهما فإنها بيد الله و علمها عنده و لا ينفعك السؤال عنها بل سل العلماء عما لله عندك من الطاعات لتعلم شرائطها و كيفياتها. الثالث: أن يكون المعنى أنك لا تحتاج إلى السؤال عما لك عند الله من الثواب فإنه بقدر ما لله عندك من عملك فيمكنك معرفته بالرجوع إلى نفسك و عملك فعلى هذا يحتمل أن يكون التقدير لا تسأل عما لك عند الله من أحد إلا مما له عندك فيكون ما له عنده مسئولا و الاستثناء متصلا لكن في السؤال تجوز. و يؤيد الأخير على الوجهين ما روي في المحاسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): من أحب أن يعلم ما له عند الله فليعلم ما لله عنده، و في تحف العقول في هذا الخبر مكان هذه الفقرة هكذا: و انظر ما لله عندك في حياتك فكذلك يكون لك العهد عنده في مرجعك. قوله (عليه السلام): فإن تكن الدنيا، أقول: هذه الفقرة أيضا تحتمل وجوها: الأول: ما ذكره بعض المحققين أن المعنى إن تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتكون تطمئن إليها فعليك أن تتحول فيها إلى دار ترضى فيها ربك يعني أن تكون في الدنيا ببدنك و في الآخرة بروحك تسعى في فكاك رقبتك و تحصيل رضا ربك عنك حتى يأتيك الموت. الثاني: ما ذكره بعض الأفاضل أن المعنى إن تكن الدنيا عندك على غير ذلك فانتقل إلى مقام التوبة و الاستعتاب و الاسترضاء فإن هذه عقيدة سيئة. الثالث: ما خطر بالبال أن المعنى إن لم تكن الدنيا عندك على ما وصفت لك فتوجه إلى الدنيا و انظر بعين البصيرة فيها و تفكر في أحوالها من فنائها و تقلبها بأهلها ليتحقق لك حقية ما ذكرت، و إنما عبر (عليه السلام) عن ذلك بالتحول إشعارا بأن من أنكر ذلك فكأنه لغفلته و غروره ليس في الدنيا فليتحول إليها ليعرف ذلك. الثالث: لو دعواه إلى فعل و قد حضرت الصلاة فليؤخر الصلاة و ليطعهما لما قلناه. الرابع: هل لهما منعه من الصلاة جماعة؟ الأقرب أنه ليس لهما منعه مطلقا بل في بعض الأحيان لما يشق عليهما مخالفته كالسعي في ظلمة الليل إلى العشاء و الصبح. الخامس: لهما منعه من الجهاد مع عدم التعيين لما صح أن رجلا قال يا رسول الله أبايعك على الهجرة و الجهاد، فقال: هل من والديك أحد؟ قال: نعم كلاهما، قال: أ تبغي الأمر من الله؟ قال: نعم قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما. السادس: الأقرب أن لهما منعه من فروض الكفاية إذا علم قيام الغير أو ظن لأنه حينئذ يكون كالجهاد الممنوع منه. السابع: قال بعض العلماء: لو دعواه في صلاة النافلة قطعها، لما صح عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أن امرأة نادت ابنها و هو في صلاته قالت: يا جريح قال: اللهم أمي و صلاتي قالت: يا جريح فقال: اللهم أمي و صلاتي، فقال: لا يموت حتى ينظر في وجوه المومسات، الحديث و في بعض الروايات أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: لو كان جريح فقيها لعلم أن أجابه أمه أفضل من صلاته، و هذا الحديث يدل على قطع النافلة لأجلها، و يدل بطريق الأولى على تحريم السفر لأن غيبة الوجه فيه أكثر و أعظم، و هي كانت تريد منه النظر إليها و الإقبال عليها. الثامن: كف الأذى عنهما و إن كان قليلا بحيث لا يوصله الولد إليهما و يمنع غيره من إيصاله بحسب طاقته. التاسع: ترك الصوم ندبا إلا بإذن الأب و لم أقف على نص في الأم. العاشر: ترك اليمين و العهد إلا بإذنه أيضا ما لم يكن فعل واجب أو ترك محرم و لم أقف في النذر على نص خاص إلا أن يقال هو يمين يدخل في النهي عن اليمين إلا بإذنه. تنبيه بر الوالدين لا يتوقف على الإسلام لقوله تعالى:" وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حُسْناً. وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلٰا تُطِعْهُمٰا وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً" و هو نص و فيه دلالة على مخالفتهما في الأمر بالمعصية و هو كقوله (عليه السلام): لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى:" فَلٰا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوٰاجَهُنَّ" و هو يشمل الأب، و هذا منع من النكاح فلا يكون طاعته واجبة فيه أو منع من المستحب فلا يجب في ترك المستحب. قلت: الآية في الأزواج و لو سلم الشمول أو التمسك في ذلك بتحريم العضل فالوجه فيه أن للمرأة حقا في الإعفاف و التصون و دفع ضرر مدافعة الشهوة و الخوف من الوقوع في الحرام و قطع وسيلة الشيطان عنهم بالنكاح و أداء الحقوق واجب
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ