الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ٦

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ وَ أَنَا عِنْدَهُ لِعَبْدِ الْوَاحِدِ الْأَنْصَارِيِّ فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً فَظَنَنَّا أَنَّهَا الْآيَةُ الَّتِي فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ- وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ سَأَلْتُهُ فَقَالَ هِيَ الَّتِي فِي لُقْمَانَ- وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلٰا تُطِعْهُمٰا- فَقَالَ إِنَّ كيف يسب والديه؟ قال: يسب الرجل فيسب أباه و أمه، انتهى. و أقول: مع قطع النظر عن هذا الخبر العامي هل يمكن الحكم بأن من فعل ذلك فعل كبيرة باعتبار أن سب الأب كبيرة؟ الظاهر العدم لأن سب الغير إذا لم ينته إلى الفحش لا يعلم كونه كبيرة، و ليس هذا سب الأب حقيقة بل الظاهر أن الإسناد على المبالغة و المجاز، و فعل السبب ليس حكمه حكم المسبب إلا إذا كان السبب بحيث لا يتخلف عنه المسبب كضرب العنق بالنسبة إلى القتل، مع أن الرواية ضعيفة يشكل الاستدلال بها علي مثل هذا الحكم، و كذا خبر الروضة ضعيف على المشهور، مع أن الاستدلال باللعن على كونه كبيرة مشكل، نعم ظاهره التحريم و إن ورد في المكروهات أيضا. الحديث السادس: ضعيف. و هو من الأخبار العويصة الغامضة التي سلك كل فريق من الأماثل فيها واديا فلم يأتوا بعد الرجوع بما يسمن أو يغني من جوع، و فيه إشكالات لفظية و معنوية. أما الأولى: فهي أن الآيات الدالة على فضل بر الوالدين كثيرة و ما يناسب المقام منها ثلاث: الأولى: الآية التي في بني إسرائيل:" وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً" الثانية: الآية التي في سورة العنكبوت و هي:" وَ وَصَّيْنَا ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَأْمُرَ بِصِلَتِهِمَا وَ حَقِّهِمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ- وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ لِتُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلٰا تُطِعْهُمٰا" الثالثة: الآية التي في لقمان و هي:" وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلىٰ وَهْنٍ وَ فِصٰالُهُ فِي عٰامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوٰالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلٰا تُطِعْهُمٰا وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً" فأما الآية الأولى فهي موافقة لما في المصاحف، و الآية المنسوبة إلى لقمان لا يوافق شيئا من الآيتين المذكورتين في لقمان و العنكبوت، و أيضا تصريح الراوي أو لا بأن الكلام كان في قوله تعالى بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً، و جوابه (عليه السلام) بما لا يوافقه مما لا يكاد يستقيم ظاهرا، و أما الإشكالات المعنوية و سائر الإشكالات اللفظية فسيظهر لك عند ذكر التوجيهات. و قد ذكر فيها وجوه نكتفي بإيراد بعضها: الأول: ما خطر في عنفوان شبابي ببالي و عرضتها على مشايخي العظام (رضوان الله عليهم) فاستحسنوها و هو أن قول الراوي: و بالوالدين إحسانا بناء على زعمه أن الآية التي أشار (عليه السلام) إليها هي التي في بني إسرائيل كما ذكره بعد ذلك، و لم يذكر الإمام (عليه السلام) ذلك بل قال: أكد الله في موضع من القرآن تأكيدا عظيما في بر الوالدين، فظننا أن مراده (عليه السلام) الآية التي في بني إسرائيل، أو المراد في معنى هذه العبارة و مضمونها و إن لم يذكر بهذا اللفظ، و يحتمل أن يكون (عليه السلام) قرأ هذه الآية صريحا و أشار إجمالا إلى تأكيد عظيم في برهما فظن الراوي أن المبالغة العظيمة في هذه العبارة فقال (عليه السلام): لا بل أردت ما في لقمان و إنما نسب الراوي هذه العبارة إلى بني إسرائيل مع أنها قد تكررت في مواضع من القرآن المجيد، منها في البقرة، و منها في الأنعام، و منها في النساء لأنه تعالى عقب هذه العبارة في بني إسرائيل بتفسير تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ- فَقَالَ لَا بَلْ يَأْمُرُ بِصِلَتِهِمَا وَ إِنْ جَاهَدَاهُ عَلَى الشِّرْكِ مَا زَادَ الإحسان، و تفصيل رعاية حقهما، حيث قال:" إِمّٰا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ" إلى آخر ما مر دون ما في سائر السور، مع أنه يحتمل أن يكون الراوي سمع منه (عليه السلام) أن ما في سائر السور إنما هو في شأن الوالدين بحسب الإيمان و العلم أعني النبي و الوصي صلى الله عليهما، و ما في الأسرى في شأن والدي النسب كما قال علي بن إبراهيم في تفسير آية الأنعام أن الوالدين رسول الله و أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) و قد مضت الأخبار الكثيرة في ذلك، لكن الظاهر أنه من بطون الآيات، و لا ينافي ظواهرها. و أما الإشكال الثاني فيمكن أن يكون" حسنا" مثبتا في قراءتهم (عليهم السلام)، و نظيره في الأخبار كثير و قد مر بعضها، و سائر الأجزاء موافق لما في المصاحف، لكن قد أسقط من البين قوله:" حَمَلَتْهُ أُمُّهُ" إلى قوله:" إِلَيَّ الْمَصِيرُ" اختصارا لعدم الحاجة إليه في هذا المقام أو إحالة على ما في المصاحف، كما أنه لم يذكر" وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً" مع شدة الحاجة إليه في هذا المقام، أو يكون نقلا بالمعنى إشارة إلى الآيتين معا فذكر" حسنا" للإشارة إلى آية العنكبوت و" على أن تشرك" للإشارة إلى لقمان و كأنه لذلك أسقط (عليه السلام) الفاصلة و التتمة لعدمهما في العنكبوت، فقوله: في لقمان للاختصار أي في لقمان و غيرها، أو المراد به لقمان و ما يقرب منها بالظرفية المجازية كما يقال سجدة لقمان للمجاورة، و كأنه (عليه السلام) ذكر السورتين و الآيتين معا فاختصر الرواة عمدا أو سهوا و مثله كثير. " فقال" أي الإمام (عليه السلام)" هي التي" أي الآية التي أشرت إليها و ذكرت أن فيها المبالغة العظيمة في برهما، أو الآية التي فسرتها لعبد الواحد التي في لقمان،" فقال إن ذلك" هذا كلام ابن مسكان يقول قال الراوي المجهول الذي كان حاضرا عند سؤال عبد الواحد، و هذا شائع في الأخبار يقول راوي الراوي: قال، مكان قول الراوي: قلت، و لا يلزم إرجاع المستتر إلى عبد الواحد و تقدير أنه كان حاضرا عند هذا السؤال أيضا ليحكم ببعده و لا يستبعد ذلك من له أدنى أنس بالأخبار. حَقَّهُمَا إِلَّا عِظَماً و الحاصل أنه قال الراوي له (عليه السلام) إن ذلك، أي الأمر الذي في بني إسرائيل أعظم أن يأمر، أي بأن يأمر أو هو بدل لقوله ذلك، و غرضه أن الآية التي في بني إسرائيل و الأمر بالإحسان فيها بإطلاقها شامل لجميع الأحوال حتى حال الشرك و الآية التي في لقمان استثني فيها حال الشرك فتكون الأولى أبلغ و أتم في الأمر بالإحسان، فإن في قوله:" وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ" وصلية و إن كانت في الآية شرطية، فقال أي الإمام (عليه السلام) في جوابه: لا، أي ليس الأمر في الآيتين كما ذكرت فإن آية بني إسرائيل ليس فيها تصريح بعموم الأحوال بل فيها دلالة ضعيفة باعتبار الإطلاق، و ليس في آية لقمان استثناء حال الشرك بل فيها تنصيص علي الإحسان في تلك الحال أيضا، و إنما نهى عن الإطاعة في الشرك فقط، و قال بعده: و صاحبهما في الدنيا معروفا، فأمر بالمصاحبة بالمعروف التي هي أكمل مراتب الإحسان في تلك الحال أيضا فعلى تقدير شمول الإطلاق في الأولى لتلك الحالة التنصيص أقوى في ذلك، مع أن الدعاء بالرحمة في آخر آيات الأسرى مشعر بكونهما مسلمين فقوله: بل يأمر، أي بل يأمر الله في آية لقمان بصلتهما، و إن جاهداه على الشرك، و قوله: ما زاد حقهما جملة أخرى مؤكدة، أي ما زاد حقهما بذلك إلا عظما برفع حقهما أو بنصبه، فيكون زاد متعديا، أي لم يزد ذلك حقهما إلا عظما، و يحتمل أن يكون يأمر مبتدأ بتقدير إن و ما زاد خبره. الثاني: ما قال صاحب الوافي (قدس سره) حيث قال: إنما ظنوا أنها في بني إسرائيل لأن ذكر هذا المعنى بهذه العبارة إنما هو في بني إسرائيل دون لقمان و لعله (عليه السلام) إنما أراد ذكر المعنى أي الإحسان بالوالدين دون لفظ القرآن، و قوله (عليه السلام): أن يأمر بصلتهما بدل من قوله: ذلك، يعني أن يأمر الله بصلتهما و حقهما على كل حال الذي من جملته حال مجاهدتهما على الإشراك بالله أعظم، و المراد أنه ورد الأمر بصلتهما و إحقاق حقهما في تلك الحال أيضا و إن لم تجب طاعتهما في الشرك، و لما استبان له (عليه السلام) من حال المخاطب أنه لا تجب صلتهما في حال مجاهدتهما على الشرك رد عليه ذلك بقوله: لا، و أضرب عنه بإثبات الأمر بصلتهما حينئذ أيضا، و قوله: ما زاد حقهما إلا عظما تأكيد لما سبق. الثالث: ما ذكره بعض أفاضل المعاصرين أيضا و إن كان ماله إلى الثاني حيث قال: فلما كان بعد، أي بعد انقضاء ذلك الزمان في وقت آخر سألته عن هذا، يعني قلت: هل كان الكلام في هذه الآية التي في بني إسرائيل، فقال هي، يعني الآية التي كان كلامنا فيها هي التي في لقمان و بينها بقوله:" وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حُسْناً. وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ" من الآلهة التي يعبدها الكفرة يعني باستحقاقها الإشراك، و قيل: المراد بنفي العلم به نفيه" فَلٰا تُطِعْهُمٰا" و قوله: حسنا، ليس مذكورا في الآية لكن ذكره (عليه السلام) بيانا للمقصود، و لعل هذا منشأ للظن الذي ظنه السائل و غيره، و قوله:" وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ" مفصول عن قوله:" وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ" لكن ذكره (عليه السلام) هيهنا لتعلق الغرض به،" فقال" يعني الصادق (عليه السلام): إن ذلك، يعني الوارد في سورة لقمان أعظم دلالة على الأمر بإحسان الوالدين و أبلغ فيه من الوارد في سورة بني إسرائيل، قوله (عليه السلام): أن يأمر بصلتهما و حقهما أي رعاية حقهما على كل حال، و إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم، بدل من اسم الإشارة بدل الاشتمال، يعني الأمر بصلتهما على جميع الأحوال و إن كانت حال المجاهدة على الكفر كما هو المستفاد من آية لقمان أعظم في بيان حق الوالدين مما يستفاد من آية بني إسرائيل لعدم دلالتها على عموم الأحوال. بيان ذلك أن المستفاد من آية بني إسرائيل الأمر بالإحسان بالوالدين و الأمر لا يدل على التكرار كما تحقق في محله، فضلا عن عموم الأحوال، إذ فرق بين المطلق و العام، و ما في الآية من النهي عن التأفيف و الزجر الدال على العموم إنما يدل على عموم النهي عن الأذى و وجوب الكف عنه في جميع الأحوال، و لا يدل على وجوب تعميم الإحسان، على أن في قوله تعالى:" وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمٰا كَمٰا رَبَّيٰانِي صَغِيراً" إشعار باختصاص الأمر بالإحسان، و ما ذكر في سياقه بالمسلمين منهما للنهي عن الدعاء للكافر، و إن كان أحد الأبوين" وَ مٰا كٰانَ اسْتِغْفٰارُ إِبْرٰاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلّٰا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهٰا إِيّٰاهُ". و أما دلالة آية لقمان على وجوب الإحسان بهما و إن كان في حال الكفر فلقوله تعالى:" وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلٰا تُطِعْهُمٰا" حيث قال عز. شأنه فَلٰا تُطِعْهُمٰا، و لم يقل لا تحسن إليهما بعد الأمر بالإحسان، ثم قوله: و صاحبهما في الدنيا معروفا، كما لا يخفى على الفطن" فقال" يعني الصادق (عليه السلام)، و إنما أعاد لفظ فقال هيهنا و في السابق للتأكيد، و الفصل بين كلامه و الآية، لا نفيا لما عسى يتوهم في هذا المقام من أن غاية ما ثبت وجوب الإحسان بهما في حال الكفر و إن كان ناقصا بالنسبة إلى ما يجب في حال الإسلام أو مساويا بالنسبة إليه، فإن المقام مظنة لهذا التوهم بناء علي أن شرف الإسلام يقتضي زيادة الإحسان أو توهمه السائل و فهم الإمام (عليه السلام) ذلك، فنفاه يعني ليس الأمر كما يتوهم بل الله سبحانه يأمر بصلتهما و إن جاهداه على الشرك ما زاد حقهما إلا عظما فإن المبتلي الممتحن بالبلاء أحق بالترحم و لأن الإحسان بهما في حال الكفر يوجب ميلهما و رغبتهما إلى الإسلام كما في واقعة النصراني و أمه المذكورة في الحديث الذي يلي هذا الحديث. و يمكن أن يقال: يستفاد من الآية عظم حقهما في حال الشرك بناء على أن الراجح أن يكون قوله عز شأنه وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً، معطوفا على جزاء الشرط لا الجملة الشرطية لمرجح القرب، و قوله: في الدنيا كما لا يخفى على المتدبر، و كذا قوله: و اتبع سبيل من أناب إلى. و يحتمل أن يكون المعنى قوله (عليه السلام): لا، ليست الآية التي فسرتها ما في بني إسرائيل فيكون تأكيدا للنفي المفهوم في الكلام السابق، و على هذا يجري في قوله: بل يأمر بصلتهما الاحتمالان الآتيان في التفسير الثاني على هذا التفسير أيضا فتدبر. و في بعض نسخ الكافي فقال إن ذلك أعظم من أن يأمر بصلتهما، بزيادة لفظة" من" و يمكن تفسير الحديث بناء على هذه النسخة بأن يقال: قوله (عليه السلام): ذلك إشارة إلى ما في بني إسرائيل، و يكون الكلام مسوقا على سبيل الاستفهام الإنكاري، فيكون المراد ما في سورة بني إسرائيل أعظم في إفادة المراد من أن يأمر بصلتهما علي كل حال و إن كان حال الكفر كما في آية لقمان حتى يكون مقصودي ذلك، ثم قال: لا، تأكيدا للنفي المستفاد من الكلام السابق فقال: بل يأمر بصلتهما و إن جاهداه على الشرك ما زاد حقهما إلا عظما كما هو المستفاد من آية لقمان أعظم فالخبر محذوف للقرينة، و على هذا" حقهما" مرفوع على أنه فاعل زاد فيكون حاصل الكلام أن يأمر بصلتهما و إن جاهداه على الشرك كما هو المستفاد من آية لقمان ما زاد حقهما إلا عظما، فيكون هذا الكلام أي المذكور في سورة لقمان أعظم دلالة من ذلك ففي الكلام تقديران، و على هذا الاحتمال الأخير لا يدل الحديث على زيادة حق الوالدين في حال الكفر، و يمكن إجراء هذين المعنيين على النسخة الأولى. الرابع: ما ذكره بعض المشايخ الكبار مد ظله قال: الذي يخطر بالبال أن فيه تقديما و تأخيرا في بعض كلماته و تحريفا في بعضها من النساخ أولا و أن قوله:" وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً" بعد قوله:" أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ" و الأصل و الله أعلم: قال و أنا عنده لعبد الواحد الأنصاري في بر الوالدين في قول الله عز و جل، فظننا أنها الآية التي في بني إسرائيل:" وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً" و مثل هذا يشتبه إذا كان في آخر سطر أنه من السطر الأول أو الثاني و نحو ذلك، و البعد بينهما هنا نحو سطر، و حاصل المعنى أنه (عليه السلام) ذكر لعبد الواحد بر الوالدين في قول الله عز و جل، و لم يبين في أي موضع، فظن أن مراده (عليه السلام) أنه في بني إسرائيل. و يحتمل أن يكون: فقال إن ذلك" فقلت أن ذلك" بقرينة قوله بعد فقال: لا، و المعنى على هذا أني قلت له (عليه السلام) إن هذا عظيم و هو أنه كيف يأمر بصلتهما و حقهما علي كل حال و إن حصلت المجاهدة منهما على الشرك و الخطاب حينئذ حكاية للفظ الآية فقال (عليه السلام): لا، أي ليس بعظيم كما ظننت أن مجاهدتهما على الشرك تمنع من صلتهما و حقهما، بل هو تعالى يأمر بصلتهما و إن حصلت منهما المجاهدة، و حصول المجاهدة لا يسقط حقهما و صلتهما بل يزيده عظما فإن حق الوالدين إذا لم يسقط مع المجاهدة على الشرك كان أعظم منه مع عدم المجاهدة. و الظاهر من السياق على هذا كون إن في" وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ" وصلية في كلام الراوي و إن كانت في الآية شرطية، و في كلام الإمام (عليه السلام) يحتمل أن يكون وصلية و قوله: فلا تطعهما كلام مستقل متفرع على ما قبله، و أن تكون شرطية و جواب الشرط فلا تطعهما، و مع ملاحظة المحذوف من الآية لا يبعد الوصل باعتبار كون ما بينهما معترضا و إن كان الأظهر خلافه مع الذكر و لفظ" حسنا" إن لم يكن زائدا من النساخ أو الراوي سهوا فقد وقع مثله كثيرا في الأحاديث بما ليس في القرآن الموجود و هم (عليهم السلام) أعلم بحقيقة القرآن، نعم هو في آية العنكبوت و لا يمكن إرادتهما بعد قوله (عليه السلام) في سورة لقمان باعتبار الظرفية بخلاف سجدة لقمان فإن الإضافة تصدق بأدنى ملابسة فأضيفت سجدة سورة السجدة إلى لقمان للقرب و عدم الفصل بسورة أو باعتبار إضافة السجدة بمعنى سورة السجدة إلى لقمان ثم توسعوا بإضافة السجدة التي في السورة إلى لقمان. و يمكن أن يكون على هذا، الآية في الواقع كما ذكره (عليه السلام) من غير الزيادة التي في لقمان و هي" حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً" إلخ إن ثبت هذا و تكون في محل آخر إلا أن يكون المقصود ذكر ما يتعلق بالمقام فقط مع حذف غيره، و التنبيه على كون" وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ" وصليا للكلام الأول، و لفظ يأمر الثاني يحتمل أن يكون أصله يؤمر فهو من قبيل ما تقدم من التحريف. هذا ما يتعلق بالحديث على تقدير المذكور و على ما في الحديث من قوله" فقال" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ضميره راجعا إلى عبد الواحد، و فيه أن عبد الواحد لم يذكر إلا في الكلام الأول، و قوله: فلما كان بعد سألته، كلام آخر فرجوعه إلى عبد الواحد يحتاج إلى تكلف تقدير حضور عبد الواحد وقت سؤال غيره في وقت آخر فإرجاع الضمير إليه مع عدم قرينة تدل على ذلك فهو كما ترى. الثاني: أن يكون معطوفا على" فقال" السابق، و القائل حينئذ الإمام (عليه السلام) و المعنى فقال بعد ذكر الآية إن هذه الآية أمر الوالدين فيها أعظم من أمرهما في آية بني إسرائيل لفهمه (عليه السلام) ما ظنه السائل فإن في هذه الوصية و إن حصلت المجاهدة على الشرك، فالمجاهدة لا تسقط حقهما بل يترتب عليهما عدم الإطاعة في ذلك، و هو أن يأمر تعالى بصلتهما و حقهما على كل حال حتى مع المجاهدة. و على هذا فقوله: فقال لا، ضميره يحتمل أن يرجع إليه تعالى بمعنى أنه تعالى قال بعد ما ذكر مفسرا من الإمام (عليه السلام) لا، أي لا تطعهما بل هو تعالى يأمره بصلتهما و إن جاهداه على الشرك، و ليس هذا تكرارا لما تقدمه فإنه يفيد أن عدم الإطاعة لهما ليس في كل شيء فيه برهما بل في الشرك فقط، و كلما فيه صلة لا يترك بسبب المجاهدة على الشرك، و يحتمل بعيدا أن تكون إن في قوله: و إن جاهداه على الشرك شرطية، و جواب الشرط ما زاد حقهما إلا عظما، و المعنى حينئذ أن المجاهدة على الشرك لا تسقط حقهما بل تزيده عظما و الله تعالى أعلم بمقاصد أوليائه انتهى كلامه زيد فضله. الخامس: ما ذكره بعض الشارحين فاقتفى أثر الفضلاء المتقدم ذكرهم في جعل ضمير قال في الموضعين راجعا إلى الإمام (عليه السلام) إلا أنه حمل الوالدين على والدي العلم و الحكمة، و قال:" ذلك" في قوله:" إن ذلك أعظم" إشارة إلى قوله تعالى:" وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ" و" أعظم" فعل ماض تقول أعظمته و عظمته بالتشديد إذا جعلته عظيما، و" إن يأمر" مفعوله بتأويل المصدر و المراد بالأمر بالصلة الأمر السابق على هذا القول و اللاحق له أعني قوله: اشكر لي و لوالديك، و قوله: و صاحبهما و اتبع، فأفاد (عليه السلام) بعد قراءة قوله تعالى:" وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ" أن هذا القول أعظم الأمر بصلة الوالدين و حقهما علي كل حال، حيث يفيد أنه تجب صلتهما و طاعتهما مع الزجر و المنع منهما فكيف بدونه" وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ" إلخ ثم قرأ هذا القول و هو قوله تعالى:" وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ" و أفاد بقوله: لا، أنه ليس المراد منه ظاهره و هو مجاهدة الوالدين على الشرك و نهى الولد عن إطاعتهما عليه بل يأمر الولد بصلة الوالدين و إن منعه المانعان أي أبو بكر و عمر عنهما و ما زاد هذا القول حقهما إلا عظما و فخامة. و استشهد لذلك برواية أصبغ المتقدمة في باب نكت التنزيل في تأويل تلك الآيات ذاهلا عن أنه تأويل لبطن الآية و لا ينافي تفسير ظهرها بوجه آخر. لكن يؤيده ما رواه مؤلف كتاب تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة نقلا من تفسير محمد بن العباس بن ماهيار بسنده الصحيح عن عبد الله بن سليمان قال: شهدت جابر الجعفي عند أبي جعفر (عليه السلام) و هو يحدث أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليا (عليه السلام) الوالدان، قال عبد الله بن سليمان: و سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: منا الذي أحل له الخمس، و منا الذي جاء بالصدق، و منا الذي صدق به، و لنا المودة في كتاب الله عز و جل، و على و رسول الله (صلوات الله عليهما) الوالدان و أمر الله ذريتهما بالشكر لهما. و روي أيضا بسند صحيح آخر عن ابن مسكان عن زرارة عن عبد الواحد بن مختار، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: أ ما علمت أن عليا أحد الوالدين قال الله تعالى:" أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوٰالِدَيْكَ" قال زرارة: فكنت لا أدري أي آية هي التي في بني إسرائيل أو التي في لقمان قال: فقضي لي أن حججت فدخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فخلوت به فقلت: جعلت فداك حديث جاء به عبد الواحد؟ قال: نعم، قلت: أي آية هي؟ التي في لقمان أو التي في بني إسرائيل؟ فقال: التي في لقمان. و روي أيضا بسند آخر عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول:" وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ" رسول الله و علي (صلوات الله عليهما). ثم إنه يظهر من هذه الأخبار أن في رواية الكافي تصحيفا و تحريفا و أن قوله عمن رواه تصحيف عن زرارة، و به يرتفع بعض الإشكالات، لكن تطبيقه على الآية في غاية و قد مرت الوجوه في ذلك في الباب المذكور. و إنما أطنبت الكلام في هذا الخبر لتعرف ما ذهب إليه أوهام أقوام و تختار ما هو الحق بحسب فهمك منها و الله الموفق. ثم لنذكر تفسير آية لقمان مشيرا إلى بعض الدقائق المستنبطة منها: فمن ذلك قوله تعالى:" وَ وَصَّيْنَا" فإن فيه تأكيدا و مبالغة من جهة أن التعبير بالتوصية إنما يكون في الأمور العظيمة المهتم لها كما هو الظاهر في المقامات المستعملة فيها من الآيات و الأخبار و عرف سائر الناس، و من جهة أن فيها إشعارا بأن الموصى به مما فيه صلاح و قربة، فإن أصل التوصية التقدم إلى الغير بما فيه صلاح، ففيه دلالة على أن هذا الأمر مما فيه صلاح الحال أو إصلاح المال فيجب الإقدام عليه، فيكون أدل على المقصود و كان بمنزلة نصب الدليل على الدعوى، مع ما في هذه الصيغة من الدلالة على المبالغة و التكثير. و لعل قوله تعالى وَصَّيْنَا دون وصيت باعتبار التعظيم أو باعتبار شركة الأنبياء و الرسل و الملائكة و حملة الوحي و الأوصياء المبلغين للأحكام في هذه التوصية مع مشاركة العقول المستقيمة فيها، فإن الحكم بذلك ليس بشرعي صرف، فيكون فيه مبالغة من هذه الجهة، على أنه على تقدير التعظيم أيضا لا يخلو عن نوع مبالغة كما لا يخفى. و منها قوله جل و عز:" الإنسان" حيث لم يخاطب بصيغة الجمع كما في الآية الأخرى فإنه يدل على عموم المأمورين بهذا الحكم صريحا، و أما الخطابات القرآنية علي سبيل المشافهة، فالتحقيق فيها أنها متوجهة إلى الموجودين في وقت الخطاب، و مشاركة حكم باقي الأمة لحكمهم إنما استفيدت بدليل من خارج، لا من نفس الآية و إلى هذا ذهب المحققون من الأصوليين و من حيث لم يقل" الناس" فإنه يستفاد من هذا أن الحكم كأنه متوجه إلى كل واحد واحد من أفراد الإنسان يستفاد من هذا أن الحكم كأنه متوجه إلى كل واحد واحد من أفراد الإنسان بانفراده بخلاف ذلك، و لا يخفى ما في ذلك من المبالغة. و منها عدم ذكر قوله:" إحسانا" كما في الآية الأخرى لما فيه من الإشعار بكون ذلك متعينا لا يتوهم غيره أو للتعميم و ذهاب الذهن كل مذهب، و فيهما من المبالغة ما لا يخفى. و منها إيراد الضمير المجرور في قوله تعالى شأنه:" بِوٰالِدَيْهِ" و لم يقل بالوالدين كما في الأخرى لأن في الاختصاص المستفاد من الإضافة استعطافا و استرحاما و إشارة إلى الانتساب الخاص و الرحم الماس و تهييجا للعلاقة الطبيعية من جهة تذكير النسبة الخاصة، و فيه إشارة إلى التعليل و إلى أن تكون اهتمامهم بذلك حيث كان مصلحة لهم و للمختصين بهم اختصاصا فوق كل اختصاص بحيث لا يحتاج إلى التوصية و الموعظة من غيرهم إلى أن هذا من مهمات أمورهم، و لا يرجع إلى مصلحة للموصي. و منها قوله:" حَمَلَتْهُ أُمُّهُ" لأن فيه دلالة على علة الحكم و تذكير ما احتملته من الأعباء الثقيلة و المشاق الشديدة التي قاستها في حال الحمل، من الحمل الثقيل في جميع الحالات من غير استراحة و تغير المزاج عن الحالة الطبيعية و تطرق الفتور إلى أكثر القوي و الأمراض و الأعراض التي حلت بها حال الحمل بسبب إحساس الطمث و ارتفاع الأبخرة الرديئة إلى الدماغ من الكرب و الكسل، و ثقل البدن و خبث النفس و الغشيان و القشعريرة و الصداع و الدوار و ظلمة العين و الخفقان و غور العين و استرخاء جفنها، و الشهوات الرديئة و تغير اللون و حدوث آثار خارجة عن الطبيعة و العوارض النفسانية التي تعرض لها، مثل الخوف من شدائد الطلق و تبعاته، و عروض الآلام و الأوجاع التي تتحملها في حال الوضع، إلى غير ذلك و في ضمير قوله: أمه، من المبالغة ما ذكر في قوله: والديه. و منها قوله عز شأنه:" وَهْناً" أي ذات وهن، أو تهن وهنا أي تضعف ضعفا فوق ضعف بالحمل الثقيل الذي يتزايد في الثقل يوما فيوما بسبب أنه يعظم الولد و يكبر و يزداد أعضاءها و قواها ضعفا و و هنا على طول الأيام بسبب دوام الثقل و الآفات و العوارض الحادثة بسبب العلوق، و كل حامل لشيء ثقيل إذا تعب و أعيى يضع حمله ليستريح و يستقوي، ثم يرجع إلى الحمل بعد رجوع القوة و زوال الإعياء إن تعلق به الغرض، بخلاف المرأة الحاملة فإنها ليست لها استراحة في الأثناء مع أن المحمول دائما في ازدياد الثقل و النمو، و العامل في انحطاط القوة و غلبة الضعف و إن أمكن لها دفع ثقل و وضعه بالإسقاط لا تفعل. ففي ذكر هذا مبالغة في وجوب الإحسان بناء على تحمل مثل هذه المشاق التي لا يتحملها غيرها، فكيف يمكن الإهمال و التساهل في رعاية حقها، و فيه تمهيد لكون الإحسان لهما هو الشكر للنعمة الذي تطابق العقل و النقل على وجوب رعايته، و في قوله: على، دون في زيادة المبالغة و إشعار بأن الوهن اللاحق أشد من السابق لما في معناها من تضمن معنى العلو و الاستيلاء. و قيل: قوله وهنا على وهن، حال من الضمير المنصوب فيكون المراد وهن الولد، و يكون إشارة إلى ضعف الولد و عجزه و عدم فوته و انتهاضه بتحصيل مصالحه و سقوطه عن مرتبة مكافأة الإحسان و مجازاة الامتنان في مراتب تنقلاته في الأطوار المختلفة و تحولاته في الصور و الأحوال المتعاقبة من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ظهور نقوش الأعضاء و صورها إلى غير ذلك من أحواله فإن الجنين بل الرضيع قبل استوائه و بلوغ أشده في وهن على وهن، و لعل الوهن التالي أشد من السالف لانضمام ازدياد الحاجة مع العجز عن الكفاية إلى ضعف القوة ففي مثل تلك الأحوال حملته الأم حملا ثقيلا و أتعب نفسها في حفظه و وقته بذاتها و أعضاء جسدها و أسكنته في صميم بدنها فكيف يسوغ للعاقل التكاسل في أداء حقها. ففيه مبالغة و تذكير لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد. و منها قوله تعالى:" وَ فِصٰالُهُ فِي عٰامَيْنِ" أي فصاله في انقضاء عامين، و فيه بيان لقسط أخرى من حقوق الأم فإنه بعد انقضاء أيام الحمل و تحملها آلامها لم تفرغ للراحة بل كانت ممنوة بتعب الإرضاع في تلك المدة الطويلة فاختارته و آثرته على نفسها في مطعمه و مشربه و ملبسه و نومه و راحته مقترة علي نفسها في توسعته، فهجرت النوم و الراحة و قاست التعب الشديد في …

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.