حفظه و رعايته و ضبطه و كفايته حيث عجز من تفقد حاله و جذب المنافع و دفع الآلام عن نفسه، فكانت بمنزلة حواسه و جوارحه و أعضائه في طلب مصالحه و دفع مضاره نائبة مناب تلك الآلات الجليلة في الآثار التي يترتب عليها و كثيرا ما يبتلي بشدة الاحتماء و ترك الملاذ و شرب الأدوية الكريهة البشعة و الفصد و الحجامة من غير مرض و علة لمداواة المرض الذي حل به. و الأب لا يخلو عن كثير من ذلك في تلك المدة لاهتمامه و اشتغاله بحال الولد و شدة عنايته بتربيته فهو مشغول بحاله بالجنان و الأركان، ففيه إشارة و تذكير إلى عظم منتهما و قدم نعمتهما تحريصا علي الإحسان و حثا على الثبات في هذا الشأن. و منها قوله عز شأنه:" أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوٰالِدَيْكَ" حيث جعلهما تلوا له جل إحسانه في وجوب الشكر و حيث عبر عن الإحسان بهما بالشكر الذي تطابقت العقول و توافقت الشرائع على وجوب أدائه و لزوم رعايته تذكيرا لأنعمهما ثانيا و تحريصا على مراعاة الإحسان و مبالغة في الغرض المسوق له بالكلام، و أبلغ من ذلك أنه جعل الإحسان إليهما شكرا له تعالى فإن قوله تعالى:" أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوٰالِدَيْكَ" تفسير لوصينا أو علة له، أو بدل من والديه بدل الاشتمال. و مما يزيد في ذلك استعظامه تعالى أمر الشكر فيما قبل هذا المقام من غير فصل يعتد به حيث قال تعالى: حيث قال وَ لَقَدْ آتَيْنٰا لُقْمٰانَ الْحِكْمَةَ" أَنِ اشْكُرْ لِلّٰهِ" أي لأن أشكر أو أي اشكر، حيث جعل الشكر تفسيرا و غاية للحكمة التي من بها على لقمان، و آل إبراهيم حيث قال جل شأنه:" فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ" و هي النعمة التي من يؤتها فقد أوتي خيرا كثيرا، و قد جعل تعليم الحكمة في غير واحد من الآيات غاية لبعث الأنبياء و إرسالهم إلى الخلق و وصف بها ذاته سبحانه في غير موضع، ثم قال:" وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ" لأن نفعه عائد إليها و هو دوام النعمة و استحقاق مزيدها، تحريصا على الإتيان بالشكر لأن الإنسان حريص علي تحصيل مصالحه، ثم قال:" وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ" أي حقيق بالحمد و إن لم يحمد، أو محمود في السماوات و الأرضين يحمده كل مخلوق بلسان الحال و إن عجز أو أبي عن المقال، ففيه تعبير عن ترك الشكر بالكفر، و إشارة إلى أن أمره بالشكر ليس لحاجة له إليه و أنه يحمده الصامت و الناطق، فكيف يسوغ لأحد أن يترك شكر ربه. ففي ذلك من المبالغة الشديدة ما لا يخفى على اللبيب، و التلون و الالتفات الذي في قوله تعالى:" أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوٰالِدَيْكَ" لا يخلو عن مبالغة، إذ فيه تنشيط للسامع و تطرية لنشاطه و إيقاظ للإصغاء إليه و إشعار بزيادة الاهتمام. و منها قوله سبحانه بعد ما سبق:" إِلَيَّ الْمَصِيرُ" ففيه دلالة على أن المصير و المرجع إلى الله الذي بيده ملكوت السماوات و الأرض، و هو على كل شيء عليم، و على كل شيء قدير، فيجازي و يثيب أحسن الجزاء أن أحسنتم بهما و شكرتم، و يعاقب أشد العقوبة و العذاب إن خالفتم و أسأتم، و إنما قال تعالى:" إلى" لا إلينا، مثل وصينا لئلا يتوهم الشركة هيهنا. و منها قوله تعالى بعد ذلك:" وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلٰا تُطِعْهُمٰا" فإن فيه دلالة على لزوم الإحسان في حال الكفر أيضا كما مر، و في التعبير بقوله: جاهداك الدال على زيادة الجهد و المبالغة فيه الدالة على التوغل في الكفر زيادة مبالغة في الغرض المطلوب. و منها قوله بعد ذلك:" وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً" أي صحابا معروفا يقتضيه الشرع و يقتضيه الكرم. و منها قوله بعد ذلك:" وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنٰابَ إِلَيَّ" إشارة إلى أن هذا طريق
الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابُ الْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ