الأقسامالكافيكتاب الإيمان و الكفر
الكافي · رقم ١

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ لَمْ تَتَوَاخَوْا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَ إِنَّمَا لم يتق للعلم بأن تقيته يؤدي إلى بطلان الدين بالكلية، فالتقية إنما تكون فيما لم يصر تقيته سببا لفساد الدين و بطلانه كما أن تقيتنا في غسل الرجلين أو بعض أحكام الصلاة و غيرها لا تصير سببا لخفاء هذا الحكم و ذهابه من بين المسلمين، لكن لم أر أحدا صرح بهذا التفصيل، و ربما يدخل في هذا التقية في الدماء و فيه خفاء، و يمكن أن يراد بالأداء إلى الفساد في الدين أن يسري إلى العقائد القلبية أو يعمل التقية في غير موضع التقية. ثم اعلم أنه يستفاد من ظاهر هذا الخبر وجوب المؤاخاة و أداء الحقوق بمجرد ثبوت التشيع، قيل: و هو على إطلاقه مشكل، كيف و لو كان ذلك كذلك للزم الحرج و صعوبة المخرج إلا أن يخصص التشيع بما ورد من الشروط في أخبار صفات المؤمن و علاماته. و أقول: يمكن أن يكون الاستثناء الوارد في الخبر بقوله: إلا أن يجيء منه نقض، شاملا لكبائر المعاصي بل الأعم. باب في أن التآخي لا يقع على الدين و إنما هو التعارف الحديث الأول: ضعيف على المشهور معتبر عندي. " لم تتواخوا على هذا الأمر" أقول: الخبر يحتمل وجوها تَعَارَفْتُمْ عَلَيْهِ الأول: ما أفاده الوالد (قدس سره) و هو أن التآخي بينكم لم يقع على التشيع و لا في هذه النشأة بل كانت أخوتكم في عالم الأرواح قبل الانتقال إلى الأجساد، و إنما حصل تعارفكم في هذا العالم بسبب الدين، فكشف ذلك عن الأخوة في العليين، و ذلك مثل رجلين كانت بينهما مصاحبة قديمة فافترقا زمانا طويلا ثم تلاقيا فعرف كل منهما صاحبه، و يؤيده الحديث المشهور عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف، و هذا الخبر و إن كان عاميا لكن ورد مثله في أخبارنا بأسانيد جمة أوردتها في الكتاب الكبير. منها: ما روى الصفار في البصائر بأسانيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: و الله يا أمير المؤمنين (عليه السلام) إني لأحبك، فقال: كذبت، فقال الرجل: سبحان الله كأنك تعرف ما في قلبي؟ فقال علي (عليه السلام): إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، ثم عرضهم علينا فأين كنت لم أرك. و عن عمارة قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين إذ أقبل رجل فسلم عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين و الله إني لأحبك فسأله ثم قال له: إن الأرواح خلقت قبل الأبدان بألفي عام، ثم أسكنت الهواء فما تعارف منها ثم ائتلف هيهنا، و ما تناكر منها ثم اختلف هيهنا، و إن روحي أنكر روحك. و بسنده أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله، إلا أنه قال: إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام فأسكنها الهواء ثم عرضها علينا أهل البيت، فو الله ما منها روح إلا و قد عرفنا بدنه، فو الله ما رأيتك فيها فأين كنت. و روى الصدوق في العلل بسند موثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها في الميثاق ائتلف هيهنا و ما تناكر منها في الميثاق اختلف هيهنا. و روي بسند آخر عنه (عليه السلام) أنه قال لرجل من أصحابه: ما تقول في الأرواح أنها جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف؟ قال: فقلت: إنا نقول ذلك، قال: فإنه كذلك إن الله تعالى أخذ على العباد ميثاقهم و هم أظلة قبل الميلاد، و هو قوله عز و جل" وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ" الآية قال: فمن أقر له يومئذ جاءت ألفته هيهنا، و من أنكره يومئذ جاء خلافه هيهنا. و قال ابن الأثير في النهاية: فيه الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف" مجندة" أي مجموعة كما يقال ألوف مؤلفة و قناطير مقنطرة، و معناه الإخبار عن مبدء كون الأرواح و تقدمها على الأجساد أي أنها خلقت أول خلقها على قسمين، من ائتلاف و اختلاف كالجنود المجموعة إذا تقابلت و تواجهت، و معنى تقابل الأرواح ما جعلها الله عليه من السعادة و الشقاوة و الأخلاق في مبدء الخلق، يقول: إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف و تختلف على حسب ما خلقت عليه، و لهذا ترى الخير يحب الأخيار و يميل إليهم، و الشرير يحب الأشرار و يميل إليهم، انتهى. و قال الخطابي: خلقت قبلها تلتقي فلما التبست بالأبدان تعارفت بالذكر الأول، انتهى. و أقول: استدل بهذا الحديث على أمرين" الأول" خلق الأرواح قبل الأبدان و قد اختلف المتكلمون و المحدثون من العامة و الخاصة في ذلك فذهب أكثر المتكلمين إلى أن الأرواح بعد تمام خلقة البدن، قال شارح المقاصد: النفوس الإنسانية سواء جعلناها مجردة أو مادية حادثة عندنا لكونها أثر القادر المختار، و إنما الكلام في أن حدوثها قبل البدن لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، أو بعده لقوله تعالى بعد ذكر أطوار البدن:" ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ" إشارة إلى إفاضة النفس، و لا دلالة في الحديث مع كونه خبر واحد على أن المراد بالأرواح النفوس البشرية أو الجوهرية العلوية و لا في الآية على أن المراد إحداث النفس أو إحداث تعلقها بالبدن، و أما الفلاسفة فمنهم من جعلها قديمة و ذهب أرسطو و شيعته إلى أنها حادثة، ثم ذكر دلائل الطرفين و اعترض عليها بوجوه. و أما أصحابنا (رضوان الله عليهم) فظاهر أكثر المحدثين أنهم قالوا بظواهر تلك الأخبار، قال الصدوق رضي الله عنه في رسالة الاعتقادات: اعتقادنا في النفوس أنها الأرواح التي بها الحياة و أنها الخلق الأول، لقول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): أول ما أبدع الله سبحانه هي النفوس المقدسة المطهرة فأنطقها بتوحيده، ثم خلق بعد ذلك سائر خلقه، و اعتقادنا فيها أنها خلقت للبقاء و لم تخلق للفناء، و ساق الكلام إلى قوله: و قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، و ما تناكر منها اختلف، و قال الصادق (عليه السلام): إن الله تعالى آخى بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأبدان بألفي عام، فلو قد قام قائمنا أهل البيت لورث الأخ الذي آخى بينهما في الأظلة، و لم يورث الأخ من الولادة. و أما المتكلمون منا فأكثرهم قالوا بحدوثها بعد تصوير البدن في الرحم و أولوا هذه الأخبار بتأويلات بعيدة، قال الشيخ المفيد (ره) في أجوبة المسائل السروية: فأما الخبر بأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فهو من أخبار الآحاد، و قد روته العامة كما روته الخاصة، و ليس هو مع ذلك مما يقطع على الله بصحته، و إن ثبت القول فالمعنى فيه أن الله تعالى قدر الأرواح في علمه قبل اختراع الأجساد، و اخترع الأجساد و اخترع لها الأرواح، فالخلق للأرواح قبل الأجساد خلق تقدير في العلم كما قدمناه، و ليس بخلق لذواتها كما وصفناه، و الخلق لها بالإحداث و الاختراع بعد خلق الأجسام و الصور التي تدبرها الأرواح، و لو لا أن ذلك كذلك لكانت الأرواح تقوم بأنفسها، و لا تحتاج إلى آلة تعتملها و لكنا نعرف ما سلف لنا من الأحوال قبل خلق الأجساد كما نعلم أحوالنا بعد خلق الأجساد، و هذا محال لا خفاء بفساده، و أما الحديث بأن الأرواح جنود مجندة فالمعنى فيه أن الأرواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر بالجنس و تتخاذل بالعوارض فما تعارف منها باتفاق الرأي و الهوى ائتلف، و ما تناكر منها بمباينة في الرأي و الهوى اختلف، و هذا موجود حسا و مشاهد و ليس المراد بذلك أن ما تعارف منها في الذر ائتلف كما تذهب إليه الحشوية كما بيناه من أنه لا علم للإنسان بحال كان عليها قبل ظهوره في هذا العالم، و لو ذكر بكل شيء مما ذكر ذلك، فوضح بما ذكرناه أن المراد بالخبر ما شرحناه و الله الموفق للصواب، انتهى. و قال الراوندي (ره) في كتاب ضوء الشهاب: في شرح قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): الأرواح جنود مجندة قال بعض من تكلم في هذا الحديث: أنه على حذف المضاف، و التقدير ذوا الأرواح، و هذا قريب المأخذ، و عند جماعة من محققي أصحاب الأصول أنه يجوز عقلا أن يكون الله تعالى إذا استشهد الشهيد أو توفي النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أو الصالح من بني آدم ينتزع من جسده أجزاء بقدر ما تحل الحياة التي كانت الجملة بها حية، فيردها إلى تلك الأجزاء فتصير حيا و إن كان جثته صغيرة، فيرفعه إلى حيث شاء فإنه لا اعتبار في الحي بالجثة، و ظاهر الكتاب يشهد بصحة ذلك و كذا الحديث، و هذا الحديث أيضا مما يعضده، فعلى هذا تتعارف هذه الأجساد اللطيفة بعد موت صاحبها كما كانت في دار الدنيا، يعرف بعضها بعضا، و تتباشر فتأتلف و بالعكس، انتهى. و أقول: قيام الأرواح بأنفسها أو تعلقها بالأجساد المثالية ثم تعلقها بالأجساد العنصرية مما لا دليل على امتناعه، و أما عدم تذكر الأحوال السابقة فلعله لتقلبها في الأطوار المختلفة أو لعدم القوي البدنية أو كون تلك القوي قائمة بما فارقته من الأجساد المثالية، أو لا ذهاب الله تعالى عنها تذكر هذه الأمور لنوع من المصلحة، كما ورد أن التذكر و النسيان منه تعالى، مع أن الإنسان لا يتذكر كثيرا من أحوال الطفولية و الولادة، و التأويلات المذكورة يأبى عنها صريح كثير من الأخبار التي مر بعضها. الثاني: أن الأرواح الإنسانية مختلفة في الحقيقة، قال العلامة نور الله مرقده في شرح التجريد: ذهب الأكثر إلى أن النفوس البشرية متحدة في النوع متكثرة بالشخص، و هو مذهب أرسطو، و ذهب جماعة من القدماء إلى أنها مختلفة بالنوع. و قال شارح المقاصد: ذهب جمع من قدماء الفلاسفة إلى أن النفوس الحيوانية و الإنسانية متماثلة متحدة المهية، و اختلاف الأحوال و الإدراكات عائد إلى اختلاف الآلات، و هذا لازم على القائلين بأنها أجسام و الأجسام متماثلة إذ لا تختلف إلا بالعوارض، و أما القائلون بأن النفوس الإنسانية مجردة فذهب الجمهور منهم إلى أنها متحدة المهية و إنما تختلف في الصفات و الملكات، و اختلاف الأمزجة و الأدوات، و ذهب بعضهم إلى أنها مختلفة بالمهية بمعنى أنها جنس تحته أنواع مختلفة، تحت كل نوع منها أفراد متحدة المهية متناسبة الأحوال بحسب ما يقتضيه الروح العلوي المسمى بالطباع التام لذلك النوع، و يشبه أن يكون قوله (عليه السلام): الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): الأرواح جنود مجندة" الحديث"

الكافي — كتاب الإيمان و الكفر · بَابٌ فِي أَنَّ التَّوَاخِيَ لَمْ يَقَعْ عَلَى الدِّينِ وَ إِنَّمَا هُوَ التَّعَارُفُ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.